معجب العدواني: نحتاج إلى نصوص تتجاوز الهوية المحلية لتصوغ وعيا عربيا مشتركا
تاريخ النشر: 25th, October 2025 GMT
حوار ـ فيصل بن سعيد العلوي -
يعد الأستاذ الدكتور معجب العدواني أستاذ النقد والنظرية في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الملك سعود أحد الأسماء التي حافظت على حضورها في المشهد النقدي العربي عبر مسار طويل من البحث والكتابة والتدريس، ففي صوته هدوء أكاديمي واضح الرؤية، وفي فكره تنعكس تجربة قارئ عاشق للنص أكثر من كونه مراقبا له من الخارج.
في هذا الحوار يتحدث «العدواني» عن موقع النقد في زمن المنصات المفتوحة، وعن العلاقة المعقدة بين النظرية الغربية والنص العربي، كما يتوقف عند صورة المدينة في الرواية، وموقع الأدب في الهرم الثقافي، ودور الجامعة في تغذية المشهد الفكري، حديث يقترب من التجربة أكثر من التنظير ويكشف عن ناقد يرى في القراءة فعلا من أفعال الحياة وليس واجبا أكاديميا أو مهنة محدودة الأفق.
**********************************************************************************************
بداية نتحدث عن موضوع النقد... كيف تنظر إلى موقع النقد اليوم في المشهد الثقافي؟ هل ما زال يحتفظ بدوره في تشكيل الذائقة وتوجيه الخطاب، أم تراجع أمام سطوة الإعلام الجديد وصعود النقد الجماهيري؟
في تصوري أن النقد أصبح حاضرا بقوة في ضوء وسائل التواصل الاجتماعي وكثرة المنتديات، ورغم الشح الذي نلاحظه الآن في كتابة الملاحق الثقافية إلا أن هناك استمرارية واضحة لموجة نقدية نشطة يمارسها عدد من الباحثين المختصين في هذا المجال، وأنا أرى أن النقد لن ينقطع لأن كثيرا من الناس يعلنون تشاؤمهم من غياب النقد مع أنه حاضر وسيبقى مستمرا ما دامت المادة الإبداعية موجودة، لذلك لا أتفق مع الادعاءات التي تتحدث عن غياب النقد أو تأخره عن مواكبة العمل الإبداعي، فالنقد ما زال يقدم رسالته في هذه المنطقة بالتعريف بالعمل الإبداعي وتقديمه في مادة بحثية أكثر عمقا وتنظيما، وحتى مع صعود ما يسمى بالنقد الجماهيري كما أسميته فإن حركة النقد المتخصص لا تزال فاعلة، وأنا أعتقد أن النقد الجماهيري يظل حاضرا أيضا وله أهميته، لكنه يبقى ضمن حدود معينة يتجاوزها بعض الدارسين أو الباحثين، والنقد الجماهيري ضروري حتى لا نقتصر على مستوى واحد من الممارسة النقدية، لكن في الوقت نفسه أرى أن هناك حاجة إلى التوسع في النقد النخبوي إذا صح التعبير، لأنه المجال الذي يمكن من خلاله تعميق الرؤية النقدية ورفع مستوى الوعي الجمالي والمعرفي بالنصوص الإبداعية.
