انتصار بلا منافس
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
خالد بن حمد الرواحي
في مشهدٍ يتكرّر كل عام، يصعد أحد المسؤولين إلى المنصّة، يبتسم بثقةٍ ويبدأ حديثه بعبارةٍ مألوفة: "لقد حققنا أهدافنا بنسبة تجاوزت 100% وتفوّقنا على التحديات"، يصفّق الحاضرون، وتُعرض على الشاشة صور الإنجازات، فيما تكتمل اللوحة بالابتسامات العريضة التي تملأ القاعة.
لكن ما إن يُطرح السؤال البسيط: "من كان المنافس؟"، حتى يسود الصمت، لأنَّ البطولة لم يكن فيها أحدٌ سواه!
هكذا يُعلن الانتصار قبل أن تبدأ المسابقة، وتُمنح الجوائز قبل أن يُفتح باب التقييم.
في بيئتنا الإدارية، لا يحتاج بعض المسؤولين إلى منافسين ليعلنوا فوزهم؛ فالمعيار هو الرضا عن الذات، والمقارنة تُعقد مع العام الماضي لا مع الأفضل في الميدان. وهكذا تتحوّل المؤشرات من أدوات قياس إلى شهادات امتياز تُمنح ذاتيًا، ويصبح تحقيقها غايةً بحد ذاته لا وسيلةً للتطوير.
فحين يقول المسؤول: "حققنا جميع مؤشراتنا!" لا يوضّح إنْ كانت تلك المؤشرات تعكس خصوصية الجهة التي يديرها، أم أنها مجرد أرقام عامة وضعتها المؤسسة الأم لجميع وحداتها دون تمييز. وبين المؤشر الحقيقي والمُجمّل تضيع الحقيقة، لأن المهم ليس التطوير بل إثبات النجاح مسبقًا. وهكذا تتحوّل التقارير السنوية إلى مسرحٍ لعرض البطولات، لا مرآةً لمستوى الأداء الفعلي.
تبدأ السنة المالية الجديدة، ولم تُحدَّد بعد الخطط ولا المؤشرات، لكن الاحتفالات بالإنجازات جاهزة، والعروض المرئية أُعدّت مسبقًا. في بعض المؤسسات، يُعلَن الفوز قبل أن تُرفع صافرة البداية، ويُكرَّم الموظفون على جهودٍ لم تُبذل بعد، وتُعلَّق اللافتات التي تقول: "واصلنا التميّز!" وكأن العام الجديد مجرد نسخة مكرّرة من الأعوام السابقة.
لا أحد يسأل: ماذا تغيّر؟ أو ما الجديد في الأهداف؟ بل تُستدعى إنجازات العام الماضي لتُباع مرة أخرى في عبوةٍ جديدة. وهكذا تتحول ثقافة التطوير إلى تسويقٍ للذات، والمنافسة إلى عرضٍ احتفاليٍّ دائم، لا تُقاس فيه الكفاءة بما أُنجز فعلاً، بل بما يُقال إنه أُنجز.
إن رؤية «عُمان 2040» لم تُبنَ على الأرقام التجميلية ولا على التصفيق الذاتي، بل على مبدأ القياس الحقيقي للأثر؛ فالتقدّم في مؤشرات الأداء الوطني لا يتحقق بإعلان الانتصارات؛ بل بتقويم السياسات وتصحيح المسارات. إنها رؤية تؤمن بأن التطوير لا يقاس بالتصريحات، بل بما يُحدثه الأداء من تغييرٍ ملموس في حياة الناس.
المؤسسات التي تكتفي بتكرار إنجازاتها الماضية تُعلّق نفسها في زمنٍ إداريٍّ ثابت، بينما تتقدّم الدول بقياس جودة خدماتها من زاوية المستفيد لا من منصة المسؤول. فالقيمة الحقيقية لأي مؤشر ليست في تحقيقه، بل في قدرته على كشف مواطن الضعف وتحفيز التحسين المستمر. ومن دون هذا الفهم، ستظل بعض الجهات ترفع شعار التميّز وهي تكرر أخطاءها بهدوءٍ منمّق، وتعيش نشوة الفوز في سباقٍ لم يشارك فيه أحد.
غير أن السؤال الأهم يبقى: من يتحقّق من صدق تلك المؤشرات التي تعلنها الجهات الحكومية؟ فغالبًا ما تصدر المؤشرات عن الجهة نفسها، وهي التي تتحدّث عنها وتحتفي بها، لكن قلّما نرى جهةً محايدةً تراجعها أو تتحقق من مدى عدالتها وموضوعيتها.
وهنا يبرز الدور المحوري للجهات الرقابية، التي يقع على عاتقها تقييم الأداء والتحقق من مصداقية البيانات والمعايير التي بُنيت عليها تلك المؤشرات. والمساءلة ليست تشكيكًا في الجهود؛ بل ضمانٌ لأن يُعبّر النجاح عن حقيقةٍ ملموسة، لا عن تقريرٍ مصاغ بعنايةٍ لغوية. وعندما تعمل أجهزة الرقابة والتدقيق في شراكةٍ شفافة مع المؤسسات التنفيذية، يتحوّل القياس من رقمٍ يُقال إلى قيمةٍ تُثبتها النتائج.
