اختتم ملتقى الحوار الوطني الفلسطيني الثالث أعماله في إسطنبول بإعلان تأسيس الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني، والتي تضم المؤتمرات الشعبية، المبادرات، والشخصيات الوطنية المستقلة من الداخل والخارج، حيث تهدف الهيئة إلى تعزيز التنسيق بين القوى الفلسطينية، وتشكيل حالة فاعلة لحشد الجهود في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومخططاته.



وفق البيان الختامي، تعمل الهيئة على دعم صمود أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومواجهة مشاريع الضم والتهجير، بالإضافة إلى المساهمة في معالجة آثار العدوان الوحشي وجرائم الإبادة، كما تسعى الهيئة إلى تنظيم الحملات الإعلامية المشتركة للتعبير عن الموقف الوطني الفلسطيني بشكل موحد.

ومن المقرر أن تسعى الهيئة إلى تمثيل الفلسطينيين في الساحات المتاحة، عبر انتخاب ممثلين عنهم، وتعزيز التنسيق وبناء التحالفات على المستوى العربي والإسلامي، لمواجهة السياسات العدوانية التوسعية للكيان الصهيوني، يشمل ذلك التواصل مع الهيئات والقوى العربية لتوحيد المواقف ودعم القضية الفلسطينية.

تضم الهيئة إلى جانب المؤتمرات الشعبية شخصيات بارزة مثل الدكتور مصطفى البرغوثي والدكتور حسن خريشة ومعين الطاهر وعريب الرنتاوي وماجد الزير ووضاح خنفر، وهو ما يعكس تنوع التخصصات والخبرات الوطنية في مواجهة التحديات الراهنة، وتعزيز وحدة الموقف الفلسطيني في الداخل والخارج.

الوحدة الوطنية ودور فلسطيني الخارج
أكد المشاركون في الملتقى على أن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الضمانة الأساسية لمواجهة المخاطر الإسرائيلية، مشيرين إلى أن الانقسام هو أحد أكبر التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، وأوضح عريب الرنتاوي أن الضغط الشعبي الفلسطيني خلال الحرب الأخيرة كان العامل الحاسم الذي أجبر المجتمع الدولي على إعادة النظر في مواقفه.

كما تم التأكيد على ضرورة تعزيز تمثيل الفلسطينيين في الخارج، الذين يشكلون نصف الشعب الفلسطيني تقريبًا، بما يضمن أن يكون لهم صوت مؤثر في صناعة القرار الوطني، حيث يعد الشتات الفلسطيني ذا دور استراتيجي في حشد الدعم الدولي، سواء من خلال الحراك الشعبي أو الإعلامي أو القانوني، وقد أظهرت السنوات الأخيرة أهمية هذا الدور في مواجهة الاحتلال.

وتمت مناقشة آليات توحيد الطاقات الفلسطينية في الداخل والخارج حول هدف مشترك يتمثل في حماية الأهالي في غزة، ودعم الصمود في الضفة الغربية، والعمل على صياغة استراتيجية وطنية شاملة تعكس إرادة الشعب الفلسطيني في مختلف الجغرافيات التي يعيش فيها.

مواجهة الاحتلال الإسرائيلي غزة، الضفة الغربية، والقدس
ناقش الملتقى تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة الضفة الغربية، أشار خريشة إلى أن المخاطر الإسرائيلية تشمل مشاريع الضم والتهجير واعتداءات المستوطنين، مع محاولات لصمت المجتمع الدولي عن الانتهاكات الجارية هناك، وأكد على ضرورة حشد الجهود الشعبية والوطنية لمواجهة هذه المشاريع، وإعادة تفعيل التحرك العربي الداعم للشعب الفلسطيني.