**********************************************************************************************
حول بعض كتاباتك عن إعادة كتابة المدينة العربية في الرواية الغربية.. إلى أي مدى ترى أن صورة المكان العربي ما زالت رهينة التمثيلات الاستشراقية حتى في السرد الحديث؟
فكرة إعادة كتابة المدينة جاءت نتيجة قراءاتي المتعددة في الرواية الغربية المكتوبة باللغة الإنجليزية، فقد كنت آنذاك مشغولا بدرس ما بعد الاستعمار النقدي، ووجدت في هذا الاتجاه النظري قاعدة فكرية قوية استطعت أن أتحرك من خلالها في قراءة النصوص وتحليلها، وأظن أنني وجدت ضالتي في تلك النظرية التي تملكتني في تلك المرحلة، إذ منحتني أداة لفهم الكيفية التي تُصوَّر بها المدينة العربية في الكتابات الغربية، فحين اطلعت على عدد من الأعمال السردية لاحظت قاسما مشتركا بين كثير من الكتاب الغربيين في نظرتهم إلى المدن العربية الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية والقدس، وإلى جانبها المدن السعودية مثل مكة والمدينة والمنطقة الشرقية، وحتى دمشق، حيث تتكرر أنماط معينة من التمثيل تنطلق من خلفية ثقافية غربية ترى الشرق من خلال صورة ذهنية مسبقة لا تخلو من التباس أو استعلاء، وهذه المستويات من التمثيل لا يمكن أن تزول ما لم يتدخل الروائي العربي نفسه ليعيد اكتشاف مدينته بعينه وبخبرته الخاصة بعيدا عن تلك الخلفية المعرفية التي تهيمن على الرؤية الغربية، فالمشكلة تكمن في أن الرحالة الغربي أو الروائي حين يكتب عن الشرق لا يكتب بتجرد تام، بل يستدعي مخزونه الثقافي الموروث عن الشرق، ولو استطاع أن يتحرر من هذا الإرث ويكتب انطلاقا من التجربة المباشرة لاقترب أكثر من الواقع، وأعتقد أننا اليوم نقترب من حالة من التواصل الثقافي والمعرفي قد تسهم في تفكيك هذا المتخيل الغربي وإعادة بناء صورة المدينة العربية في وعي الكاتب الغربي نفسه.
**********************************************************************************************
في ضوء تحولات الخطاب النقدي... هل ما زالت النظرية الغربية قادرة على تفسير النص العربي، أم أننا بحاجة إلى تأسيس جهاز مفاهيمي نابع من التجربة الجمالية العربية؟
أرى أن النظرية الغربية ثرية جدا بما تملكه من مفاهيم نقدية تشكلت استجابة لحاجات المجتمعات الغربية تحديدا، ومع ذلك أعتقد أن وجودها في بيئتنا العربية ضروري وليس ترفا، لأن النقد العربي ما زال في كثير من جوانبه محكوما بأنماط من التكرار وضعف الطموح في الكتابة النقدية، لذلك فالمفاهيم التي تقدمها النظريات الغربية تظل مهمة ومفيدة، لكن علينا في الوقت نفسه أن نعيد صياغتها بما يجعلها أكثر ملاءمة لواقعنا الثقافي والاجتماعي، فلا يمكن استنساخها كما هي لأنها وليدة بيئة مختلفة، بل ينبغي أن تُستوعب وأن تُعاد ترجمتها ضمن إطار الحياة الفكرية العربية، بحيث تصبح جزءا من أدواتنا في فهم النصوص وتحليلها من دون أن تفقد خصوصيتها أو تُفرض على واقع لا يشبهها، وبهذا الشكل فقط يمكن أن تتحول النظرية الغربية من نموذج جاهز إلى طاقة فكرية قادرة على الإسهام في تطوير النقد العربي.
**********************************************************************************************
البعض يرى أن النقد العربي المعاصر انشغل بالمنهج على حساب النص هل تراه كذلك؟
في رأيي أن الإجابة على هذا السؤال ستكون بلا، لأن ما يقدم بوصفه مداخل للدرس المنهجي قد يكون مفيدا في ذاته خاصة للباحثين الذين لم يصلوا بعد إلى استيعاب تلك المناهج، ففهمهم للمفاهيم النظرية يثري محاولاتهم النقدية القادمة ويمنحهم أدوات أعمق في التعامل مع النصوص، وأعتقد أن تركيز الناقد على عرض بعض المفاهيم بطريقة لا تطغى على الجانب التطبيقي أمر مهم، لأنه يسهم في إثراء القراءة ويعمق المستوى التحليلي للنص، كما أن التوازن بين النظرية والتطبيق ضروري حتى لا يتحول النقد إلى خطاب مغلق على ذاته، فالمراجعة المستمرة للمفاهيم النظرية في ضوء النصوص الإبداعية تجعل النقد أكثر حيوية وتفاعلا مع النص، ومع ذلك أنا على يقين أنه لن يكون هناك تطابق تام بين المستويين النظري والتطبيقي، لأن طبيعة الإبداع المتحركة والمتغيرة دائما تجعل من الصعب إخضاعه تماما لأي منهج ثابت أو نمط جاهز في التحليل.
