لجريدة عمان:
2026-06-03@06:42:08 GMT

مثل أصداء انكسار باكر

تاريخ النشر: 19th, October 2025 GMT

الأحد، 27 مايو 1990، مدينة نيويورك، ولاية نيويورك:

صداقة، و«...»، واطِّلاعات جيدة في مكتبة جامعة كولومبيا بمساعدة حاتم، وأحاديث طيبة، وشعور مَرضي بالنَّدم على كل هذا الإفراط في «...» ممزوج بسعادة للانعتاق من ربق المتطلبات الدراسيَّة «...».

كارثة أخرى: أنت شخص لا يستطيع ولا يريد أصلًا أن ينسى.

الاثنين، 28 مايو 1990، مدينة نيويورك، ولاية نيويورك:

في عصر ما بعد الحداثة هذا حيث يقترب الشِّعر من الرِّياضيات، أوجاعك تلقي بك في الحقبة الرومانسيَّة من تاريخ الأدب.

وفي العصف الذي تذروه الرِّياح في الخارج هنا ورطة كبيرة: ألمانيٌّ من أصدقاء حاتم يقول إن من الصعب وصف كافكا بـ«التراجيدي».

الأربعاء، 30 مايو 1990، مدينة نيويورك، ولاية نيويورك:

هل كان لا بد من أن يكون نص «كلاوديا» على تلك الدرجة من «التأنُّق» بحيث تبدو اللغة وكأنها خارجة من ترصُّد وعيٍ مسبق؟ سؤال صعب، لكني سأميل إلى الاعتقاد بأن الإجابة هي: نعم.

الأمر له علاقة بكلاوديا نفسها، بأنوثتها الجبروتيَّة وجسدها المُشتَغَل عليه بهندسة رفيعة وفتنة مقصودة، لذا كان لا بد لصنعة الكتابة من التضرُّع بطين الجسد فهذا هو الحد الأقصى من الحد الأدنى الذي تتيحه اللغة. لقد جاءت كلاوديا إلى ملكوتي من ملكوت أرحب وأجمل.

لكن عليَّ الاعتراف أن «كلاوديا» يبقى نصًا غير خالٍ أبدًا من الافتعال الموسيقي جِناسًا، وطِباقًا، وسجعًا (تحفَّظ عليه سركون بولص في مكالمة هاتفيَّة).

الجمعة، 8 يونيو 1990، سان دييغو، كاليفورنيا:

الليلة أقف وراء القمر، خلف السحب، أنظرُ من نافذة وحيدة وراءها نهر من ظلام. بعد قليل أرى كوخًا مضاء يشبه تمامًا كوخ إدغَر ألن بو الذي زرته مؤخرًا برفقة حاتم في نيويورك في وقائع اليقظة. أقف خلف نافذة في الكوخ، وأرى كيرستن واقفة وراء نافذة أخرى تقابلني في الدُّجى. تغمز بعينها الغجريَّة برسالة أقرب ترجمة ممكنة لها هي شيء من قبيل: «سنهرب معًا، أنا لا أحب صديقي الحميم boyfriend». ثم تقترب مني فأطوَّق خصرها بذراعيَّ وتضع رأسها على صدري، وتقبِّلني تلك القبلة البريئة على خدي كما تفعل في العادة حين نلتقي، في الحياة الفعليَّة، في الجامعة وهي تقول كعادتها في التعقيب على بعض ملاحظاتي: «عبدالله، يا لك من شاعر».

نمشي معًا في الأحراش وأصابعنا متشابكة في الحلكة، ثم تتوقف فجأة سيارة ركَّاب بيضاء ينزل منها على عجل أربعة رجال بينما يبقى السائق في السيارة خلف المقود. الرجل الذي ترجَّل من المقعد الأمامي يلف زنده بالعلم الأمريكي، فأقول في نفسي إنه أحد الوطنيّين اليمينيّين «الأمريكان» المتطرِّفين. يصرخ بنا بنبرة آمرة: «علينا أن نتحدث!»، «لا، شكرًا نحن على عجل!»، أردُّ عليه. وبالكاد أكمل هذه الجملة حتى تنتزع كيرستن أصابعها من أصابعي وتركض هاربة نحو أعماق الأحراش، بينما يبدأ الرجال الأربعة بالركض خلفنا.