جرائم الاحتلال وضرورة التحرك الدولي
خصص الملتقى جلسة لبحث قضية الأسرى الفلسطينيين، مطالبا بضرورة إطلاق حملة شعبية وقانونية على المستوى الدولي للمطالبة بالإفراج عن الأسرى، ووضع آليات حماية لهم، وذلك ضمن إطار الضغط على الاحتلال لوقف الانتهاكات والانتهاك المتكرر للقوانين الدولية.

كما شدد المشاركون على الربط بين قضية الأسرى وملف غزة والضفة، باعتبار أن المعركة الشاملة مع الاحتلال تشمل حماية المدنيين والأسرى والحفاظ على حقوقهم الإنسانية.

واعتبروا أن تعزيز التمثيل الفلسطيني في الخارج يتيح الدفع باتجاه تحركات دبلوماسية فعالة، تستند إلى السردية الفلسطينية، وتعمل على كشف جرائم الاحتلال أمام المجتمع الدولي، وتحقيق التضامن العالمي مع حقوق الشعب الفلسطيني.

وكان أعمال ملتقى الحوار الوطني الفلسطيني الثالث الذي ينظمه المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج قد انطلقت على مدار يومين، بمشاركة شخصيات فلسطينية وعربية وأكاديمية وإعلامية من 28 دولة، إضافة إلى ممثلين عن المجتمع المدني من داخل فلسطين وخارجها.

حق الشعب الفلسطيني في الانتخاب

وفي لقاء خاص لـ"عربي21" أكد الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفي البرغوثي أن ملتقى الحوار الوطني كان ذا فائدة كبيرة على مستوى المشاركين وتنوعهم، إذ حضره أشخاص من 28 دولة مختلفة بالإضافة إلى مشاركين من داخل فلسطين، مما أتاح فرصة مهمة للحوار وتبادل الآراء.

وأوضح البرغوثي أن المؤتمر أظهر وحدة كبيرة في التفكير والرؤى بشأن المستقبل، وركز على كيفية توحيد الطاقات الفلسطينية في الداخل والخارج نحو هدف واحد: حماية الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ودعمه بعد صموده البطولي، وكذلك دعم أهل الضفة الغربية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي وصفه بالمشروع الواضح للتطهير العرقي والترحيل.

وأضاف البرغوثي أن التفاعل في المؤتمر يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة والتحديات الراهنة، مشيراً إلى أهمية الحفاظ على التضامن العالمي وتحويله إلى قوة ملموسة تؤثر في ميزان القوى لصالح الفلسطينيين.

كما لفت إلى ضرورة الاتفاق على استراتيجية وطنية مشتركة قادرة على تغيير ميزان القوى على الأرض، واستعادة الديمقراطية في البنية الفلسطينية من خلال منح الشعب الحق في انتخاب قياداته بشكل ديمقراطي وتجديد المؤسسات، وإتاحة الفرصة لشباب فلسطين لتولي مواقع القيادة في مختلف المجالات، مؤكداً أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إرادة حقيقية وتفعيلها على أرض الواقع، مع تقديم صورة واقعية لأبناء شعبنا في الخارج.

خطة تعافي القطاع الصحي

ومن جانبه أوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة في لقاء خاص مع "عربي21"  أن المؤتمر له إسهامات كبيرة في الواقع الفلسطيني، مشدداً على ضرورة تكريس الجهود لإنقاذ قطاع غزة والمنظومة الصحية المدمرة بفعل الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب استمرت عامين.

ولفت إلى أن الاحتلال دمر أكثر من 80 بالمئة من المنظومة الصحية، بما فيها 19 مستشفى من أصل 38، وأكثر من 103 مراكز صحية من أصل 159، مع استشهاد 1700 كادر طبي واعتقال أكثر من 500 آخرين، ما يمثل تحدياً كبيراً لإعادة بناء المنظومة.

