جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-23@23:50:34 GMT

حين يصبح القرار عبئًا جديدًا

تاريخ النشر: 19th, October 2025 GMT

حين يصبح القرار عبئًا جديدًا

سعيد المالكي

لم يثر قرارُ تحديدِ ساعات العمل لعُمال وعاملات المنازل ومنحهم امتيازات جديدة جدلاً واسعًا في الوسط الاجتماعي رفضًا لمبدأ الحقوق الإنسانية؛ بل لأنَّ القرار جاء في توقيتٍ مُقلقٍ وسياقٍ غير متوازن، يعكس فجوةً متزايدة بين أولويات المؤسسات الرسمية واحتياجات المواطنين، طارحًا تساؤلات مُحيرة.

وقد نصّ القرار على تحديد ساعات عمل عمال المنازل ومن في حكمهم، بألّا تزيد على 12 ساعة يوميًا، ومنحهن راحة أسبوعية لا تقل عن يوم واحد مدفوعة الأجر، وإجازة لا تقل عن 21 يومًا عن كل عام يقضيه في الخدمة، وإجازة مرضية، إضافةً إلى مكافأة نهاية خدمة تُمنح بعد انتهاء مدة العمل.

هذا القرار، نطرحه في سياق مُقارنة قاسية، لكنها تكشف حجم المفارقة بين سرعة الإنصاف في حالاتٍ مُعينة وبطئه في قضايا تخص أبناء الوطن أنفسهم. ورغم أن هذه البنود قد تبدو من حيث المبدأ حقوقًا إنسانية مشروعة، إلّا أن تطبيقها في السياق المحلي يُثير تساؤلاتٍ منطقية حول العدالة وتوازن المصالح.

مفارقة لا يُمكن تجاهلها

المفارقة الصارخة هي أن آلاف المواطنين يعملون مقابل رواتب لا تتعدى المبلغ المطلوب للعاملات إلّا بريالات عُمانية معدودة، ويتحمّلون مسؤولية أسرٍ كاملةٍ بمنازل مستقلة لا تكفي مصاريفها حتى خمسة أضعاف هذا الراتب. ومع ذلك، تُقرَّر زيادة رواتب العاملات اللائي يعشن في منازل الأسر التي يعملن لديها، يأكلن من طعامها، ويستخدمن مرافقها، وليس عليهن أي مسؤولية عن فواتير الكهرباء أو الماء أو المعيشة اليومية.

المفارقة ليست انتقاصًا من حقوق العاملات؛ بل إشارة إلى انقطاع مُتخذ القرار عن واقع الناس، وإلى خللٍ عميقٍ في ترتيب الأولويات الوطنية.

تساؤلات منطقية عن التطبيق والواقع

هل تحديد ساعات عملٍ معدودة لعاملةٍ تعيش في نفس المنزل، ولا تتحمّل أي نفقاتٍ من مأكلٍ أو مشربٍ أو مسكن، يعني أنها تستطيع التوقف عن العمل بمجرد انتهاء الساعات الاثنتي عشرة؟ وماذا لو أن الهدف من وجودها بالمنزل هو رعاية الأطفال في غياب الوالدين أثناء عملهما؟ هل يعني ذلك أنها يمكن أن تترك الأطفال عند انتهاء "الدوام" حتى لو لم يعد الوالدان بعد؟

ثم إن تحديد ساعات العمل بهذه الصيغة يوحي وكأنَّ العاملة موظفةٌ خارجية مستقلة، فهل يُتوقّع منها إذن أن تستأجر سكنًا خاصًا بها على نفقتها، وتتحمّل مصاريف طعامها ولباسها وكل ما يرتبط بإقامتها؟ إن كان الأمر كذلك، فحينها لا يكون صاحب المنزل مسؤولًا عن مأكلها ومشربها حتى خلال ساعات العمل.

لا بد أن يتحقق العدل للطرفين؛ فهكذا تُدار قوانين العمل الحقيقية، على أساس التوازن بين الحق والواجب، لا على أساس الكفة الواحدة التي تُرجّحها اعتبارات خارجية أو صيغ غير واقعية.

لقد تجاهل القرار تمامًا خصوصية وظيفة عاملة أو عامل المنزل، فهو عملٌ قائم على المعيشة المشتركة داخل بيئةٍ أسريةٍ خاصة، لا يمكن قياسها بمعايير المكاتب والمؤسسات. ويبدو أنه ركّز على إرضاء الخارج أكثر من مراعاة الداخل، فضاعت العدالة بين إظهار النية الحسنة، ونسيان الجوهر.

وهنا يبرز سؤالٌ آخر أكثر عمقًا: هل الهدف هو الحفاظ على استمرار خدمات عاملاتٍ من بلدٍ مُحدد ولو على حساب قدرة المواطنين؟ ولماذا لم يأتِ القرار على غرار ما فعلته بعض الدول الخليجية التي رفضت الإملاءات ودعمت مواطنيها وحافظت على سيادتها الداخلية في آنٍ واحد؟

ما يثير الاستغراب أن القرار يبدو وكأنه صيغ استجابةً لضغوط خارجية أكثر من كونه نابعًا من حاجة داخلية حقيقية. فما السر وراء هذا التسارع في إصدار قراراتٍ تزيد العبء على المواطن بدل أن تخفّف عنه؟ ولماذا يُترَك مواطن آخر يعيش ضيق الحال دون معالجة حقيقية لمُعاناته، بينما تُنفَّذ المطالب الخارجية بكل سرعةٍ وامتثال؟ إننا لسنا ضد الحقوق الإنسانية؛ بل مع ترسيخها وفق رؤيةٍ عادلةٍ تُراعي واقع البلد وإمكاناته.