أفقتُ والقمر يرتعش على اللحاف.

الأحد، 10 يونيو 1990، سان دييغو، كاليفورنيا:

الواحدة والنصف صباحًا، واقفًا خلف نافذة غرفة النوم وأنا أرى السَّيارات تتهادى على «جادَّة إلكاهون»، وأدخن غليوني. لا قمر في السَّماء الرماديَّة.

هطل المطر في نهار يوم أمس، وأخذ الليلة معه صديقه الذهبي. أذهب إلى السَّرير، فربما يأتي ماء السَّماء أو القمر خلال ساعة أو أكثر.

لماذا يا قمر، تعيدني إلى معسكرات الجيش في أبوظبي السَّبعينيات والثمانينيَّات التي لا ضوء فيها؟

ولماذا يا إدغَر ألن بو، وعلى الرغم من كل شيء، خرجت من الخدمة العسكريَّة بشهادة حسن سيرة وسلوك؟

ولماذا يا ماء، تُسرِّبني إلى الشاطئ حيث تعُّوب الكحَّالي مهجورًا ومحطَّمًا؟

لماذا؟

الثلاثاء، 12 يونيو 1990، سان دييغو، كاليفورنيا:

لا شيء يثيرني. لا شيء يردع يدي عن عنقي المنتصبة. لا شيء في حياتي أستدعيه. لا شيء، وأنا أكثر الأشخاص قربًا من النَّدم على هذه البسيطة الآثمة.

بعد أسبوع من صمت اللحود تحشرج الهاتف اليوم مرتين: في المرة الأولى، وكأنه كان لا بُد لحدوسي من أن تكون صائبة، لم أُجب، وتركت لحافظة الرَّسائل الهاتفيَّة أن تسجِّل المكالمة القادمة من شخص يقول إن اسمه كَفِن، وإنه في الطريق إليَّ حسب الموعد.

كل ما في الأمر أني لا أعرف شخصًا بهذا الاسم أبدًا، وأتمنى أن المدعو كَفِن هذا يكتشف في وقت ما أنه أدار رقمًا خاطئًا، وأنه في الطريق الخطأ إلى الشخص الأكثر خطأً.

أما في المرة الثانية فقد قررت أن أجيب على رنين الهاتف، لكن حين فعلت، انقطع الخط فورًا.

بعد دقائق من كتابة السُّطور أعلاه انقطع التيَّار الكهربائي، وغرقت الشقَّة في الظلام. اعتقدت للوهلة الأولى أن الأمر إنما يتعلق بانقطاع التيَّار عن الحي بأكمله، أو على الأقل عن هذه البناية، لكن الشقق المحاذية لي، وتلك التي تقابلني في الدَّورين الأول والثاني، إضافة إلى المباني المجاورة، كانت مضاءة. تسمَّرت قليلًا قبل أن أغادر شقَّتي ببطء وضجر إلى شقَّة عامل المجمَّع السَّكني الذي أحضر معدَّاته وفحص الصندوق الكهربائي العام الخاص بالبناية، ثم قال لي إن الصندوق الكهربائي الخارجي على ما يرام، وإن الخلل إنما يكمن في صندوق شقتي.

ثمَّة خلل، خلل كبير، في الصندوق الكهربائي في شقتي، فيَّ أنا، في ذكرياتي، في تفكُّراتي، وليس في أي صندوق آخر، ولا أي شخص آخر، ولا أي شيء آخر في هذا العالم.

