ترامب ــ «بريكس»... وعصر القوى المتوسطة
تاريخ النشر: 5th, December 2024 GMT
عبر منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»، كتب الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ، منذراً ومحذّراً مجموعة دول «بريكس»، من التفكير في بلورة عملة عالمية جديدة، أو دعم أي عملة أخرى، الأمر الذي سيواجَه بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة، كما أن الدول التي ستسعى في هذا المدار، ينبغي عليها توديع الدخول في عالم الاقتصاد الأميركي، وإيجاد «مغفل آخر»، على حد تعبيره.
بدأ ترمب بالفعل في تنفيذ ما وعد به خلال حملته الانتخابية، بأنه سيجعل من المكلِّف للدول الابتعاد عن الدولار، وهو ما ناقشته قمة دول «بريكس» الأخيرة، وترى أن الحاجة ماسَّة إليه، لا سيما بعد العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا.
لماذا يخشى ترامب من دول «بريكس»؟
تبدو القصة أكبر وأشمل من هذه الدول، وتمتد المخاوف القطبية الأميركية من جماعات القوى المتوسطة، الصاعدة في أعلى عليين، ضمن مسارات التعددية العالمية القائمة والقادمة لا محالة.
يعود تاريخ مفهوم «القوة الوسطى» إلى أصول نظام الدولة الأوروبية الذي أرسى قواعدَه المفكرُ والفيلسوف الإيطالي جيوفاني بوتيرو، في القرن السادس عشر، حيث قسم العالم إلى ثلاثة أنواع من الدول: إمبراطوريات، وقوى متوسطة، وقوى صغيرة.
وفق بوتيرو، تتمتع القوى المتوسطة، بقوة وسلطة كامنتين لجعلها تقف على قدميها، من دون الحاجة إلى طلب المساعدة من دول أخرى.
لم يعد سراً أن هناك الكثير من القوى المتوسطة حول العالم، التي باتت تبحث لها عن موضع قدم على الخريطة الدولية، لا سيما بعد أن انكشف المشهد العالمي خلال أزمة جائحة كوفيد- 19، من خلال توقف سلال الإمداد، للدواء والغذاء، عطفاً على ما يتسبب فيه الكبار من أزمة للمناخ العالمي، وتقصيرهم عن مداواة الداء، إلا بتصريحات جوفاء.
ترفض الدول المتوسطة حالة عدم الاستقرار التي تسود عالمنا المعاصر، وتسعى عوضاً عن ذلك في طريق تكتلات لا تحمل صبغات آيديولوجية، ولا ترفع شعارات دوغمائية، بل تبحث في ما ييسِّر حياة مواطنيها، ضمن الأطر الاستراتيجية الدولية المتغيرة بسرعة كبيرة.
ساهم تراجع الأوزان النسبية للهيمنة الأميركية، وقصور القدرات الأوروبية، وتعثر الدور الروسي، في زيادة موجات القومية الباحثة عن نقاط ارتكاز جديدة، تُزخِّمها عوضاً عن الحاجة إلى الدوران في فلك الكبار دائمي الخذلان لحلفائهم.
تدرك هذه القوى الصاعدة حاجة القوة العظمى إليها، لوجيستياً على الأقل، ولهذا باتت تنخرط في ألعاب القوة الدولية ومناوراتها، تتأرجح تارةً بين التعاون، وتتراجع تارةً أخرى ضمن صفوف المعارضة، وفي الأمرين يبقى نُصب أعينها، تعزيز مصالحها الخاصة، وفي كل الأحوال توفر المنافسةُ الشديدة العالية المخاطر بين القوى العظمى، والتعاونُ المتقطع، أرضاً خصبة للقوى المتوسطة لتأكيد نفوذها.
ترفض القوى المتوسطة محاولات الإقصاء من جانب القوى الغربية التقليدية بنوع خاص، التي تشترط الالتزام بمنظومتها القيمية، وكثيراً ما يضحى الخط الليبرالي الغربي، الذي انتقل من مربع الحرية إلى مربع الفوضى الأخلاقية، أحد أهم مستوجبات المسير مع العالم المتقدم، كما يراه أصحابه.
من هنا يبدو جلياً أن «بريكس» وتوسعاته، فرصة جيدة للغاية لمناورة القوى المتوسطة، في ظل تحولات النظام العالمي، الذي يسير في اتجاه نهاية الأحادية القطبية القائمة على هيمنة الولايات المتحدة الأميركية بوصفها قوة عظمى، نتيجة صعود قوى دولية وإقليمية جديدة تلعب أدواراً متزايدة في مجال السياسة والاقتصاد العالميين، وبخاصة في ظل انتقال مركز الثقل السياسي والاقتصادي من الغرب إلى الشرق ومن الدول المتقدمة إلى الدول الصاعدة.