سؤال يحرج الجميع

إذا كانت تلك الدول قد فرضت ووضعت شروطًا دعمًا لمواطنيها في الخارج (وهي الطرف المحتاج للعمل)، فلماذا لا يترك قرارها لها؟ والتصرف في اتجاه دعم المواطن داخليًا؟ قد لا تريد الحكومة اتخاذ قرار وقف التعامل مع دولة بعينها فيما يخص هذا الأمر، ولكن لماذا يتم تبني ما تُريد تلك الدولة وتطبيقه داخليًا وإلزام المواطنين به؟

ومن الطبيعي أن تصون الدولة حقوق جميع من يعيش على أرضها، لكن العدالة الحقيقية لا تتحقق بتقديم طرفٍ على آخر، ولا بالاهتمام بالصورة الخارجية على حساب الداخل.

العدل يبدأ حين تنصف المؤسسات مواطنيها أولًا، وتضمن لهم مستوى معيشيًا كريمًا يوازي الجهد المبذول، ثم تمتد يد العدالة إلى غيرهم من موقع قوةٍ لا من موقع ضعفٍ.

القرار الأخير لا يمكن النظر إليه بمعزل عن سياقٍ أوسع من القرارات المتراكمة التي تزيد العبء على المواطن بدل أن تحلّ أزماته. لقد أرادت الجهة المصدِرة أن تظهر بصورةٍ إنسانية أمام الخارج، لكنها نسيت أن الإنسانية الحقيقية تبدأ من الداخل، حيث كرامة المواطن وحقه في العيش الكريم والوظيفة الملائمة.

إن من حق العاملات الحصول على بيئةٍ إنسانية عادلة، لكن من حق المواطن أيضًا أن يجد من مؤسساته عدالةً لا انتقائية فيها، ولا رضوخًا لإملاءاتٍ خارجية. فحين يختلّ ميزان العدل بين الداخل والخارج، تضيع الرسالة، ويصبح كل قرارٍ جديدٍ مجرد مرآةٍ تعكس الارتباك.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

وزير البيئة: الحماية وسلامة المواطن تتطلب التعاون بين الأجهزة الرقابية

بحث وزير البيئة بحكومة الوحدة الوطنية محمد سيدي إبراهيم، الخميس، آليات تعزيز الرقابة على تداول المبيدات الزراعية المحظورة، خلال اجتماع عقده بمقر جهاز الشرطة البيئية، بمشاركة عدد من الجهات الرقابية والأمنية المختصة.

وقالت وزارة البيئة الليبية إن الاجتماع جاء ضمن جهود تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية بحماية البيئة ودعم الأمن الغذائي، بحضور رؤساء جهاز الشرطة البيئية، وجهاز الحرس البلدي، وجهاز الشرطة الزراعية، ومصلحة الجمارك، إضافة إلى عدد من المختصين.

وناقش الاجتماع ملف المبيدات الزراعية المحظورة، وسبل إحكام الرقابة على عمليات استيرادها وتداولها واستخدامها، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجهات المعنية لضمان تطبيق القوانين والتشريعات النافذة.

واستعرض المشاركون آليات تفعيل الحملات الرقابية المشتركة، وتكثيف عمليات التفتيش والمتابعة، بهدف الحد من المخالفات والتصدي لأي عمليات مرتبطة بإدخال أو بيع أو استخدام المبيدات التي تشكل خطرًا على صحة الإنسان والبيئة.

وأكد وزير البيئة محمد سيدي إبراهيم أن حماية البيئة وسلامة المواطنين تتطلب توحيد جهود مختلف الأجهزة الرقابية والعمل بتنسيق مشترك، مشددًا على أهمية رفع كفاءة منظومة الرقابة وتعزيز الالتزام بالتشريعات البيئية.

وأوضح الوزير أن مواجهة تداول المبيدات الزراعية المحظورة تمثل جزءًا من الجهود الرامية إلى حماية الأمن الغذائي والحفاظ على بيئة صحية وآمنة للمواطنين.

ويأتي الاجتماع ضمن برنامج وزارة البيئة لتوحيد العمل بين الجهات الوطنية المختصة، وتعزيز التعاون الرقابي في مختلف المناطق، بهدف الحد من المخاطر الناتجة عن المواد الزراعية المحظورة ودعم منظومة الحماية البيئية في ليبيا.

هذا وتشكل المبيدات الزراعية المحظورة خطرًا على صحة الإنسان والتربة والمياه، خصوصًا عند استخدامها خارج الأطر القانونية أو دون رقابة.

وتعمل العديد من الدول على تشديد إجراءات الرقابة على هذه المواد للحد من آثارها على الإنتاج الزراعي وسلامة الغذاء، وهو ما دفع ليبيا إلى تعزيز التنسيق بين الجهات البيئية والزراعية والأمنية.

آخر تحديث: 23 يوليو 2026 - 19:02

مقالات مشابهة

  • النائب إيهاب منصور: الحكومة تتفنّن في تعذيب المواطنين بالعدادات الكودية
  • محمد موسى: ثورة 23 يوليو أعادت رسم ملامح مصر ورسخت كرامة المواطن
  • أبطال تحت الركام.. 8 ساعات من الكفاح تنتهي بانتشال ضحية انهيار عقار طلخا
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • وزراء خارجية المملكة ودول عربية يدينون التصعيد الإسرائيلي في الأقصى
  • وزير البيئة: الحماية وسلامة المواطن تتطلب التعاون بين الأجهزة الرقابية
  • وزير الخارجية يبحث المستجدات مع وزير خارجية الكويت
  • بعد ساعات من طرحها.. «لولا البنات» لـ عمرو دياب تتصدر أنغامي وإكس
  • عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