**********************************************************************************************
ولكن كيف نستعيد المتعة الجمالية داخل مقاربات نقدية أكاديمية قد تكون جافة أحيانا؟
في المستويات النقدية بصورة عامة لكل مكون في النص الأدبي أو في العمل الإبداعي نظرياته الخاصة التي تعنى به، والجماليات التي يُقصد بها عادة جماليات اللغة أو التكوين الفني للنص تمثل أحد هذه المستويات التي يختص بها الدرس الأدبي المباشر، فهي تسعى إلى استنتاج منطق الجمال الكامن في النص نفسه، وهذا بدوره خاضع لمدارس نقدية متعددة ومتخصصة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن إغفال حالة الانزياحات التي تحدث في النقد الأدبي كما تحدث في النص الإبداعي، حيث انتقل الاهتمام في مراحل معينة من النص إلى القارئ، أو إلى حضور السياق الثقافي والاجتماعي، أو حتى إلى دراسة المؤلف من منظور نفسي واجتماعي، وهذه التحولات جعلت المناهج النقدية تحاول أن تغطي الجانب الجمالي لكن بطرق مختلفة، فحتى المناهج السياقية التي تبدو بعيدة عن اللغة تطرح جوانب جمالية ولكنها تتعلق بالسياقات التي تحيط بالنص أكثر مما تتعلق بلغته أو تراكيبه، ولذلك نجد في بعض الكتب أن القضايا الكبرى مثل ما يتصل بمفهوم ما بعد الاستعمار، أو القضايا البيئية، أو النسوية، تفرض حضورها بوصفها عناصر جمالية من نوع آخر، لأنها تكشف عن حساسية النص تجاه واقعه الإنساني والاجتماعي، وهذا ما يجعل الحديث عن الجمال في النقد الحديث أوسع من حصره في شرعية اللغة أو في البنية الفنية وحدها.
**********************************************************************************************
باعتبارك استاذا في جامعة الملك سعود كيف تقيّم علاقة الأكاديمي بالواقع الثقافي وهل ما تزال الجامعة حاضنة للجدل النقدي أم أنها أصبحت فضاء منغلقا على ذاته؟
الجامعة في رأيي لم تكن في يوم من الأيام فضاء مفتوحا على إطلاقه بل هي بطبيعتها المؤسسية فضاءات مغلقة نسبيا تقدم إسهاماتها غير المباشرة عبر رسالتها الفعلية التي تتركز على الجانب البحثي والأكاديمي بما يحمله من إيقاع بطيء وجدية مكثفة ومراجعة عميقة، وفي المقابل يظهر الوسط النقدي الآخر أو ما أسميته قبل قليل بالنقد الجماهيري أكثر استيعابا للمستجدات وأوسع حضورا بفعل شيوع جمهوره وانتشاره ودوره في دفع العمل الأدبي إلى مساحات أرحب من التداول والتفاعل، ولهذا فإن الجامعة تظل رافدا تأسيسيا للفكر النقدي عبر تراكمه الهادئ والمنهجي بينما يتكفل المجال الجماهيري بإبراز صدى تلك الجهود وتسريع تفاعلها مع القراء والفاعلين الثقافيين.