في النهاية، لا يُقاس النجاح بما نرويه عن أنفسنا؛ بل بما يراه الناس في أثرنا. فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، ولا يُقاس بالتصفيق أو الصور الرسمية، بل بقدرة المؤسسة على أن تغيّر حياة من تخدمهم. وما أجمل أن يأتي يومٌ يصبح فيه الفوز مؤكدًا لأن النتائج تتكلم، لا لأن الخطب تروي الحكاية. إذ إن «الانتصار بلا منافس» ليس مجدًا؛ بل مرآةً تُذكّرنا بأن من يقيس ذاته بذاته، سيبقى يدور حول نفسه مهما ظنّ أنه يتقدّم.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
د. سلطان العيسائي
أصبحت الحوكمة أحد المفاهيم المحورية في بناء المؤسسات الحديثة، لما تُمثله من إطارٍ يعزز كفاءة الأداء، ويرسّخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويدعم الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات بما يحقق الاستدامة المؤسسية والتنموية. وفي ضوء التحولات الإدارية والاقتصادية المتسارعة، برز الاهتمام بالحوكمة بوصفها أداةً استراتيجية لرفع كفاءة الدول وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة المؤسسية. ومن هذا التوجه، جاء إدراج الحوكمة ضمن المحاور الرئيسة في رؤية "عُمان 2040"، بما يعكس التوجه نحو ترسيخ الإدارة القائمة على الكفاءة والاستدامة والفاعلية المؤسسية.
وفي البيئة العمانية، لا يمكن النظر إلى الحوكمة بوصفها خيارًا إداريًا يمكن الأخذ به أو تجاوزه، بل باتت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة القادمة، وما تتطلبه من رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، فالدول الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وفاعلية واستدامة.
وقد أكدت رؤية "عُمان 2040" هذا التوجه من خلال التركيز على مبادئ الحوكمة المؤسسية، والشفافية، والمساءلة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، وتحسين جودة الأداء المؤسسي، كما ارتبطت الحوكمة في الرؤية بمستهدفات تتعلق بتحسين التنافسية العالمية، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز النزاهة المؤسسية.
وتشير العديد من المؤشرات الدولية إلى وجود علاقة مباشرة بين تطبيق الحوكمة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار المؤسسي، فوفقًا لتقارير البنك الدولي المتعلقة بمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن الدول التي تحقق مستويات مرتفعة في الشفافية والمساءلة وسيادة القانون غالبًا ما تتمتع بمعدلات أعلى في جودة الخدمات العامة، والاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار. إلى جانب ذلك، فإن تقارير التنافسية العالمية تُظهر أن كفاءة المؤسسات تُعد من أهم العوامل المؤثرة في تقدم الدول اقتصاديًا وتنمويًا.
وعلى المستوى المحلي، شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية خطوات متقدمة في تطوير منظومة الحوكمة، سواء من خلال تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات، أو التوسع في التحول الرقمي، أو تعزيز الرقابة المالية والإدارية، كما برز الاهتمام بتحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتسريع الإجراءات، وتطوير الخدمات الإلكترونية، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
وفي قطاع التعليم العالي، تبرز الحوكمة الجامعية بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة لتطوير الأداء الأكاديمي والإداري، من خلال تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية المؤسسية والمسؤولية التنظيمية، فضلًا عن ذلك، فإن جودة الجامعات لم تعد تُقاس بمخرجاتها التعليمية فحسب، وإنما بقدرتها على بناء منظومات إدارية فاعلة تستند إلى أسس الحوكمة الرشيدة، بما يسهم في رفع الكفاءة المؤسسية وتحقيق الاستدامة والتنافسية.
وتسهم الحوكمة بصورة مباشرة في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وهي قضية جوهرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فكلما ارتفعت مستويات الوضوح والمساءلة والعدالة في اتخاذ القرار، زادت ثقة الأفراد بالمؤسسات، وارتفعت مستويات الرضا والاستقرار المؤسسي.
ومن جانب آخر، فإن غياب الحوكمة أو ضعف تطبيقها يؤدي غالبًا إلى تضارب الصلاحيات، وضعف الكفاءة، وهدر الموارد، وبطء اتخاذ القرار، وهي تحديات قد تؤثر بصورة مباشرة على جودة الأداء والتنمية، ومن هذا المنطلق؛ تُشكّل الحوكمة إطارًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط العلاقة بين الصلاحيات والمسؤوليات؛ لتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي ورفع مستوى الفاعلية والشفافية في بيئة العمل.
إن التحولات الوطنية الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان تجعل من الحوكمة ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فنجاح الرؤى الوطنية لا يعتمد فقط على وضوح الخطط، بل على وجود مؤسسات قادرة على التنفيذ بكفاءة، واتخاذ القرار بفاعلية، وإدارة الموارد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة.
وعليه، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى الحوكمة؟ بل كيف يمكن تعميق ثقافة الحوكمة وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية يومية تُسهم في بناء جهاز إداري أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على التكيف والاستدامة، ودولة أكثر جاهزية للمستقبل.