وأكد القدرة أن هناك خطة لبرنامج التعافي الصحي أطلقته وزارة الصحة حيث تنقسم عملية إعادة البناء إلى مراحل: المرحلة الأولى خلال ستة أشهر لتقييم الواقع وتشغيل ما يمكن تشغيله، والمرحلة الثانية تمتد لعامين لإعادة الخدمات الصحية، والمرحلة الثالثة تصل إلى خمس سنوات لإعادة توزيع الخدمات وإعادة إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية، وتدريب الكوادر الطبية.

وأكد على ضرورة تدخل المجتمع الدولي لحماية المنظومة الصحية والإفراج عن المعتقلين، محذراً من تجاهل القانون الدولي واتفاقيات جنيف من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

المقاوم لا ينزع سلاحه والوحدة للميدان

في السياق ذاته شدد الأسير المحرر نائل البرغوثي في لقاء خاص لـ "عربي21" على أهمية الوحدة الوطنية لكل مكونات الشعب الفلسطيني، خاصة في الشتات، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني واحد، سواء في الداخل أو الخارج، وهدفه تحرير فلسطين وحق العودة.

وأضاف أن الوحدة الوطنية تتحقق من خلال الفعل الميداني والمقاومة المشروعة، مشيراً إلى أن طوفان الأقصى فاجأت العالم والاحتلال بنفسه والأنظمة العربية، وأثبتت كفاءته العلمية والسياسية والعسكرية والثقافية في مواجهة الاحتلال رغم الإبادة وفقدان الآلاف من الشهداء.

وأكد البرغوثي أن تحرير فلسطين لا يمكن تحقيقه بالورود، بل بالمقاومة والمواجهة، داعياً الشعوب العربية إلى إدراك خطر الاحتلال على كل الدول العربية، محذراً من أي دعوات لنزع سلاح الفلسطينيين، مشدداً على أن المؤسسات الفلسطينية القوية هي الضمان لمقاومة الاحتلال وبقاء الدولة الفلسطينية المستقبلية، قائلا من يقاوم لا ينزع سلاحه " ينزع روحه ولا ينزع سلاحه".

النظام السياسي الفلسطيني – لا توجد شرعية  
أكد عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج محمد مشينش في لقاء خاص لـ "عربي21" أن المؤتمر يعكس حجم التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني بعد توقف حرب الإبادة، وأن هناك مشاريع دولية تهدف لتسويق القضية الفلسطينية أو التحكم بها عبر الوصاية ونزع السلاح.

وأوضح أن فلسطيني الخارج يملكوا طاقات كبيرة، وأن عليهم واجب توحيد الشعب الفلسطيني ووضع الأولويات المناسبة لإدارة المرحلة القادمة، خاصة في ظل غياب الشرعية لأي هيئة فلسطينية حالياً.

وأشار مشينش إلى أن المؤتمر هو خطوة مهمة لتوحيد الخطاب الفلسطيني ووضع آليات عملية للتعامل مع التحديات، مع التركيز على دور فلسطيني الخارج في استعادة دوره التاريخي في دعم القضية الفلسطينية ومقاومة مشاريع الاحتلال، مضيفا أن هناك مشكلة كبيرة مع النظام السياسي الفلسطيني متمثلة أنه لا يوجد أي شرعية لأى كيان فلسطيني كون الانتخابات كلها متوقفة سواء على مستوي المجلس الوطني أو التشريعي أو حتى السلطة الفلسطينية لذلك نحن بحاجه لوضع الأليات المناسبة لإيجاد الحلول.

شطب القضة الفلسطينية وسرقة صمود الشعب

أوضح عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج بشار شلبي في تصريحات خاصة لـ "عربي21" أن الملتقى جاء في توقيت حساس بعد طوفان الأقصى ووقف حرب الإبادة الجماعية، مؤكداً أنه يكتسب أهمية كبرى لمواجهة محاولات شطب القضية الفلسطينية وسرقة صمود أهالي غزة في وجه الإبادة أو تحويل صمود الشعب الفلسطيني إلى مكاسب سياسية لصالح الاحتلال.