**********************************************************************************************
ثمة حديث متزايد عن أزمة القراءة وأفول التأمل العميق.. كيف يمكن للنقد أن ينهض في مجتمع يتجه نحو السرعة والاستهلاك الرقمي؟
ستظل القراءة محورا لا يمكن الاستغناء عنه، ولكن ما يتغير هو الأدوات، فأداة الاتصال بالمؤلف قد تكون كتابا ورقيا كما كانت في السابق، وقد تكون اليوم منشورا على منصة مثل تويتر أو إكس أو فيسبوك أو أي موقع آخر في الإنترنت، وهنا يختلف شكل الاتصال لا جوهره، فالنص في هذه الحالة لا يصبح نصا رقميا بالمعنى الحقيقي لمجرد أنه نُشر عبر وسيلة رقمية، لأن الاختلاف يكمن في الأداة فقط، أما إذا تأثر النص فعليا بوجوده داخل تلك القناة وأصبح تفاعله مع القارئ جزءا من بنيته، أو كُتب بطريقة تضمن ارتباطه بالصورة أو الوسائط الأخرى، فحينها فقط يمكن وصفه بالنص الرقمي، لأن الكتابة الرقمية في هذا المفهوم ليست مجرد نقل النص إلى شاشة بل تحويله إلى تجربة تفاعلية تتشكل فيها القراءة بوصفها جزءا من عملية الإبداع نفسها، ولذلك فإن النقد في هذا السياق مطالب بإعادة النظر في أدواته ليستوعب هذه التحولات دون أن يتخلى عن جوهر العلاقة القديمة بين النص والقارئ.
**********************************************************************************************
يرى بعض المفكرين أن الأدب فقد سلطته الرمزية في العصر الراهن، فهل يمكن للنقد أن يستعيد تلك السلطة عبر بناء وعي جديد باللغة والمعنى؟
أظن أن الأدب فقد سلطته الرمزية منذ زمن بعيد، لكنه مع ذلك ما زال يحمل رسالته التي تبقى حاضرة ومؤثرة في وجدان الأمم والشعوب، ولا يمكن التخلي عنه بسهولة أو تجاوزه مهما تغيرت الوسائط والأزمنة، فالأدب اليوم ليس في قمة الهرم الثقافي كما كان من قبل، لكنه أيضا ليس في أدناه، بل يحتل موقعا متوسطا يتيح له أن يكون حاضرا في لحظات محددة ومؤثرة، وغالبا ما ينظر إليه بوصفه أداة يمكن توظيفها أو استثمارها في قضايا معينة، ولهذا لم يكن الأدب في رأيي في أي وقت من الأوقات تلك القوة المهيمنة كما يتخيل البعض، بل ظل يدور في فلك متغير من التأثير والحضور تبعا للظروف الثقافية والاجتماعية، وأعتقد أن حضوره في المرحلة الراهنة يمكن أن يصبح أكثر فعالية بدعم المؤسسات الأدبية والثقافية التي تمنحه فضاء أوسع للتفاعل والمشاركة وإعادة تعريف دوره داخل الوعي الجمعي، وقد يكون لتفاعل الإعلام والصحافة مع ما ينتج إبداعيا وتفاعل النقاد مع هذه الحركة أثر في دعم الأدب وتعزيز حضوره، لكني لست متفائلا كثيرا بإمكانية أن يسهم ذلك في تغيير وضعية الأدب تغييرا حقيقيا في المشهد الثقافي العام.
**********************************************************************************************
كيف ترى مفهوم الهوية الثقافية في النص الأدبي العربي اليوم؟ هل ما زال النص حاملا لخصوصيته الحضارية أم أصبح جزءا من أدب بلا جغرافيا؟
أتخيل أن لدينا عربيا نصوصا يمكن وصفها بأنها عابرة للأوطان، بمعنى أنها تشكل هويتها الخاصة ضمن هوية جمعية عربية أوسع، فنحن نتحدث عن نصوص دخلت في ذائقة القارئ العربي في مختلف البلدان، وأصبحت جزءا من الوعي الأدبي العام لدى المهتمين بالأدب، وهذا النوع من النصوص ما زال موجودا ويحافظ على حضوره، وفي الوقت نفسه هناك داخل كل وطن عربي نصوص أخرى تمثل حالة من التأسيس للهوية الوطنية الخاصة بكل بلد، وهو أمر طبيعي ومشروع لأن وجود هذه النصوص يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء الثقافي، ومع ذلك أنا أركز أكثر على النصوص التي تتجاوز حدود الهويات المحلية لتصل إلى الهويات العربية العامة، لأن من سمات الأدب الناجح أن يكون قادرا على تجاوز حدوده الوطنية وحتى القومية، ليعبّر عن تجربة إنسانية أوسع تجمع ولا تفرق، وتستند إلى الهم الإنساني المشترك أكثر مما تستند إلى الخصوصيات الضيقة.
