حرب السودان.. حين تتحول المرأة لأداة تحريض على قتل النساء
تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT
في حرب السودان تنامت خطابات التحريض من نساء ضد النساء، وهو يمثل أحد أبرز مظاهر الانحدار الأخلاقي والإنساني في المشهد السوداني- وفق الخبراء.
كمبالا – التغيير
مع تطاول أمد الحرب في السودان ودخول عامها الثالث، لم تعد ساحات القتال وحدها مسرحًا للعنف، بل تحولت منصات التواصل إلى فضاء يشرعن الكراهية ويعيد إنتاجها.
وفي هذا المناخ، برزت أصوات نسائية من طرفي النزاع “الجيش وقوات الدعم السريع”، تبث خطابًا محرضًا ضد النساء، وتدعو إلى العنف الجنسي والقتل والإبادة.
الموت بالكلمة قبل الرصاصةانتشر على منصات التواصل قبل عام تسجيل منسوب إلى الإعلامية المحسوبة على الجيش السوداني عائشة الماجدي، يدعو إلى قتل نساء قبائل البقارة بوصفهن “من يُنجبن الجنجويد”، قبل أن تخرج الماجدي لاحقًا لتنفي صلتها بالتسجيل وتعلن براءتها مما ورد فيه.
غير أن موجة التحريض لم تتوقف، إذ عادت القيادية السابقة في حزب المؤتمر الوطني المحلول حياة الملك، لتكرر ذات الخطاب، مستخدمة عبارات تدعو إلى استهداف “المرأة البقارية لأنها تلد خمسة عشر جنجويدياً”.
على الجانب الآخر، تداولت منصات التواصل مؤخرًا فيديو لـ”شيراز” العاملة في فريق الإعلام والعلاقات العامة لقوات الدعم السريع، وهي توجه تهديدات صريحة لسكان مدن أم درمان، ونهر النيل، وبورتسودان، قائلة إن “أهالي بورتسودان سيعبرون البحر حتى تأكلهم الأسماك”. ولكن أخطر ما جاء في حديثها كان موجهًا إلى المقاتلين: “اذهبوا إلى الولاية الشمالية من أجل بناتها… حتى تنظفوا لهم سلالتهم”. وسط مشهد احتفالي وصياح من عناصر الدعم السريع.
لاحقًا، قدمت شيراز اعتذارًا علنيًا عن العبارات التي صدرت عنها، وأقرت بتجاوزها للحدود الأخلاقية، مؤكدة أن ما قالته كان في لحظة انفعال ولا يعكس قيم المجتمع ولا مكانة النساء في السودان.
رغم اختلاف المواقف بين المعسكرين تكشف هذه الحالات عن استغلال المرأة لأغراض الحرب، وتحويل جسدها إلى ساحة صراع تُحمّل فيها مسؤولية سياسية عن أفعال الآخرين، وهو ما يدخل ضمن الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي أثناء النزاعات.
ومع ان الخطابين تضمنا تهديدات منشورة وموثقة، إلا أن مؤسستي الجيش والدعم السريع لم يصدر عنهما أي تنصل أو مساءلة رسمية.
مظاهر انحدار أخلاقيعضوة تحالف نساء السودان التأسيسي (نسوة) دار السلام عبد الله وداعة محمد، قالت في حديثها مع (التغيير)، إن خطابات التحريض ضد النساء، خاصة حين تصدر من نساء ينتمين إلى طرفي النزاع، تمثل أحد أبرز مظاهر الانحدار الأخلاقي والإنساني في المشهد السوداني.
وأوضحت أن النموذجين البارزين، شيراز من جانب قوات الدعم السريع وعائشة الماجدي من معسكر الجيش، يعكسان تحول بعض النساء إلى جزء من آلة الحرب، بدل أن يكنّ صوتًا للسلام والقيم الإنسانية.
وأشارت إلى أن صمت حكومة الدعم السريع تجاه تصريحات شيراز، مقابل عدم تبرؤ الجيش من عائشة الماجدي رغم تحريضها المباشر على العنف والاغتصاب وقتل النساء والأطفال، يطرح تساؤلات حول غياب المحاسبة.
وأكدت أن الدعوة للعنف ضد النساء جريمة قانونية وأخلاقية، وقد تدخل ضمن جرائم الحرب وفق المعايير الدولية. ورغم اعتذار شيراز علنًا، فإن استمرار عائشة الماجدي في تبني خطاب تحريضي شبه يومي يمنح تصريحاتها صبغة رسمية.
وتساءلت دار السلام: إذا كان الجيش يرفض استهداف المدنيين أو تبرير العنف الجنسي، فلماذا لم يُتخذ أي إجراء لوقف الأصوات التي تشجع على هذه الجرائم؟.