ولفت إلى أن المؤتمر يهدف إلى تثبيت حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه ومقاومته، بالإضافة إلى تأكيد السردية الفلسطينية وتعزيز صورة التمثيل الفلسطيني الحقيقي، بعيداً عن أي تأثيرات خارجية أو وصاية سياسية، مشدداً على أن كل الشعب الفلسطيني يلتف حول المقاومة، وأن مهمة المؤتمر هي تعزيز هذا الالتفاف.

عزل الاحتلال سياسيا
أوضح المتحدث الرسمي باسم المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج زياد العالول،  أن الملتقى انعقد في وقت حساس، في مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية وتجزئتها من قبل المشاريع الصهيونية والأمريكية، ولفت إلى أن المؤتمر يضم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية من الداخل والخارج، بهدف تنسيق الجهود وتوحيدها لدعم صمود الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة.

وأشار العالول إلى أن فلسطيني الخارج يمثل نصف الشعب الفلسطيني وله دور محوري في صناعة القرار والدفاع عن القضية، مشيراً إلى الحراك الدولي الذي قامت به الجاليات الفلسطينية في أوروبا والعالم خلال العامين الماضيين لضغط على الاحتلال وعزله سياسياً، واعتبر أن المؤتمر خطوة مهمة لاستمرار هذا الدور واستثمار التعاطف الدولي لإنهاء الاحتلال.

هيكل قيادي قادر على الإدارة
أكد نائب رئيس الهيئة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج ماجد الزير أن الملتقى مهم في توقيت دقيق وفي سياق المشاركين العائدين لقضية فلسطينية تواجه خطر وجودي، ولفت إلى أن الموضوع الأساسي هو المرجعية القيادية الفلسطينية وأهمية التعبير الديمقراطي للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وأن احتكار القرار الفلسطيني أصبح غير مقبول.

وأشار الزير إلى أن القضية الفلسطينية تتطلب وحدة الأرض والشعب والمصير، مع هيكل قيادي قادر على إدارة هذه الثلاثية لضمان تحرير الأرض وحق العودة وفق القوانين الدولية، مؤكدا أن دور فلسطيني الخارج محوري واستراتيجي في صناعة القرار الوطني وتعزيز الوحدة الوطنية، مستذكراً تاريخ دورهم منذ ستينيات القرن الماضي ودورهم خلال الإبادة الجماعية الأخيرة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية الاحتلال غزة غزة الاحتلال المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الاحتلال الإسرائیلی الشعب الفلسطینی فی القضیة الفلسطینیة فی الداخل والخارج مواجهة الاحتلال المجتمع الدولی فلسطینی الخارج الوحدة الوطنیة الضفة الغربیة ملتقى الحوار البرغوثی أن فی لقاء خاص الهیئة إلى أن المؤتمر على ضرورة فی مواجهة

إقرأ أيضاً:

سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة

{فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ومَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً، وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
هذه الآية القرآنية تدل على أن الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض وحماية المستضعفين، وأنه يجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم حيثما كان ويزيلوا أسبابه؛ فكل قتال لأجل الدين والدفاع عنه هو في سبيل الله، وكل قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضد الظالمين ونصرة الحق هو من القتال في سبيل الله، وكل طريق للوصول إلى الحق أو حمايته أو الدفاع عنه هو في سبيل الله.
وإذا كان التاريخ الإنساني والبشري قد شهد مآسي عديدة، فإن مأساة الشعب الفلسطيني تظل الجرح الأكثر نزفاً للضمير العالمي؛ فمنذ عقود يرزح الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يزال يعيش أبشع صوره من تشريد وقتل واحتلال القدس الشريف، والتدمير للبنية التحتية بغرض طمس الهوية العربية والإسلامية في فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى، ورغم صدور عشرات القرارات من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تطالب بإنهاء الاحتلال والانسحاب إلى حدود 1967م، إلا أن الكيان الصهيوني يضرب بها عرض الحائط، مدعوماً بغطاء دبلوماسي وعسكري أمريكي يصادم القانون الدولي ويخدم الصلف الصهيوني، وبما يدل على العجز الذي يبديه المجتمع الدولي -بما في ذلك المنظومة العربية والإسلامية- عن رفع هذا الظلم التاريخي، وإنهاء الحصار الجائر والشامل على قطاع غزة، وإجبار الاحتلال على الانسحاب الكامل من غزة والقدس والضفة الغربية. إنها مظلومية لم تعد مجرد قضية سياسية، وإنما هي اختبار ساقط للعدالة الدولية المدعاة.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: ما هي مصلحة الشعب الأمريكي في استمرار الدعم الأعمى للصهيونية؟ في الواقع لا شيء يستفيده الشعب الأمريكي، وإنما يترتب على ذلك هو توسيع رقعة الصراع ومحاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي لا يخدم المواطن الأمريكي البتة. إن الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي -والتي تصل إلى نحو 66%- تعارض الدخول في مغامرات عسكرية أو حروب ضد إيران، إذن فالسياسة التي ينتهجها الرئيس ترامب تمثل خطأً استراتيجياً فادحاً يضر بالشعب الأمريكي أولاً قبل غيره، وتلويح ترامب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران يمثل تجاوزاً صارخاً للدستور الأمريكي الذي منح الصلاحية للكونجرس، ويشكل إعلان حرب يضرب أسس الديمقراطية الأمريكية ويكشف هشاشتها؛ لأنه يستنزف قدرة الأمريكيين في حروب لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل، ويضعف مكانتها السياسية والعسكرية بشكل مباشر، وإن خدم الصهيونية فإنه يواجه المواطن الأمريكي بأزمة اقتصادية، منها ارتفاع أسعار الوقود والنفط، ويشكل سبباً رئيساً في تعطيل الخطوط التجارية والملاحية؛ مما يثقل كاهل المواطن الغربي بصفة عامة والأمريكي بصفة خاصة؛ لأن الاقتصاد الأمريكي يصاب بالتضخم والركود.