هل تفيد تهديدات ترامب وهو على عتبات ولاية جديدة أخيرة؟
فلسفياً يقال إنه «ما من قوة تستطيع أن تقف في وجه فكرة حان أوانها»، وعليه فإن إنكار انتقال قلب العالم شرقاً وجنوباً لا يفيد إدارة أميركية، يمكن أن تكون شريكاً في ديناميكية أممية تعاونية، لا قوة فوقية إمبريالية تقليدية عفّى عليها الزمن.
تعلم تلك القوى البازغة تمام العلم أن العصر الذي كان بوسع الولايات المتحدة أن تضمن فيه الامتثال والدعم من دون عناء، يتلاشى، والدليل على ذلك أنماط التصويت الأخيرة في الأمم المتحدة.
يبدو التحالف الصيني – الروسي، نقطة جذب لقوى متوسطة، تجعل واشنطن منزعجة، لا سيما حال انضمام كوريا الشمالية وإيران إليهما.
الهند في آسيا، والبرازيل في جنوب أفريقيا، قوتان متوسطتان صاعدتان تشيان بتحول استراتيجي عالمي، عبر الانتقال من مربعات الولاء والانتماء إلى مواقع أكثر استقلالية.
لدى ترامب فرصة ذهبية لتعزيز الشراكات مع القوى المتوسطة الطموحة غير المؤدلجة، وبعيداً عن فلسفة «ذهب المعز وسيفه».
صياح الديك يعلن أن أميركا لم تعد سيدة قيصر... مَن له أذنان للسمع فليسمع.
الشرق الأوسط
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه ترامب بريكس الاقتصاد أفريقيا اقتصاد أفريقيا بريكس ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
ترامب يفرض رسوما جديدة على 60 شريكا تجاريا بدعوى العمل القسري
فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمعة رسوما جمركية جديدة بنسبتي 10 بالمئة و12.5 بالمئة على السلع الواردة من 60 شريكا تجاريا، منهم الاتحاد الأوروبي والصين، على خلفية مزاعم تتعلق بالتقاعس عن تطبيق حظر العمل القسري تزامنا مع انتهاء سريان الرسوم الجمركية العالمية المؤقتة بنسبة 10 بالمئة.
وتعد هذه الخطوة أحدث مساعي البيت الأبيض لإعادة فرض رؤية ترامب بإعلان رسوم جمركية على جميع دول العالم تقريبا بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية في شباط/ فبراير الرسوم "المتبادلة" التي تراوحت بين 10 بالمئة و50 بالمئة وفرضها ترامب العام الماضي بموجب قانون للطوارئ الوطنية في محاولة لتقليص العجز التجاري الأمريكي.
وتغطي التعريفات الجديدة، التي أُعلن عنها الخميس في السجل الاتحادي للإخطارات، 99.4 بالمئة من الواردات الأمريكية، لكنها تتضمن استثناءات عديدة لمنتجات مثل النفط والغاز والأسمدة وبعض المواد الغذائية.
وتتيح الرسوم الجديدة، المفروضة بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، للإدارة الأمريكية الحفاظ على حد أدنى للرسوم الجمركية على جميع الواردات تقريبا على الرغم من الانتكاسة التي تعرضت لها من المحكمة العليا.
ومن المرجح أيضا أن تواجه هذه الرسوم تحديات قانونية أقل من تلك التي أبطلتها المحكمة في فبراير شباط إذ صمدت المادة 301 أمام طعون قضائية سابقة.
وانتهى سريان الرسوم الجمركية العالمية المؤقتة التي فرضها ترامب بنسبة 10 بالمئة اليوم الجمعة بعد 150 يوما.
ودخلت الرسوم الجديدة حيز التنفيذ في تلك اللحظة بالضبط، مع إعفاء البضائع العابرة.
وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير في بيان "تطبق الولايات المتحدة حظرا على استيراد المنتجات المصنوعة بالعمل القسري منذ ما يقرب من قرن، وتنفذه بصرامة. وآن الآوان لشركائنا التجاريين أن يحذوا حذونا".
وأضاف "ستبدأ الإجراءات التي اتُخذت اليوم في تصحيح ما يمثل انتهاكا لحقوق الإنسان وممارسة تجارية مشوهة، وذلك من أجل تحسين وضع العمال في كل مكان".
