كيف تم استدراج المدمرة الإسرائيلية «إيلات» وإغراقها بعد دخولها المياه المصرية؟
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
يعد 21 أكتوبر 67، تاريخ لا يمكن أن يمُحى من الذاكرة، لما قامت به البحرية المصرية من ملحمة بطولية، عندما استطاعت تدمير إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات»، في ضربة تحدث عنها العالم، كشفت قدرة وكفاءة القوات البحرية، ودقة التدريبات والقدرة على تنفيذ الخطط.
ما قبل عملية تدمير المدمرة إيلاتقامت إسرائيل بشراء المدمرة من إنجلترا واسمها Zealous في يونيو عام 1956 مع مدمرة أخرى تُسمى «يافو»، اشتركت المدمرة إيلات في العدوان الثلاثي 1956.
شهدت الفترة التي تلت حرب يونيو 1967 وحتى أوائل أغسطس 1970، أنشطة قتالية بحرية بين الجانبين وكان كلاهما يهدف إلى إحداث أكبر خسائر في القوات البحرية للطرف الآخر بغرض إحراز التفوق وتحقيق السيطرة البحرية ويعرف هذا النوع من القتال البحري في فنون الحرب البحرية بالأنشطة القتالية الروتينية للقوات البحرية.
بعد انتصار إسرائيل في حرب 1967 أمرت قيادة الجيش الإسرائيلي بأن تخترق المدمرة إيلات المياه الإقليمية المصرية وتدخل المنطقة البحرية لبورسعيد، مستغلة قوة الردع المتمثلة لديها في تفوقها الجوي ومدفعيتها الرابضة على الضفة الشرقية للقناة، مهددة مدنها في انتهاك المياه الإقليمية المصرية في البحرين المتوسط والأحمر، وقد تصورت القيادة الإسرائيلية عدم قدرة القوات المصرية على منعها من ذلك.
وفي 11 يونيو 1967م ضربت المدمرة «السرب المصري» الذي كان يمر بجانب المدمرة فاشتبك معها وأغرقته المدمرة، وكان يقود «السرب المصري» الضباط عاوني عازر وممدوح شمس، واستمرت المدمرة بقيادة «إسحاق شوشان» في اختراق المياه المصرية إلى يوم 18 أكتوبر 1967م، فقررت القيادة السياسية المصرية إعطاء الأوامر للقوات البحرية بضرب المدمرة وإغراقها.
وفي يوم 21 أكتوبر 1967م صدر أمر بالاشتباك مع المدمرة وتشكّلت فرقتين للقيام بالمهمة، الفرقة الأولى كانت بقيادة النقيب أحمد شاكر ومساعده الملازم أول حسن حسني وكانا على اللنش 504، أما اللنش الثاني 501 كان يقوده النقيب لطفي جاب الله بمساعدة الملازم أول ممدوح منيع.
صورة ماكيت للمدمرة إيلاتكانت المعلومات تصل لهم أولاً بأول من قيادة بورسعيد البحرية التي كانت تتابع تحركات المدمرة، وقد استعدّت قوات القاعدة لمهاجمة المدمرة عندما تصدر الأوامر من قيادة القوات البحرية بالتنفيذ، ومن هذه الأعمال الاستفزازية دخول المدمرة إيلات ومعها زوارق الطوربيد من نوع جولدن، ليلة 11/12 يوليه 1967 داخل مدى المدفعية الساحلية في بورسعيد، وعندما تصدت لها زوارق الطوربيد المصرية فتحت إيلات على الزوارق وابلاً من النيران.
تنفيذ عمية ضرب المدمرة إيلاتأكد المعلومة تقرير الاستطلاع اليومي الذي اطلع عليه العميد محمود عبد الرحمن فهمي الذي يكشف التفاصيل من خلال مذكراته «صفحة من التاريخ».
وقال: «مرت إحدى المدمرتين على بعد 15 ميلاً بحرياً شمال بورسعيد ثم استدارت متجهة شرقاً، فثرت وغضبت لتلك العربدة فى مياهنا، ذهبت للواء فؤاد زكريا قائد القوات البحرية وطلبت الإذن بضرب المدمرة مؤكداً أننا نملك الإمكانيات لتنفيذ ذلك، فقال: «أنت تعلم أن الأوامر عدم فتح النيران على العدو إلا بإذن»، فطلبت الحصول على الإذن، اتصلت باللواء طلعت حسن على رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وأبلغته بالمدمرة التى دخلت مياهنا الإقليمية، وطلبت الإذن بضربها إذا عاودت الدخول، فقال: لابد من موافقة الفريق أول محمد فوزى، وبعد ساعة أبلغنى بالتصديق بالموافقة على ضرب المدمرة إذا عادت ودخلت مياهنا الإقليمية».