إن الضعف الأمريكي اليوم لم يعد عسكرياً فحسب بالمنظور العلمي وبالمعنى التقليدي، وإنما هو ضعف يسبب عجزاً عن التحمل؛ فحصار إيران لعقود لم يثمر -رغم مرور عقود من الزمن- شيئاً، وإشعال أمريكا للحرب ضد إيران أظهر ضعفها للعالم، وأكبر دليل على ذلك طلبها للمصالحة والتوقيع والتماسها لذلك، مما يشعر المتابعين في العالم بعدم تحقيقها لأي نصر وأن ذلك مستبعد. وفي هذا السياق تكون الصهيونية قد جنت على نفسها وعلى اليهود في فلسطين؛ لأن المراهنة على مظلة الحماية الأمريكية ستتراجع فهي تتآكل، وهذا ما سيتسبب في زوال الهيمنة الأمريكية، واعتمادها على الدعم من الحلفاء العرب لن يدوم ولن يكتب له النصر أبداً.
فالواجب الأخلاقي والسياسي يتطلب من الحزب الديمقراطي السعي لرفع ظلم واضطهاد الشعب الفلسطيني المظلوم ودعم حقوقه المشروعة، وإنهاء سياسة الحصار والعقوبات المفروضة على الشعب الإيراني منذ عقود، وهي السياسات التي ثبت فشلها؛ فإذا كان في أمريكا أهل عقول راجحة وسياسة ناجحة، فعليهم أن يعيدوا ترامب والتوجه الصهيوني عن هذه السياسات التصادمية قبل أن تتحول أمريكا إلى أضحوكة سياسية على مسرح السياسات الدولية، وقبل أن تكتشف الشعوب والشعب الأمريكي نفسه أن شعاراته البراقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في أمريكا، ليست سوى أوهام وشكوك تخفي وراءها هشاشتها؛ فالعودة إلى صوت العقل والقانون الدولي وإعطاء الشعوب حقوقها هو المخرج الوحيد قبل أن يصير هناك انهيار استراتيجي شامل. وعلى الدول الغربية والإسلامية أن يتدبروا قول الحق سبحانه وتعالى: {وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
الشعب الفلسطيني يعيش تحت واحد من أطول وأقسى أشكال الاحتلال للأرض الإسلامية، ولم يكتفِ ذلك الاحتلال بحصار الأرض، وإنما تجاوز ذلك إلى محاولة اقتلاع الإنسان الفلسطيني من تاريخه وهويته ووجوده، تحت صمت عربي وإسلامي مؤلم، وتواطؤ سياسي من قوى كبرى جعلت من حقوق الإنسان شعاراً يرفع حيث تقتضي المصالح ويدفن حيث تكون الضحية فلسطينياً.
فعلى العرب والمسلمين كافة أن يرفعوا راية الجهاد وأن يعلنوا ذلك في عرفات في هذا العام كما رفع النبي البراءة من المشركين. وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية الشاملة، قطع العلاقات الدبلوماسية والتطبيعية، واستخدام أوراق القوة الاقتصادية (كالنفط والممرات المائية) التي تمتلكها المنظومة العربية والإسلامية للضغط على الغرب.
يا رافعاً رايةَ الإسلامِ مُحْتَسِبَا
جَاهِدْ فَمَا ضَاعَ حَقٌّ بَعْدَمَا طُلِبَا
تَمْسِي وَتُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَفِي نَصَبٍ
لٰكِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَتْرُكْكَ مُغْتَرِبَا
شَرِيعَةُ اللهِ نُورٌ فِي بَصَائِرِنَا
نَفِيءُ لِلْحَقِّ لا شَكّاً وَلا رِيَبَا
أَمَادَ جَيْشُ العِدَا أَرْضاً بِمَظْلَمَةٍ
وَأَشْعَلَ البَغْيُ فِي سَاحَاتِهَا لَهَبَا؟
فِي غَزَّةَ الجُرْحُ أَقْلَامٌ مُعَبِّرَةٌ
تَخُطُّ مَجْداً، وَتَسْقِي عِزَّةً شُهَبَا
ظَنَّ الطُّغَاةُ بِأَنَّ الأَرْضَ مِلْكُهُمُ
وَأَنَّ سُلْطَانَهُمْ قَدْ طَاوَلَ السُّحُبَا
يَقُولُ زُوراً كَذُوبُ القَوْمِ فِي عَلَنٍ
وَالفِعْلُ يَفْضَحُ مَا صَاغُوا وَمَا كَتَبَا
لٰكِنَّ أَسْدَ الشَّرَى هَبُّوا لِنُصْرَتِهَا
بِعَزْمِ مَنْ لَا يَرَى فِي دِينِهِ تَعَبَا
تَخَالُهُمْ مِنْ ثَبَاتِ الأَرْضِ جَلْمَدَةً
بَلْ رَاسِيَاتٍ تَهُدُّ المَارِقَ العَرِبَا