**********************************************************************************************
في مشروعك النقدي يظهر اهتمام واضح بالمدينة والفضاء والآخر.. هل ترى أن النقد العربي قادر على إنتاج نظرية عربية في المكان تعيد تعريف علاقة الإنسان العربي بالفضاء الذي يسكنه؟
أظن أن دور الناقد في هذا الجانب ليس في إيجاد البدائل أو بناء المشاريع الكبرى بقدر ما هو في الإشارة إلى مواضع الخلل أو المساحات التي تحتاج إلى إعادة نظر، فالناقد لا يصنع التغيير بقدر ما يضيء الطريق لمن يصنعونه، لأن الذين يقومون بالتغيير الحقيقي هم المبدعون والكتاب أنفسهم، فهم القادرون على تحويل الفكرة إلى نص وعلى جعل التحولات ممكنة من داخل التجربة الإبداعية ذاتها، أما الناقد فدوره يبدأ من لحظة الوعي بما يعتمل في النصوص من أسئلة وإشكالات، ومن ثم وضع هذه الأسئلة في سياقها النقدي والمعرفي الذي يمكن أن يفتح الممر أمام العابرين، أي أمام الأجيال الجديدة من المبدعين، فالناقد حين يلتقط قضية أو موضوعا ويشير إليه أو يضعه ضمن دائرة التساؤل فإنه يسهم في تحريك الفكرة وتوجيه الانتباه نحوها، وهذا بحد ذاته تأسيس غير مباشر لمشروع نقدي أوسع، لأن النقد الحقيقي لا يفرض طريقا محددا، بل يمنح وعي النصوص قدرة على رؤية ما وراءها وتجاوز السائد والمألوف في تمثيل المكان والإنسان معا.
**********************************************************************************************
وأخيرا.. ما الذي يدفع الناقد إلى الاستمرار في زمن يبدو فيه كل شيء سريع الزوال هل هو فعل مقاومة فكرية أم أنه أصبح ممارسة جمالية خالصة؟!
أتحدث عن نفسي فأقول إنني أمارس القراءة والنقد بدافع المحبة الخالصة لهذا الفعل، فقبل قليل وأنا أقرأ أحد الكتب وجدت نفسي أتساءل ما الذي يدفعني بعد كل هذه السنوات إلى أن أقضي وقتي في قراءة عمل جديد، واكتشفت أن الدافع الحقيقي هو الحب، لأنني أقرأ كل سطر بتمثل كامل يفوق ما يتخيله القارئ العادي، نقرأ بنوع من الخبرة الجمالية والذائقة المتراكمة عبر عشرات السنين، ولهذا أصبحت القراءة بالنسبة لي جزءا من حياتي ومن نشاطي اليومي، بل ومن أهدافي التي أعمل من أجلها، فنحن كقراء ونقاد نقرأ لنعرّف بالمنتج الإبداعي، ولنصل إلى المستويات العميقة في الأعمال، ولنكون جزءا من هذا الحراك الثقافي الذي يسعى إلى تقديم الجيل الجديد من الباحثين والنقاد إلى ساحة المعرفة والنقاش، فالقراءة بالنسبة لي ليست مجرد عادة أو مهنة بل هي فعل حب متجدد ومقاومة صامتة ضد الركود والنسيان.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی الوقت نفسه النقد العربی أن النقد جزءا من یمکن أن لا یمکن فی النص التی ت ما زال فی هذا مع ذلک
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.