لجريدة عمان:
2026-06-03@07:47:25 GMT

كيف تتجنب بعض البلدان الدَّين؟

تاريخ النشر: 31st, October 2025 GMT

كيف تتجنب بعض البلدان الدَّين؟

الإيكونومست- ترجمة: قاسم مكي

تكديس الدَّين عبر النهج غير المسؤول في وضع الموازنة يبدو وكأنه جزء من الطبيعة البشرية.

في كتابه "كيف تفلس البلدان" والصادر في يونيو يحاجج راي داليو مؤسس صندوق التحوط "بريدْجواتر" بوجود دورة دين فائقة حول البلدان وعبر القرون. فالحكومات تستدين لعقود ثم يتوجب عليها التخلص من مشكلة ديونها غالبا عبر العجز عن السداد أو التضخم.

حتى بلدان الاقتصادات الأكثر تقدما غير محصنة من هذه الدورة.

لكن يبدو أن بلدانا قليلة ولكنها مهمة في العالم الغني اختارت عدم الدخول فيها. فبلدان تشكل ثلث إنتاج العالم الغني عند تعادل القوة الشرائية لديها صافي ديون عامة أقل من 50% من ناتجها المحلي الإجمالي رغم إنها تواجه ضغوطا (كالشيخوخة والإنفاق الدفاعي) تزيد الديون في بلدان أخرى.

تتميز أربع كتل من البلدان في انضباطها النسبي تجاه الاستدانة وهي البلدان الصغرى الناطقة بالإنجليزية (كندا وأستراليا ونيوزيلندا) والبلدان الاسكندنافية واقتصادات منطقة الراين (ألمانيا وسويسرا وهولندا) والنمور الآسيوية (كوريا الجنوبية وهوج كونج وسنغافورة وتايوان).

كيف تتدبر ذلك؟ قلبت عدة بلدان القواعد القديمة للسياسة. إذا نفضنا الغبار عن الأبحاث التي تعود إلى التسعينات سنجد أدلة تشير إلى أنه كلما كان النظام السياسي أكثر تشظيا كلما غلب عليه تكديس الديون.

المنطق وراء ذلك بسيط. فإذا كان النظام السياسي يتشكل من جماعات مصلحة تسعى بممارسة الضغط للحصول على امتيازات خاصة يتحمل تكلفتها البلد بأكمله ستنتج عن ذلك المشكلة الاقتصادية المعروفة باسم مأساة الموارد المشاعة (بمعنى استنزاف الموارد العامة أو المشتركة بين الناس بواسطة أفراد أو قلة منهم - المترجم).

تُعد أنظمة التمثيل الانتخابي النسبي والحكومات الائتلافية عُرضة للتخلي عن الحذر لإرضاء الكل. فبلجيكا بمفاوضات ائتلافاتها التي لا تنتهي ومعدل صافي دينها إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ 93% مثال واضح لهذا الظاهرة التي لا تزال فاعلة إلى اليوم.

لكن في القرن الحادي والعشرين جمعت بلدان الراين واسكندنافيا بين السياسة التوافقية والديون المنخفضة بينما غرقت في الديون بريطانيا وأمريكا اللتان يسود فيهما تمثيل الأغلبية في الحكم. والحكومات التي تقتصد في الإنفاق اليوم لا تتحدد أساسا بأنظمتها السياسية ولكن بما إذا كانت قد طبّقت إصلاحات في موازناتها في التسعينيات والعشرية الأولى.

ضبط الإنفاق

لنأخذ السويد مثلا. فبعد أن تسببت أزمة مالية في أوائل التسعينيات في عجوزات كبيرة تبنّت السويد قواعد مالية صُمِّمت لضمان تحقيق فوائض في الموازنة على مدار الدورة الاقتصادية.