فَاصْبِرْ فَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ خَالِقِنَا
يُعِيدُ حَقّاً لِمَنْ عَانَى وَمَنْ غُلِبَا
لقد تحوَّلت فلسطين، ولا سيَّما غزَّة، إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للمجازرِ والحصارِ والتجويعِ والتدمير، حتى باتت صورُ الأطفالِ تحتَ الأنقاض، والأمَّهاتِ الثكالى، والمستشفياتِ المدمَّرة، مشاهدَ يوميَّةً تهزُّ ضميرَ كلِّ حرٍّ في العالم. عشراتُ الآلافِ من القتلى والجرحى والمعاقين، وملايينُ المشردين الذين حُرموا من أبسطِ حقوقِ الحياة، في ظلِّ حصارٍ خانقٍ يخالفُ كلَّ القوانينِ والمواثيقِ الدوليَّةِ.
وما يزيدُ المأساةَ فداحةً أنَّ الاحتلالَ الصهيونيَّ لم يكتفِ بقتلِ الأبرياءِ وتدميرِ البيوت، بل استمرَّ في تدنيسِ المقدَّسات، وعلى رأسِها المسجد الأقصى، الذي يتعرَّضُ لاقتحاماتٍ متكرِّرةٍ ومحاولاتِ تهويدٍ ممنهجة، في انتهاكٍ صارخٍ لكلِّ القوانينِ الدوليَّةِ والإنسانيَّةِ.
يفوزُ بالعِزِّ والإحسانِ مَن نَهَضا
للهِ يحملُ سيفَ الحقِّ محتسبا
لا يبتغي غيرَ وجهِ اللهِ منزلةً
ولا يُريدُ منَ الدُّنيا بها رُتَبا
قد أيقنَ الأمرَ حقًّا لا التواءَ بهِ
وأنَّ شرعَ الهدى يؤازر النجبا
وأنَّ خيرَ الورى الهادي محمّدَ قد
أرسى منَ العدلِ نهجًا يَصدَعُ الحُجُبا
وأمرَ الأمةَ الغرّاءَ أن تقفَ الـ
وقفةَ العُظمى إذا باغٍ بنا غضبا
كمنْ بغى في فلسطينَ الجريحةِ إذ
أضحى يريقُ دمَ الأطفالِ مُغتصبا
كم هدَّ دورًا وكم أفنى منازلَها
وكمْ أثارَ منَ الآلامِ والكُرُبا
حتى غدتْ ألسنُ التاريخِ شاهدةً
بأنَّهُ جاوزَ الطغيانَ والحقَبا
فأطلقَ الظلمَ في الآفاقِ منتفشًا
كأنَّهُ لم يخفْ يومًا ولا حِسَبا
وينفثُ الزورَ والتضليلَ في صلفٍ
ويزرعُ الإفكَ في الأذهانِ مُنتشبا
والناسُ بينَ مُضلٍّ قد أطاعَ هوىً
وبينَ حرٍّ رأى في الحقِّ ما وجبا
لكنَّ أنصارَ دينِ اللهِ قد نهضوا
كالسيلِ لمّا رأى الطوفانَ مُقتربا
قومٌ إذا ذُكرَ الإقدامُ كدتَ ترى
في حدِّ عزمِهِمُ التاريخَ قد كُتِبا
هيهاتَ يَذهبُ المعروفُ مُندثرًا
أو يتركُ اللهُ سعيَ المخلصينَ هَبى
فالنصر بإذن الله قادم، والتلويح بالحرب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران لن يجدي الصهيونية نفعاً، وإنما سيصيب أسس الديمقراطية الأمريكية ليرمي بها في مقتل، وسيكون عاقبة أمرهم خسراً {لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}، {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
عضو رابطة علماء اليمن

مقالات مشابهة

  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • هيئة الاستيطان الفلسطينية: العدو الصهيوني يستولي على أراضٍ شرقي بيت لحم
  • حكومة الاحتلال تغذي إرهاب المستوطنين وآن عقابها
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • أبو عبيدة: فاتورة الحساب للاحتلال ستبقى مفتوحة حتى يدفعها كاملة
  • نادي الأسير الفلسطيني: ارتفاع عدد الأسيرات إلى 89 داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي
  • الحكومة الفلسطينية تناقش مشروع قانون حق الحصول على المعلومات
  • حماس: ادعاءات رفضنا تسليم الحكم بغزة أكاذيب وملادينوف يعيق عمل اللجنة الوطنية
  • “المجاهدين” الفلسطينية تثمن موقف إيران وربطها التفاوض بوقف العدوان على غزة ولبنان
  • المؤتمر العلمي الدولي الثامن بجامعة العاصمة يناقش بناء شراكات مستدامة لدعم الاقتصاد الوطني