وأضافت أن غياب المحاسبة يؤكد عدم وجود إرادة حقيقية لمواجهة خطاب الكراهية أو وضع حدود واضحة تمنع التحريض، مشيرة إلى أن الأطراف المتحاربة تتغاضى عن الخطاب حين يخدم مصالحها الدعائية، ما يجعل تأثيره أكثر خطورة لأنه يهيئ بيئة تتسامح مع العنف وتبرره.
واختتمت عضوة تأسيس بالقول، إن مسؤولية المجتمع المدني تقتضي الاستمرار في رفض هذا النوع من الخطابات، والتأكيد على أن التحريض ضد النساء جريمة لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، مشددة على أن السلام الحقيقي يبدأ بالكلمة المسؤولة وليس بالسلاح.
جسد المرأة.. ميادين المعركة المفضلةسألنا القيادي بحزب المؤتمر السوداني مهدي رابح عن أسباب غياب ردود الفعل الصارمة تجاه هذا النوع من الخطاب، فأجاب: اسمحي لي في البدء أن أتساءل بدوري: ردود أفعال صارمة من قبل من؟ إذا كان المقصود طرفي الحرب، فكلاهما يفتقر إلى التأهيل المهني والأخلاقي لاتخاذ أي خطوة حقيقية لوقف خطاب التحريض والكراهية، أو لنسمّه كما هو، خطابات الانحدار الأخلاقي. أما الشخصيات التي أشرتِ إليها، فهي أدوات لدى الأطراف المتحاربة، وتعكس مدى الانحدار والاستعداد لارتكاب أبشع الانتهاكات بحق المدنيين. وكما في كل الحروب، يبقى جسد المرأة أحد ميادين المعركة المفضلة، للأسف الشديد.”
وأضاف لـ(التغيير): “جزء من المسؤولية يقع علينا نحن المدنيين الديمقراطيين، فالحرب سلبتنا أدوات العمل السلمي وعسّرت المجال العام، ولم نعمل بعد بما يكفي لكشف حجم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. الأهم من ذلك، لم نسعَ جاهدين لتقديم حميدتي وكرتي وكل القيادات المتحالفة معهم إلى ساحات العدالة الجنائية الدولية. ومع ذلك، ما زالت هناك فرصة، وقد تلعب المرأة دورًا محوريًا لأنها الطرف الذي دفع الثمن الأعلى خلال هذه الحرب العبثية”.
دعاة الحربفيما اعتبرت الناشطة والمحامية رحاب المبارك، أن خطاب التحريض من نساء ضد نساء ليس جديدًا، بل امتد إلى مراحل مبكرة من النزاع.
وقالت إن هؤلاء النساء، اللاتي تصفهن بـ”دعاة الحرب”، يفتقدن الحس بالعمل النسوي ويبتعدن عن قيم السلام، ويتبنّين خطاب العنف ويقمن بمحاكاة أدوار الرجال في القتال وحمل السلاح.
وأوضحت رحاب أن هذه الظاهرة تشمل طرفي النزاع على حد سواء، حيث تطلق شخصيات مثل ندى القلعة وعائشة الماجدي دعوات مباشرة لاستهداف مناطق معينة وقتل سكانها المدنيين، كما تصدر مثل هذه الخطابات من عناصر الدعم السريع.
وأكدت أن جميع الأطراف، بمن فيهم المتبعون للتحالفات المشتركة، شركاء في جريمة التحريض على القتل وإثارة خطاب القبح والكراهية والخطاب العنصري، ويُحاسبون قانونيًا على التحريض كما يُحاسب من يقوم بالفعل ذاته من أعمال العنف.
وأشارت رحال إلى أن المحاكمة المتوقعة قد تشبه ما حدث في رواندا مع دعاة التحريض الذين حوكموا بعد ربع قرن بسبب تحريضهم على القتل بين قبيلتي الهوتو والتوتسي.
ولم تقتصر المشكلة على النساء، بل تشمل الرجال أيضًا مثل الانصرافي وأفراد تابعين لما يسمى بـ”الربيع”. وأضافت رحاب أن التحريض يمتد حتى إلى السياسيين عبر مؤسسات الدولة، وأن الدعوات للاستنفار عبر المنصات المرتبطة بالدعم السريع والمتحدثين باسمه تُعتبر جزءًا من نفس الخطاب التحريضي القبيح، ما يجعل جميع هؤلاء مسؤولين عن جرائم التحريض، بغض النظر عن جنسهم.