كان ذلك يعني وضع سقف للإنفاق وإنهاء الاعتمادات المفتوحة في الموازنة بحيث تزيد الفوائض في سنوات اليسر عن المطلوب لتغطية العجوزات في سنوات العسر. وتحولت السويد بذلك من إحدى البلدان الأوروبية الأكثر مديونية إلى واحدة من أقلها مديونية.

وتعاملت نيوزيلندا في موازنتها لعام 1991 "أم الموازنات" مع تخفيضات تصنيفها السيادي بتقشف حاد. ووضعت قواعد موازنة صارمة تُلزم بالتخطيط المالي طويل الأجل.

من جانبها، استحدثت سويسرا "كابح استدانة" في عام 2003 بعد قبوله بواسطة 87% من الناخبين. ودحض هذا التأييد الشعبي الفكرة القائلة بأن الناخبين قصيري النظر حتما (يتعجلون المنافع).

ألمانيا المعروفة باستقامتها المالية تأخرت نسبيا في هذا الجانب. فقد صاغت تشريعا يضع سقفا على عجوزاتها المالية في عام 2009.

من المفيد للبلدان أيضا أن تكون لديها أنظمة تقاعد ممولة مسبقا بدلا من الاعتماد على وعود تفي بها حكومات في المستقبل.

أستراليا وكندا والدنمارك وآيسلندا وهولندا وسويسرا والسويد راكمت أصولا تقاعدية تزيد قيمتها عن 100% من الناتج المحلي الإجمالي (بهذا المقياس لا يبدو أن ألمانيا تولي عناية كافية لذلك. فالأصول في خططها التقاعدية تبلغ 6% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الرغم من تسارع شيخوخة سكانها.) الولايات المتحدة فقط من بين البلدان الغنية هي التي لديها أصول ضخمة وديون كبيرة.

لكن لماذا بعض البلدان وليست بلدان أخرى تضع القواعد الضرورية لاحتواء الدين؟ وفقا لإحدى النظريات، الدول التي تقتصد في إنفاقها منضبطة لأنها يجب أن تكون كذلك. فالعديد منها بلدان صغيرة وتعتمد على التجارة ولا يقدم لها المستثمرون أي قدر من التساهل الذي يمنحونه لبلدان الاقتصادات الكبيرة (على سبيل المثال بشراء سنداتها دون مطالبتها بعوائد أعلى عندما تكون ديونها كبيرة- المترجم).

ففي كوريا الجنوبية مثلا يتذكر الناس الأزمة المالية الآسيوية التي اندلعت في أواخر التسعينيات كلما شاع القلق والخوف في سوق سنداتها أو عملتها.

وللمقارنة، حاجج العديد من الاقتصاديين بمن فيهم ستيفن ميران وهو مستشار اقتصادي للبيت الأبيض تحول إالى واضع سياسات نقدية بأن أمريكا محكوم عليها بأن تظل بلدا مدينا لأن المستثمرين الدوليين يقدمون لها الحبل الذي تشنق به نفسها في شكل القدرة على الحصول على رأسمال لا حدّ له تقريبا.

في غياب القوانين التي تضع حدودا للدين من المؤكد أن بلدان نظام الأغلبية أصبحت عرضة للمشاكل المالية الآن، مثلها في ذلك مثل أي بلد آخر. بل ربما أكثر. الاستقطاب السياسي هو الذي ظل يودي بها. فالدين العام حسب إحدى نظرياته هو الوسيلة التي يمكن بها للحكومات وضع العراقيل أمام خصومها. فهنالك "حرب استنزاف" يختار فيها كل طرف تأجيل شد الحزام بدل القبول بالتقشف.

ثغرات في القواعد المالية

توجد أدلة على هذه الديناميات اليوم. ففي أمريكا يعرف الجمهوريون والديموقراطيون أن كل إجراء يتخذونه بخفض الضرائب أو زيادة الإنفاق يغير خط الأساس الذي تبدأ منه المفاوضات للتوصل إلى تسوية نهائية حول السياسة المالية. في بريطانيا خفَّض حزب المحافظين الضرائب دون توافر القدرة المالية اللازمة لذلك قبل مغادرته السلطة. ورفعتها حكومة العمال الحالية على الفور مرة أخرى. وهذا ما أثار عليها قدرا كبيرا من السخط.

