دراسة تتنبأ: السنوات المقبلة الأصعب على أوروبا منذ عقود
تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT
واجه الاتحاد الأوروبي سلسلة من الأزمات، خلال الأشهر الماضية، تمكّن من اجتيازها بصعوبة، ولكن التحديات المقبلة تبدو أكثر تعقيدا وتشابكا.
ففي ظل حرب مستمرة في أوكرانيا، وتنامي التهديدات الروسية، وتحوّل الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترامب إلى قوة تحرف تقاليدها الدبلوماسية، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف دورها الأمني والسياسي داخل النظام الدولي.
وفي تقرير نشرته مجموعة الأزمات الدولية، حذّرت رئيسة المجموعة كومفورت إيرو، من أن السنوات المقبلة قد تكون الأصعب على الاتحاد منذ عقود، إذ عليه موازنة متطلبات الأمن الجماعي مع مخاطر الانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالضامن التقليدي؛ الولايات المتحدة الأميركية.
أوروبا بين موسكو وواشنطنمنذ مطلع عام 2025، يعيش الاتحاد الأوروبي حالة من "الاختبار السياسي" المستمر في ظل توازن هش بين موسكو وواشنطن؛ فالأوروبيون يجدون أنفسهم أمام معضلة مزدوجة:
الحاجة إلى ردع روسيا دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. الحفاظ على وحدة حلف شمال الأطلسي (الناتو).وتواصل روسيا اختبار صبر الحلفاء الأوروبيين بتكثيف هجماتها السيبرانية والتوغلات الجوية، كما حدث في سبتمبر/أيلول الماضي عندما دخلت طائرات "ميغ-31" الأجواء الإستونية، وأرسلت موسكو سربا من طائرات مسيّرة نحو بولندا. وبينما تنفي روسيا هذه الاتهامات، يرى الأوروبيون فيها جزءًا من إستراتيجية ضغط تهدف إلى تقويض دعمهم كييف.
ومن جهة أخرى، تتراجع الولايات المتحدة عن دورها التقليدي كضامن رئيسي لأمن القارة الأوروبية؛ ففي وقت تتزايد فيه الشكوك في انسحاب واشنطن من الناتو، أكد ترامب أن بلاده لم تنسحب من الحلف، إلا أن تصريحاته المتكررة التي توحي بأن الولايات المتحدة "خارج" الناتو تثير قلق العواصم الأوروبية وتضعف الثقة في استمرارية الوضع القائم.
في المقابل، تحاول أوروبا أن توازن بين الحفاظ على الردع في وجه روسيا وتجنّب التصعيد العسكري الذي قد يجرّ القارة إلى مواجهة أوسع. كما تسعى لإدارة العلاقة المعقدة مع إدارة ترامب التي تتبنى نهجا براغماتيا ضاغطا، يقوم على الصفقات أكثر من المبادئ، ما يضع الاتحاد في معادلة دقيقة بين الحذر والتعاون.
إعلان احتواء الأزمات: 3 جبهات مترابطةمن أبرز الملفات التي تواجه القادة الأوروبيين اليوم 3 جبهات مترابطة تشكّل جوهر التحدي الحالي:
1- الحرب في أوكرانيا
نجحت الجهود الدبلوماسية الأوروبية في إعادة تأهيل العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة ترامب، بعد التوتر الذي أعقب لقائهما في المكتب البيضاوي في فبراير/شباط 2025.
وقد تمكن قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، من تثبيت فكرة لدى واشنطن مفادها، أن أي اتفاق مستدام مع الكرملين لا يمكن أن يتم على حساب كييف أو أوروبا.
كما أسهمت أوروبا في الحفاظ على تدفق السلاح والمعلومات الاستخبارية إلى أوكرانيا، رغم قرار واشنطن بعدم تمويل شحنات الأسلحة مستقبلا وترك التكلفة على عاتق الحلفاء. ويعكس ذلك رغبة أوروبية في إثبات قدرتها على إدارة أمنها بنفسها، حتى وإن ظلّت تعتمد جزئيا على المظلة الأميركية.
2- العلاقة بالولايات المتحدة
أما على صعيد العلاقة بواشنطن، فقد تجنّب الاتحاد الأوروبي، حتى الآن، أي تصدعات كبرى في التحالف عبر الأطلسي. وبفضل قادة يتمتعون بعلاقات جيدة مع ترامب، مثل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، تمكن الحلفاء من تمرير رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، دون اعتراض أميركي علني.