الوسومالجيش الدعم السريع السودان تحالف نساء السودن التأسيسي حزب المؤتمر السوداني رحاب المبارك شيراز عاشة الماجدي مهدي رابح
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الجيش الدعم السريع السودان حزب المؤتمر السوداني رحاب المبارك شيراز الدعم السریع ضد النساء خطاب ا
إقرأ أيضاً:
هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
تتواصل حالة الترقب والحذر في منطقة الشرق الأوسط في ظل تصاعد وتيرة التصريحات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تباين المؤشرات بشأن فرص التهدئة وإمكانية التوصل إلى تفاهمات سياسية تساهم في احتواء التوتر القائم بين الجانبين.
وفي وقت تواصل فيه واشنطن التلويح بخيارات متعددة، تتراوح بين الضغوط السياسية والرسائل العسكرية، تتزايد التساؤلات حول مدى جدية هذه التهديدات، خاصة في ضوء تجارب سابقة شهدت تراجعًا أو إعادة صياغة للمواقف الأمريكية بعد موجات من التصعيد الإعلامي والسياسي.
ويأتي هذا المشهد في ظل تشابك عدد من الملفات المعقدة، تشمل أمن الملاحة في منطقة الخليج، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والتطورات في الساحة اللبنانية، إلى جانب قضية الأصول الإيرانية المجمدة، وهي ملفات تتداخل معها اعتبارات داخلية أمريكية وحسابات إقليمية ودولية تجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا بالغ التعقيد.
تراجع نسبي أو منح فرص إضافية
من جانبه، قال الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، إن ما يجري حاليًا يعكس نمطًا متكررًا في أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة الأزمات، والذي يعتمد على إطلاق تهديدات حادة وتحديد مهل زمنية نهائية، غالبًا بهدف التأثير على الأسواق وطمأنة الرأي العام الأمريكي بشأن قدرة الإدارة على التعامل مع الملفات الخارجية.
وأوضح أن هذا النهج كثيرًا ما يتبعه تراجع نسبي أو منح فرص إضافية للتفاوض وتأجيل اتخاذ قرارات حاسمة، الأمر الذي يدفع العديد من المراقبين إلى التعامل بحذر مع التصريحات الأمريكية المتصاعدة وعدم اعتبارها مؤشرًا مباشرًا على تحرك عسكري وشيك.
وأشار يحيى إلى أن ترامب أعلن خلال أحد الاجتماعات المهمة مؤخرًا قرب اتخاذ قرار نهائي بشأن أحد الملفات المرتبطة بإيران، إلا أن الاجتماع انتهى دون الإعلان عن خطوات عملية، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، حالة التردد التي تفرضها طبيعة الملفات الخارجية المعقدة وتشابك أبعادها السياسية والعسكرية.
وأضاف أن بعض التحليلات لا تستبعد إمكانية تنفيذ تحرك عسكري محدود أو ضربة جوية تستهدف توجيه رسالة ردع إلى طهران وإظهار القوة الأمريكية، قبل الانتقال مجددًا إلى مسار التفاوض، إلا أن هذا السيناريو لا يحظى بإجماع داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.
وأكد الخبير الاستراتيجي أن هناك أصواتًا داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية تحذر من أن أي تصعيد إضافي قد يفتح الباب أمام تداعيات غير محسوبة، سواء على مستوى استقرار المنطقة أو على صعيد علاقات الولايات المتحدة بحلفائها الإقليميين، وهو ما يدفع نحو تبني مقاربات أكثر حذرًا في التعامل مع الأزمة.
وأشار إلى أن واشنطن لا تزال متمسكة بعدد من الأهداف الأساسية، من بينها ضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، إلى جانب منع أي تطور في البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يغير موازين القوى الإقليمية.
وفي المقابل، تتمسك طهران بحزمة من المطالب السياسية والأمنية، من أبرزها التوصل إلى ترتيبات تضمن وقفًا دائمًا لإطلاق النار يمتد إلى الساحة اللبنانية، باعتبارها إحدى النقاط الأكثر حساسية في معادلة الأمن الإقليمي.
كما لفت يحيى إلى أن ملف الأصول الإيرانية المجمدة يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية محتملة، حيث تسعى طهران إلى إدراجه ضمن أي اتفاق مستقبلي، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطًا واعتبارات داخلية تجعل التعاطي مع هذا الملف شديد الحساسية.
واختتم الخبير الاستراتيجي تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد لا يزال مفتوحًا على مختلف الاحتمالات، في ظل استمرار التباعد بين مواقف الطرفين وتشابك الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل وسريع محدودة في الوقت الراهن، رغم وجود مصالح مشتركة تدفع الجانبين إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة واسعة قد تكون لها تداعيات إقليمية ودولية كبيرة.