وسبق أن قال جرير إنه بالنسبة للدول التي أبرمت اتفاقيات تجارية مع واشنطن تضع سقفا لمعدلات الرسوم الجمركية الأمريكية، فإن الرسوم الجديدة المتعلقة بالعمل القسري لن تتجاوز تلك الحدود القصوى.
وفرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية 10 بالمئة على السلع الواردة من الأرجنتين وبنجلادش وبريطانيا وكمبوديا وكندا والإكوادور والسلفادور وجواتيمالا وهندوراس والهند وإندونيسيا والأردن وماليزيا والمكسيك وباكستان وسريلانكا وترينيداد وتوباجو.
أما الاتحاد الأوروبي وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا، فحددت لها معدلات بلغت، عند إضافتها إلى معدلات الرسوم الجمركية المعمول بها مسبقا، ما مجموعه 10 بالمئة أو 12.5 بالمئة.
أما الدول المتبقية وعددها 38، فحددت الولايات المتحدة لها معدل 12.5 بالمئة. وتشمل فيتنام، التي أصدرت مرسوما جديدا هذا الأسبوع يحدد قواعد أكثر تفصيلا تحظر استيراد السلع المصنوعة بالعمل القسري، والصين التي تتهمها واشنطن باحتجاز أفراد أقلية الويغور في معسكرات عمل، وهو ما تنفيه بكين.
وأبلغ مسؤولو إدارة ترامب نظراءهم الصينيين بأنهم يعتزمون إعادة فرض الرسوم الجمركية التي كان ترامب قد حددها على السلع الصينية لتصل إلى نسبة 20 بالمئة التي تم الاتفاق عليها في الهدنة التجارية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، دون تجاوز هذا المستوى.
وقبل الإجراء المتخذ الجمعة، كانت نسبة الرسوم الجمركية على بضائع الصين انخفضت إلى 10 بالمئة، باستثناء نسبة 25 بالمئة فرضت خلال ولاية ترامب الأولى على السلع الصناعية.
معارضة دول
أثار هذا الإجراء احتجاجات على الفور من بعض الشركاء التجاريين.
وقالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن التكتل يعتبر الرسوم الجمركية الجديدة صدمة، وإن مبررات واشنطن لا معنى لها.
وقالت لرويترز على هامش اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في مانيلا "إذا قارنت قوانين العمل لدينا بتلك المعمول بها في الولايات المتحدة، أعني أننا نمنح إجازات مدفوعة الأجر ولدينا ظروف عمل جيدة جدا لموظفينا، لذا فإن هذا الأمر لا يستند إلى أساس حقيقي".
ووصفت أستراليا والبرازيل الرسوم الجمركية الجديدة بأنها غير مبررة، وقالتا إنهما ستسعيان إلى إلغائها، في حين قالت النرويج إنه "لا أساس" لها.
أما كندا - التي فرض ترامب يوم الاثنين رسوما جمركية جديدة على سلع منها بقيمة 20 مليار دولار - فكان ردها متحفظا على هذه التعريفات "أحادية الجانب".
ورفض مسؤول كبير في إدارة ترامب التلميحات التي تشير إلى أن الرسوم الجمركية المتعلقة بالعمل القسري هي مجرد بديل مباشر للرسوم التي انتهى سريانها على الرغم من تزامن التوقيت وتشابه معدلاتها وفرضها على جميع الواردات الأمريكية تقريبا.
وقال المسؤول إن الولايات المتحدة تفرض حظرا أكثر صرامة على استيراد السلع المصنوعة بالعمل القسري وتنفذ هذا الحظر بصرامة أكبر من أي دولة أخرى، مما يمنح المنافسين ميزة تجارية غير عادلة على حساب الولايات المتحدة.
وأضاف المسؤول أن الديمقراطيين والجمهوريين في الكونجرس يطالبون بالقضاء على العمل القسري في سلاسل التوريد العالمية، "لذا فإننا نستجيب فعليا لهذا النداء".
وقال ريان ماجيروس المحامي المتخصص في التجارة والمسؤول السابق في وزارة التجارة، إن الطعن في الرسوم الجديدة أمام المحاكم قد يكون أصعب لأن المادة 301 صمدت أمام الطعون السابقة وقد يتردد بعض القضاة في إصدار أوامر قضائية للحد من العمل القسري.
وقال المسؤول إن الكثير من السلع ستعفى من الرسوم مثل النفط والغاز والأسمدة وبعض المواد الغذائية والسلع التي تخضع بالفعل لرسوم الأمن القومي بموجب المادة 232 مثل السيارات والصلب والألمنيوم والنحاس. كما ستعفى الطائرات ومكوناتها والمعادن الحيوية.