الجنيه السوداني يتعثر مع تضرر صادرات الذهب بفعل حظر طيران تفرضه الإمارات
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
يشهد الاقتصاد السوداني انهيارًا متسارعًا مع فقدان الجنيه نحو 40% من قيمته خلال الأشهر الأخيرة، في ظل اعتماد البلاد شبه الكامل على صادرات الذهب، بينما تتصاعد الخلافات بين الجيش والإمارات على خلفية الحرب بين الجيش والدعم السريع، وتستفيد مصر من القيود المفروضة على الرحلات الجوية عبر تحويل مسار حركة السفر والتجارة.
التغيير: وكالات
قال تجار ومسؤولون سودانيون إن الجنيه السوداني فقد ما يقرب من 40 بالمئة من قيمته بعد أن تسبب حظر فعلي على الرحلات الجوية من بورتسودان، عاصمة الجيش في وقت الحرب، إلى الإمارات في تعثر تجارة الذهب الحيوية.
ويعتمد الجيش على الإمارات في الحصول على العملة الصعبة من صادرات الذهب، لكنه يتهمها أيضا بدعم قوات الدعم السريع شبه العسكرية في حرب أهلية مستمرة منذ عامين ونصف العام أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين.
وأوقفت الإمارات، التي تنفي دعمها لقوات الدعم السريع لكن علاقاتها مع الحكومة التي يقودها الجيش تزداد توترا، في أوائل أغسطس جميع الرحلات الجوية التجارية من بورتسودان، المنفذ الرئيسي للتجارة الدولية في البلاد، وفقا لهيئة الطيران المدني السودانية وبيانات تتبع الرحلات الجوية.
وأظهرت إشعارات الشحن بالإضافة إلى ما ذكرته خمسة مصادر في القطاع أنها أوقفت أيضا حركة الشحن عبر موانئ الإمارات من وإلى السودان.
وذكر ثلاثة من تجار الذهب والعملات أن انخفاض صادرات الذهب القانونية من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه السوداني من 2200 إلى 3600 مقابل الدولار.
وكان يساوي 600 جنيه مقابل الدولار قبل بدء الحرب في أبريل 2023.
ولم ترد السلطات في الإمارات، ثاني أكبر مركز لتجارة الذهب في العالم، على طلبات للتعليق.
لكن في أغسطس ، اتهمت الإمارات الجيش السوداني بتكثيف الاتهامات الكاذبة والدعاية، دون ذكر أي تفاصيل.
ولم ترد وزارة المالية السودانية على طلب للتعليق.
ويكشف هبوط الجنيه السوداني عن عمق اعتماد السودان الاقتصادي على الإمارات، على الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية.
ووفقا لبيانات البنك المركزي السوداني، استوردت الإمارات ما يقرب من 90 بالمئة من صادرات السودان القانونية من الذهب، أي حوالي 8.8 طن في النصف الأول من عام 2025. وجلبت هذه الصادرات ما يقرب من 840 مليون دولار، وهي أكبر صادرات السودان حتى الآن.
ويقول سكان إن الحكومة السودانية استخدمت هذه الصادرات لتمويل واردات السلع الاستراتيجية مثل الوقود والقمح، والتي ارتفعت أسعارها بشكل كبير منذ أغسطس آب في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
ويقول متعاملون إن الإمارات هي أيضا وجهة الذهب السوداني المهرب، والذي يمثل أربعة أضعاف الإنتاج الرسمي، وفقا لما ذكره مبارك أردول المدير العام السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية.
وذكر محللون ومصادر تجارية أن كلا من الجيش وقوات الدعم السريع ضالعان في التهريب.
الاعتماد على الإماراتأصبح اعتماد السودان على الإمارات راسخا بعد أن جعلت العقوبات الأمريكية المفروضة منذ أواخر التسعينيات التعامل مع معظم البنوك الدولية مستحيلا.
وبنك دبي الإسلامي هو أكبر مساهم في بنك الخرطوم الرئيسي في السودان، وتمر معظم المعاملات الحكومية عبر فرع بنك النيلين السوداني في أبوظبي.
كما أن قدرة الإمارات على تكرير الذهب تفوق بكثير قدرة دول المنطقة الأخرى. وقال أردول إن مستوردي الذهب في الإمارات يسهلون التجارة من خلال تقديم مدفوعات مسبقة.
وقال سليمان بلدو، مدير المرصد السوداني للشفافية والسياسات، إن السلطات في بورتسودان والتجار كانوا يستكشفون مسارات لأسواق بديلة في قطر وعُمان ومصر والسعودية ولكن لم ينجح أي منها حتى الآن.
ومع ذلك، قال بلدو وأربعة تجار إن الحظر المفروض من الإمارات أدى إلى تهريب المزيد من الذهب إلى مصر، والذي ينتهي معظمه في نهاية المطاف في الإمارات.
وقال بلدو “مصر هي الرابح الأكبر. إذ يُعاد تصدير الذهب بكميات كبيرة إلى الإمارات، وتذهب كل الفائدة من (فرق السعر) إلى مصر”.
وقال مارك أوميل، الذي يجري أبحاثا عن تجارة الذهب لصالح منظمة “سويس إيد” غير الحكومية، إن بعض صادرات السودان القانونية من الذهب تم تحويلها أيضا منذ أغسطس آب إلى قطر وعمان، ولكن هذه أيضا تصل في النهاية إلى الإمارات.
المصدر: رويترز
الوسومالإمارات الذهب السوداني حرب الجيش والدعم السريع
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الإمارات الذهب السوداني حرب الجيش والدعم السريع الجنیه السودانی الرحلات الجویة صادرات الذهب على الإمارات
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.