لكن تنفيذ هذه الالتزامات سيظل صعبا، إذ سيتطلب موازنة حساسة بين الدفاع والإنفاق الاجتماعي، خاصة في دول جنوب أوروبا، ما يهدد بزيادة الانقسام السياسي رغم أن الخطوة منحت الناتو وقتا إضافيا لتقليل اعتماده على الولايات المتحدة.
3- الرسوم الجمركية والتجارة
توصلت بروكسل وواشنطن إلى اتفاق مؤقت بشأن الرسوم الجمركية والتجارة، قد لا يصمد طويلا، ولكنه ساهم في استقرار التجارة مؤقتا.
وقد فرضت إدارة ترامب ما سمّته "رسوم يوم التحرير"، مما أدخل الطرفان في مفاوضات صعبة انتهت باتفاق مؤقت فرض الاتحاد بموجبه تعرفة أساسية بنسبة 15%.
ورغم الانتقادات داخل أوروبا لعدم تكافؤ الشروط، يرى القادة أن الاتفاق أفضل من خوض حرب تجارية شاملة في وقتٍ تشهد فيه الحدود الشرقية توترات أمنية خطرة.
حرب استنزاف طويلةوأكد تقرير مجموعة الأزمات أن أوروبا تتهيأ لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد في أوكرانيا، مدركة أن المعركة لن تُحسم عسكريا بل بصبر إستراتيجي طويل الأمد، وإقناع موسكو بأن الدعم الأوروبي مستمر وسيُترجم إلى قواعد أمنية تحمي استقلال أوكرانيا.
لكنّ تكلفة هذا الالتزام مرتفعة، خصوصا مع فتور الدعم الأميركي. وقد بدأت تظهر في بعض الدول الأوروبية ضغوط داخلية متنامية، تخص ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الأعباء المالية، الأمر الذي يهدد بتآكل الإجماع الأوروبي في الملف الأوكراني.
من الخيارات التي تُبحث لتخفيف العبء المالي، اقترح بعض القادة استخدام الأصول الروسية المجمّدة كضمان أو لتمويل جهود إعادة الإعمار، لكن هذه الفكرة تواجه مخاطر قانونية ودبلوماسية مهمة، إذ تعتبر موسكو أي استعمال لأصولها سرقة.
العالم يتغير.. وأوروبا أمام اختبار القيادةوخلص التقرير إلى أن تحديات الاتحاد الأوروبي لا تقتصر على محيطه القريب؛ فإلى جانب الأزمة الأوكرانية، تواجه بروكسل ملفات أخرى تمس مصالحها الأمنية والاقتصادية، ومنها:
إعلان توتر العلاقات بين الصين وتايوان. تصاعد النزاع في اليمن والبحر الأحمر. تفاقم هشاشة الوضع في الصومال. التوترات السياسية في كوسوفو. الضغوط الأميركية على المكسيك لإصلاح قطاعها الأمني.ورغم أن الاتحاد ليس اللاعب الوحيد في هذه الملفات، فإن استثمار قدر من رأس المال السياسي والموارد الأوروبية يمكن أن يحد من تفاقمها.
ففي عالم تتراجع فيه ركائز السلام والأمن الدوليين التقليدية، تظل قدرة أوروبا على دعم الحلول السلمية وبناء القدرة على الصمود في المناطق المتأثرة بالنزاعات عنصرا حاسما في الحفاظ على دورها كقوة توازن واستقرار في النظام الدولي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات دراسات الاتحاد الأوروبی الولایات المتحدة الحفاظ على
إقرأ أيضاً:
اختتام «الحوار الهيكلي التاسع» بين الإمارات والاتحاد الأوروبي «افتراضياً»
أبوظبي (وام)
أخبار ذات صلةاختتمت الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي بنجاح أعمال الحوار الهيكلي التاسع بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والذي عُقد افتراضياً، حيث أكد الجانبان متانة الشراكة الاستراتيجية والتعاون المستمر في مكافحة الجرائم المالية، وتعزيز التعاون الدولي، ودعم الجهود المشتركة الرامية إلى تطوير منظومات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وترأّس الحوار من الجانب الإماراتي عمران شرف، مساعد وزير الخارجية لشؤون العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، ومن الجانب الأوروبي روزاماريا جيلي، نائبة المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جهاز العمل الخارجي الأوروبي.
وناقش كبار المسؤولين من الجانبين عدداً من مجالات التعاون الرئيسية، بما في ذلك التنسيق القضائي في الشؤون الجنائية، والتعاون بين جهات إنفاذ القانون، وتبادل المعلومات المالية، إلى جانب تعزيز الشراكة بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي بما يسهم في رفع مستوى المواءمة والتنسيق والفعالية المشتركة في التصدي للجرائم المالية الدولية.