اجتمع العميد محمود عبد الرحمن - كما يقول فى مذكراته - مع العقداء: محمد على محمد ومحمد عادل هاشم وعلى جاد لتدارس كيفية استدراج مدمرة العدو إلى داخل مياهنا الإقليمية، وتم إرسال إشارة غير مشفرة باللاسلكي لقائد قاعدة بورسعيد بعدم الاشتباك مع المدمرة الموجودة أمام القاعدة، وابتلع العدو الطعم وشعر بالطمأنينة، وتم إرسال إشارة أخرى للعقيد طلعت نصر بالتليفون الأرضي بألا يلقى بالاً إلى الإشارة اللاسلكية المرسلة سابقاً، وتجهيز لنشين صواريخ من طراز كومر السوفيتية، كل لنش مُجهز بصاروخين سطح / سطح من طراز ستيكس الذى تزن رأسه المدمرة نصف الطن، ووضع باقي القطع البحرية بالقاعدة فى حالة تأهب، وابتلعت المدمرة الطعم وجاءت من شمال شرق بورسعيد، فصدر الأمر بخروج اللنشات لضربها، يبدأ الضرب باللنش رقم واحد فإذا غرقت تعود اللنشات إلى القاعدة، وإذا لم تغرق يتم الضرب باللنش الثانى، وتستعد المدفعية للمساندة إذا تطلب الأمر.
انطلق سرب لنشات الصواريخ من القاعدة لتنفيذ المهمة، اللنش الأول 504 بقيادة النقيب أحمد شاكر ومساعده الملازم أول حسن حسنى، واللنش الثانى 501 بقيادة النقيب لطفى جاد الله ومساعده الملازم أول ممدوح مصطفى، وللتضليل اتخذ السرب المسار المُتبع لخروج مراكب الصيد من الميناء، وبعد دقائق انفصل اللنش 504 وانطلق بسرعته القصوى متخذاً خط سير الإطلاق وأطلق أول صاروخ فأصاب الهدف، وأصاب الصاروخ رقم 2 الهدف أيضاً، وبعد ثوانٍ شوهد وهج شديد أرسل بعده النقيب أحمد شاكر الإشارة التى تقول: «تم الاشتباك مع الهدف وتدميره وإغراقه طبقاً للأوامر - انتهى».
وصدر الأمر بأن يظل اللنش 501 فى حالة استعدادٍ تحسباً لظهور الهدف الآخر، ووصل بعدها بلاغ يفيد بظهور هدفٍ آخر مماثل فى نفس الموقع وأصدرت الأمر بانطلاق اللنش الثاني للتعامل مع الهدف وإغراقه، وانطلق اللنش 501 لتنفيذ المهمة، وتم إصابة الهدف بصاروخين.. وظهر وهج شديد عدة مرات فى ظلام الليل تبعه انفجارات مدوية.. واقترب اللنش 501 لمسافة خمسة أميال من الهدف وأمكن رؤية الحطام المشتعل وغرق الهدف واختفى من على شاشات الرادار، غرقت المدمرة «إيلات» بطاقمها المكون من 220 فرداً و68 من طلبة السنة النهائية للكلية البحرية الإسرائيلية، وبناء على هذا الانتصار الساحق الذى أذهل العدو ومن يسانده، تم اختيار يوم 21 أكتوبر عيداً للبحرية المصرية التى رفعت الروح المعنوية بين صفوف جميع الأسلحة بهذا العمل الخارق، وها نحن نحتفل بقواتنا البحرية الباسلة فى عيدها الـ 56، وكل عام وقواتنا البحرية بخير وازدهار.
من كتاب «صفحة من التاريخ»
نتيجة تنفيذ عمية ضرب المدمرة إيلاتوتم إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات بواسطة 4 صواريخ بحرية سطح / سطح، هي الأولى من نوعها في تاريخ الحروب البحرية وبداية مرحلة جديدة من مراحل تطوير الأسلحة البحرية واستراتيجيات القتال البحري في العالم فقد تم في هذه العملية تدمير مدمرة حربية كبيرة بلنش صواريخ للمرة الأولى في التاريخ.
وبعد نجاح المهمة صدر قرار جمهوري بمنح كل الضباط والجنود الذين شاركوا في العملية أوسمه وأنواط وأصبح غرق المدمرة إيلات في 21 أكتوبر 1967م عيد للقوات البحرية المصرية، وأشادت الدوائر العسكرية بالشجاعة النادرة لقادة اللنشات المصرية وتم تسجيل هذه المعركة ضمن أشهر المعارك البحرية في التاريخ.
اقرأ أيضاًخلال الندوة التثقيفية الـ42.. الرئيس السيسي يُكرم أبطال أكتوبر ويستعرض جهود مصر في وقف الحرب بغزة
الرئيس السيسي يقدم التحية لأبطال حرب أكتوبر خلال الندوة التثقيفية
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات إيلات السرب المصري المدمرة إيلات حرب أكتوبر القوات البحریة المدمرة إیلات الملازم أول
إقرأ أيضاً:
د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.