الأربعاء، 13 يونيو 1990، سان دييغو، كاليفورنيا: 

تُرى، وَجْهُ من ذلك الذي سألته في رماد الفجر «المُكوبَس» -نسبة إلى الكابوس- عمَّن ماتوا في مجز الصُّغرى خلال السنوات الأربع الفائتة التي لم أعد فيها إلى عُمان، وقطعت كل اتصالاتي بمن تسميهم اللغة الجائرة «الأهل»؟ وَجْهُ من كان ذلك؟

أهو وجه أحد أموات القرية الجُدد وأنت لا تدري؟

أم هو وجهك أنت وحدك، ذلك الذي لم يغادر مقبرة كنت تختلف إليها خلسة كي تتمكن من الحديث إلى محفوظة قبل سنوات بعيدة مثل أصداء انكسار باكر؟

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: سان دییغو لا شیء

إقرأ أيضاً:

“نيويورك تايمز”: زيلينسكي يتعرض لضغوط هائلة بسبب تحقيقات حول فضيحة فساد كبرى لمقربيه ومساعديه

أفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن فلاديمير زيلينسكي يتعرض حاليا لضغوط كبيرة بسبب تحقيق المكتب الوطني لمكافحة الفساد ضد رئيس مكتبه السابق، أندريه يرماك.وجاء في مقالة الصحيفة: “هذه القضية تخلق ضغوطا سياسية إضافية على زيلينسكي، الذي استعاد توازنه للتو بعد عام عاصف. لم يقتصر هذا العام على فضيحة فساد فحسب، بل شهد أيضا إخفاقات على الجبهة، فضلا عن ضغوط من واشنطن، حيث طالبت الولايات المتحدة بإنهاء الصراع بأي ثمن تقريبا”.

ووفقا للصحيفة، لا يزال الوضع صعبا على رأس النظام في كييف، بالرغم من أن وكالات مكافحة الفساد الأوكرانية لم توجه إليه أي اتهامات مباشرة حتى الآن.

وقالت الصحيفة: “كيف يمكن تصديق أن زيلينسكي لم يكن على علم بالفساد المتفشي بين أصدقائه المقربين ومساعديه؟ تزيد التسريبات الدورية حول هذا الموضوع الأمر تعقيدا. ففي وثائق تتعلق بمجمع سكني فاخر قرب كييف، ذُكر أن أحد القصور مُخصص لشخص يُدعى “فوفا”. و”فوفا” هو تصغير وتدليع لاسم فلاديمير، ولكن أي “فوفا” المقصود هنا؟ لا توجد إجابة حتى الآن”.

وأعلنت النيابة العامة المتخصصة بمكافحة الفساد في أوكرانيا (SAP) في 11 مايو أنها وجهت اتهامات إلى يرماك بغسيل الأموال أثناء بناء مساكن فاخرة بالقرب من كييف.

وقضت المحكمة العليا لمكافحة الفساد في أوكرانيا في 14 مايو باحتجاز يرماك رهن الاعتقال مع إمكانية الإفراج عنه بكفالة قدرها 3.1 مليون دولار، وبعد أربعة أيام، أُطلق سراح يرماك بكفالة.

المصدر: نوفوستي

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/06/02 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية2026/06/02 إغلاق المستشفى الإيراني في دبي وتجميد أمواله ومنع رئيسه من السفر2026/06/01 تقرير بريطاني: 50 مقاتلا من القوات الخاصة لإقليم “صومالي لاند” أنهوا تدريبات في تل أبيب مؤخرا2026/05/29 الصدر: نعلن انفكاك سرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني والتحاقها بالدولة العراقية2026/05/28 وفاة عبدربه منصور هادي.. الملك السعودي وولي العهد يعزيان اليمن حكومة وشعبا2026/05/28 “سي إن إن” عن مصدر سعودي: المملكة لن تطبع مع إسرائيل إلا بعد وجود مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية2026/05/28شاهد أيضاً إغلاق عالمية طهران: لو كان روبيو يعرف التاريخ أو العمارة لما التقط صورة هنا 2026/05/27

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

مقالات مشابهة

  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • نيويورك تايمز: طائرات حزب الله المسيّرة تُربك الجيش الإسرائيلي
  • “نيويورك تايمز”: زيلينسكي يتعرض لضغوط هائلة بسبب تحقيقات حول فضيحة فساد كبرى لمقربيه ومساعديه
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • "نيويورك تايمز": مقتل أكثر من 200 شخص منذ بدء الضربات الأمريكية ضد قوارب تهريب المخدرات