مسارات التعاون
وشهد الحوار استعراضاً شاملاً لمسارات التعاون القائمة بين الجهات المختّصة في الدولة والاتحاد الأوروبي، حيث ركّزت المناقشات على الاتجاهات العالمية والمخاطر والتحديات المستجدة المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما بحث الجانبان فرص تعزيز التعاون المشترك بما يسهم في حماية نزاهة النظام المالي الدولي، والتصدي للأنشطة المالية غير المشروعة والحفاظ على معايير الامتثال الدولية.
وأسفر الحوار عن اتفاق الجانبين على مواصلة العمل على مجموعة واضحة من المخرجات الفنية والعملية الهادفة إلى تعزيز التعاون والتنسيق والتواصل بين الجهات المعنية. كما أكد الطرفان التزامهما المشترك بمواصلة التعاون والانخراط البنّاء خلال المرحلة المقبلة.
وخلال الحوار، أكد عمران شرف أهمية استدامة التعاون والتواصل بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي في مواجهة التهديدات المرتبطة بالجرائم المالية، وتعزيز التعاون الدولي.
وأوضح أن استمرار التعاون وتبادل الخبرات الفنية بصورة منتظمة يسهم في دعم الجهود الجماعية، وتعزيز الالتزام بالمعايير الدولية، وترسيخ نزاهة واستقرار النظام المالي العالمي.
وقال تعليقاً على الفعالية: «تعكس النسخة التاسعة من الحوار الهيكلي بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي بشأن مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب التزامنا المشترك بتعزيز التعاون في مكافحة الجرائم المالية والحفاظ على نزاهة النظام المالي العالمي». وأضاف أن بلوغ هذه النسخة من الحوار يجسد الثقة المتبادلة، والتواصل المستدام، والإرادة المشتركة لمواصلة هذه الجهود.
الجانب الأوروبي
بدوره، أكد الجانب الأوروبي أن دعم الاتحاد الأوروبي ودولة الإمارات للنظام الدولي القائم على القواعد يكتسب أهمية متزايدة في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة. وأشار إلى أن دولة الإمارات تُعَدُّ شريكاً أمنياً رئيسياً للاتحاد الأوروبي، لاسيما في مجالي مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب.
كما أوضح الجانب الأوروبي أن هذا الحوار يهدف إلى تحديد الأولويات المشتركة واستباق التحديات، وإيجاد حلول لها قبل أن تتطور إلى عقبات جسيمة.
وفي هذا الإطار، شدد على أهمية التصدي لعمليات التحايل على العقوبات، خاصة في ضوء التطورات الجيوسياسية الحالية في منطقة الشرق الأوسط.
التعاون القضائي
وأكد الطرفان أن تعزيز التعاون القضائي والتعاون بين أجهزة إنفاذ القانون يمثِّل ركيزة أساسية لتحقيق مزيد من التقدم، مشيرين إلى أن الحوار بينهما أثبت فعاليته، وأسهم في تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال.
كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن ثقته بأن التقدم الذي أحرزته دولة الإمارات في هذا الصدد سينعكس إيجاباً في التقييم المقبل لمجموعة العمل المالي والمقرر انعقاده في فبراير 2027.
حضر الفعالية من الجانب الإماراتي كل من: محمد السهلاوي، سفير دولة الإمارات لدى مملكة بلجيكا، ودوقية لوكسمبورغ الكبرى، رئيس بعثة الدولة لدى الاتحاد الأوروبي، والقاضي عبدالرحمن مراد البلوشي، الوكيل المساعد لقطاع التعاون الدولي والشؤون القانونية في وزارة العدل، واللواء عبدالعزيز عبدالله الأحمد، مدير عام الشرطة الجنائية الاتحادية في وزارة الداخلية، إلى جانب ممثلين من وزارة الخارجية، ووزارة العدل، ووزارة الداخلية، ومجلس دبي للأمن الاقتصادي، والأمانة العامة للجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة، ووحدة المعلومات المالية، والمكتب التنفيذي للرقابة وحظر الانتشار.
وفي المقابل، شاركت من جانب مؤسسات الاتحاد الأوروبي كل من: المديرية العامة للاستقرار المالي والخدمات المالية واتحاد أسواق رأس المال (DG FISMA)، والمديرية العامة للعدالة والمستهلكين (DG JUST)، والمديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية (DG HOME)، وجهاز العمل الخارجي الأوروبي (EEAS)، بما في ذلك بعثة الاتحاد الأوروبي لدى دولة الإمارات، إضافة إلى وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون (اليوروبول).