أيضا سيجد الساسة المصممون على الإنفاق ثغراتٍ في القواعد المالية. لدى كل من بريطانيا وأمريكا قواعد مالية وهيئات تكنوقراطية مستقلة تتولى إعداد توقعات الموازنة. لكن إذا توافرت إرادة سياسية قوية في النظام الذي يقوم على حكومة ومعارضة يمكن بسهولة تجاهل هذه الإجراءات أو التلاعب بها.

في أوروبا التنفيذ التقديري لميثاق النمو والاستقرار جعلَه بلا أسنان إذ لم يُغرَّم أي بلد على الإطلاق لانتهاكه. وهو الاتفاقية التي قُصد بها تقييد الدين والعجوزات في الدول الأعضاء بمنطقة اليورو.

حتى في نيوزيلندا لا زالت موازنة عام 1991 مثيرة للانقسام سياسيا اليوم (الموازنة المعروفة باسم روثانيزيا وهي كلمة مشكلة من اسم وزيرة المالية وقتها روث ريتشاردسون ومفردة يوثانيزيا والتي تعني الموت الرحيم).

مكابح سيئة

تقدِّم القيود الدستورية المتشددة حماية أقوى كثيرا ضد الإسراف. لكنها أيضا تقلل المرونة. لقد أعاق مكبح دين ألمانيا قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية والاستثمار في الدفاع (يتمثل هذا المكبح في قاعدة دستورية تعود إلى عام 2009 وتنص على حد معين لعجز الموازنة منعا لتراكم الدين الحكومي – المترجم).

تم التخفيف من هذا التشدد في هذا العام رغم الخشية من أن تتجه ألمانيا إلى إنفاق ما يمكن أن يتوافر لها من أموال نتيجة لهذه المرونة على مخصصات التقاعد (أي على الاستهلاك بدلا من الاستثمار).

إذا كانت القواعد المالية متشددة بحيث تمنع البلد من الاستفادة من الميزات الإيجابية للدين فيمكن أن تؤذي بقدر ما تفيد. تتمثل هذه الميزات في القدرة على توزيع تكلفة مواجهة الأزمات أو تمويل البنية التحتية على مدى زمني أطول أو تنشيط الاقتصاد في أحوال الانكماش الحاد. وهكذا ربما يتطلب الأمر توافقا سياسيا مستديما حول كيفية وضع الموازنة للاستفادة من الجوانب الإيجابية للدين وتجنب الدورة المرعبة التي كتب عنها راي داليو.

لكن هذه ليست حقبة التسعينيات. فكما يزيد استمرار تأجيل ضبط الأوضاع المالية من حجم الإصلاح المطلوب في نهاية المطاف كذلك يتسع نطاق الصفقة السياسية اللازمة لتجنب تمدد الأزمة عبر الزمن.

هذا يجعل التغلب على إرث الديون بالحكمة والانضباط في وضع الموازنة احتمالا مشكوكا فيه. فمن المرجح أن تلجأ بلدان الحكومات الغنية بدلا عن ذلك وباطّراد إلى وسائل أكثر بؤسا وتخلفا للتعامل مع مديونياتها (من خلال استخدام حيل مالية بدلا من الاصطلاحات الحقيقية).

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المحلی الإجمالی

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • نشاط مكثف للجان النوعية بالنواب لمناقشة مشروع الموازنة الجديدة للوزرات والمؤسسات الحكومية
  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية
  • رئيس صناعة النواب: ندعم موازنة الدولة وقطاع الصناعة باعتباره قاطرة التنمية ولكن ليس على حساب زيادة الموازنة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