بينهم الأسد.. ما أهمية مذكرات التوقيف الفرنسية ضد رموز النظام السوري المخلوع؟
تاريخ النشر: 4th, September 2025 GMT
دمشق- أعلن القضاء الفرنسي إصدار مذكرات توقيف بحق 7 من كبار المسؤولين بالنظام السوري المخلوع، على رأسهم الرئيس بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، ومجموعة من الضباط السابقين من بينهم علي مملوك وعلي أيوب ورفيق محمد شحادة.
وجاء هذا القرار، الثلاثاء الماضي، في ختام مسار تحقيق قضائي يتعلق بالقصف الذي استهدف حي باب عمرو بمدينة حمص في فبراير/شباط 2012، وأودى بحياة الصحفية الأميركية ماري كولفين والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، وأدى إلى إصابة عدد من الصحفيين الآخرين.
ووصفت السلطات القضائية الفرنسية الحادثة بأنها استهداف متعمد للصحافة الأجنبية بهدف وقف التغطية الميدانية، ومنع توثيق الانتهاكات في المنطقة.
الأبعاد القضائيةوتعد هذه المذكرات خطوة جديدة في مسار الملاحقات القضائية الدولية، والتي من شأنها أن تعيد إلى الواجهة موضوع محاسبة المتورطين في أعمال العنف التي استهدفت المدنيين السوريين خلال الحرب.
ويرى الناشط الحقوقي والمحامي السوري المقيم في ألمانيا أنور البني أن هذه المذكرات نتيجة طبيعية وامتداد لقضايا تم العمل عليها حقوقيا وقانونيا لسنوات طويلة، سواء قضية الصحفيين الأجانب، أو الهجمات الكيميائية، أو القضايا الأخرى التي تم تقديمها للمحاكم الألمانية عام 2017 وصدرت عنها مذكرات توقيف أيضا.
وفي حديث للجزيرة نت، يشير البني إلى أن مذكرة توقيف جديدة -ترتبط باستخدام الأسلحة الكيميائية في عهد المخلوع- ستصدر قريبا، مؤكدا أن السوريين يحصدون اليوم نتائج عملهم القانوني لسنوات طويلة.
ويوضح أن القوة القضائية لمذكرات التوقيف الفرنسية تكمن في اتهامها الرئيس المخلوع وشقيقه ومجموعة من الضباط بشكل مباشر بجريمة قتل الصحفيين الفرنسي والأميركية، وهي مذكرات توزع على الإنتربول الدولي.
ومن جهته، يصف الباحث القانوني والسياسي فراس حاج يحيى القرار القضائي الأخير بأنه "منعطف مهم في مسار العدالة الانتقالية في سوريا" ﻷن مذكرات التوقيف تستند قانونيا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية التي تتيح للدول محاكمة مرتكبي جرائم الحرب التي حدثت خارج حدودها.
إعلان رسالة للضحاياوكانت باريس قد علقت في السابق مذكرات توقيف للأسد بحجة تمتعه بالحصانة المرتبطة بكونه رئيسا، بينما أزالت هذه الحصانة اليوم، وصار من الممكن ملاحقته إلى جانب كبار مسؤولي نظامه دوليا، كما يقول حاج يحيى للجزيرة نت.
وأعلنت عدة دول أوروبية أخرى من بينها ألمانيا والسويد وهولندا -خلال السنوات الماضية- عن مذكرات ومحاكمات بحق مسؤولين في النظام السابق بتهم تتعلق بالتعذيب وارتكاب جرائم حرب، استندت جميعها إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
ويعتبر حاج يحيى هذه المذكرات "أعمق من مجرد إجراء قضائي" ﻷنها تضع رأس النظام السابق في خانة المجرمين المطلوبين دوليا، وتحوله من رئيس حكم البلاد لعقود إلى مجرم فار من العدالة.
ويؤكد أنها رسالة للضحايا وذويهم بأن العالم يعترف بمعاناتهم ويمنحها صدى قضائيا، ويضع رؤوس النظام السابق في خانة المطلوبين بعد أن كانوا هم من يصنفون خصومهم كخارجين عن القانون.
في حين يرى الحقوقي البني أن مذكرات التوقيف الفرنسية تحمل بعدا رمزيا كبيرا، خاصة وأن "بشار الأسد صار مطلوبا للعدالة، وهذا واقع لا تستطيع أي دولة الآن تجاوزه بحجة الحصانة الرئاسية".
ورغم أنه لا يمكن محاكمة الأسد على جميع جرائمه ﻷن الأمر يحتاج عقودا من الزمن لفتح ملفات الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة والتعذيب بالسجون والتغييب القسري -حسب البني- لكن من المهم أن تتم محاكمته "على مسؤوليته عن آلة القتل الجهنمية التي فتكت بالسوريين والسوريات طوال عقود".
العدالة الانتقاليةويؤكد البني ضرورة فتح محاكمة واسعة من دمشق ضد الرئيس المخلوع، حتى تُذكر جميع الحقائق المرتبطة بمنظومة القمع والقتل، وهو ما سيحدث مع تحرك هيئة العدالة الانتقالية وتولي مهامها كما يجب، مشيرا إلى أن ملف العدالة الانتقالية في سوريا لا يتوقف عند محاكمة المجرمين، وإنما يشمل جبر الضرر للضحايا، وكشف الحقائق، وإرساء السلم الأهلي.
في حين يرى الباحث حاج يحيى أن هذه المذكرات يمكن أن تكون ركيزة للعمل القانوني والسياسي في سوريا عبر:
أولا: الدفع نحو تضمين نصوص واضحة في الدستور السوري الجديد تلغي الحصانات وتتيح محاكمة كبار المسؤولين عن الجرائم الكبرى. ثانيا: تعزيز التعاون مع الآليات الدولية القائمة التي جُمعت، وتواصل جمع الأدلة حول جرائم الحرب في سوريا، ومع المنظمات الحقوقية لرفع دعوى وطنية من قبل المدعي العام ضد بشار وإصدار مذكرات توقيف صادرة عن القضاء الوطني.ويختم حديثه -مع الجزيرة نت- بالإشارة إلى أن تنسيق الجهود الحقوقية بين الأفراد والضحايا والمنظمات الحقوقية يبقي هذه الملفات مفتوحة بالخارج، ويسهم في ترسيخ ثقافة عدم الإفلات من العقاب، ويعتبره عنصرا أساسيا للمضي قدما في مسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الحقيقية.
وكان رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا عبد الباسط عبد اللطيف قد أعلن، الشهر الماضي، عن نية إعداد ملفات الادعاء والتعاون مع الهيئات الدولية في المستقبل لاستصدار مذكرات توقيف قضائية، ومحاسبة المتورطين بدماء السوريين طوال الـ54 عاما الماضية.
إعلانوتم الإعلان عن تشكيل هذه الهيئة في المرسوم الرئاسي رقم 20 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 17 مايو/أيار الماضي، حدد وظائفها بالكشف عن الانتهاكات الجسيمة في عهد النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وتحقيق المصالحة الوطنية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات دراسات العدالة الانتقالیة مذکرات التوقیف النظام السابق مذکرات توقیف هذه المذکرات فی سوریا
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..