لماذا فشلت منظومات أوروبا الباهظة أمام طائرات الدرون؟
تاريخ النشر: 7th, November 2025 GMT
تحت وقع طائرات مسيّرة مجهولة اخترقت أجواء أوروبية، وجدت القارة العجوز نفسها أمام اختبار قاسٍ لأمنها الداخلي، إذ كشفت الدرونات الرخيصة أن التكنولوجيا الباهظة لا تضمن الأمان، وأن الحروب المقبلة قد تُحسم بطائرات لا يتجاوز ثمنها بضع مئات من الدولارات.
ما حدث في بلجيكا لم يكن حادثا عابرا، بل كان إنذارا يختصر تحوّل موازين القوة في الفضاء الأوروبي، فتعطّل الرحلات الجوية وإغلاق المجال الجوي لعدة ساعات أثبت أن التهديد لا يحتاج إلى جيش أو ترسانة، بل إلى مشغّل واحد وخبرة تقنية محدودة.
وتحت ضغط القلق الشعبي والسياسي، بدت أجهزة الأمن الأوروبية في موقف دفاعي مرتبك، تحاول تفسير ما جرى أكثر مما تسعى إلى منعه.
وفي هذا السياق، يرى دانيال بومر، كبير محرري صحيفة "دي فيلت" الألمانية والمحلل المختص بالشؤون الأوروبية، أن الحادثة تُبرز "اللامساواة التقنية" بين الكلفة والتأثير، إذ يمكن لطائرة تجارية معدّلة أن تتجاوز أكثر الأنظمة إحكاما وتحدث فوضى تشغيلية ضخمة، وهو ما يجعل أي استثمار دفاعي تقليدي غير متناسب مع طبيعة الخطر الجديد.
فالدفاعات الجوية المصممة لاعتراض الصواريخ والمقاتلات، حسبما يرى المحلل الأمني في حديثه لبرنامج "ما وراء الخبر"، لا تُجدي أمام سرب صغير من الدرونات تحلّق على ارتفاع منخفض يصعب رصده بالرادار.
ويضيف بومر أن أوروبا تواجه معضلة مركّبة؛ فكل إجراء وقائي ضد المسيرات يتطلب تفعيل أنظمة مراقبة ورادارات وحظر طيران مكلف، وهذا يعني استنزافا متكررا للموارد من أجل التصدي لتهديد زهيد الكلفة.
تلك المفارقة -كما يقول- تعيد تعريف مفهوم الردع، وتجعل الدول الغربية مطالبة بابتكار هندسة أمنية جديدة تراعي الاقتصاد بقدر ما تراعي التفوق التقني.
هشاشة أوروبيةمن جهته، رأى المحلل الروسي سيرغي ستروكان أن الأزمة تكشف هشاشة البنية الدفاعية الأوروبية أكثر مما تعكس قدرة جهات خارجية على اختراقها، معتبرا أن الانزلاق السريع نحو اتهام روسيا هو جزء من "ردّ فعل نفسي جماعي" في الغرب منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.
إعلانفالمشكلة -في رأيه- داخلية الطابع، وتتصل بفرط الاعتماد على التكنولوجيا المعقدة مقابل ضعف في التنسيق الاستخباري والقدرة البشرية على الاستجابة السريعة.
أما الدكتور زياد ماجد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في باريس فقد لفت إلى أن المشهد الأوروبي يعيدنا إلى "منطق الاستنزاف غير المتكافئ"، إذ تجد الدول الغنية نفسها مضطرة لإنفاق أموال طائلة لمواجهة تهديدات بدائية، في معركة لا يمكن كسبها بالكامل.
ويشير إلى أن هذه الحالة تذكّر بحروب العصابات أو الإرهاب الفردي، حيث يكفي فعل بسيط لإحداث ارتباك سياسي وإعلامي واسع، فالمسيرات لا تُهاجم فقط منشآت حساسة، بل تضرب الثقة الجماعية بالمؤسسات الأمنية الغربية.
وفي خلفية هذه التطورات تلوح تداعيات جيوسياسية متشابكة، فبينما تلمّح بعض التقارير الأوروبية إلى احتمال تورط أطراف خارجية تريد اختبار دفاعات القارة، يرى محللون أن ساحة الصراع الحقيقي هي "الفضاء السيبراني-الجوي" الذي أصبح مجال تنافس إستراتيجي بين الشرق والغرب.
فالتكنولوجيا الصينية والإيرانية والروسية في مجال الدرونز تطورت بسرعة مذهلة، وهذا يثير قلق العواصم الأوروبية التي اعتادت احتكار التفوق التقني.
سمعة متراجعةوتشير تقارير غربية إلى أن الصناعات الدفاعية الأوروبية باتت مهددة بتراجع سمعتها بعد إخفاق منظوماتها في صدّ الهجمات الجوية التي شُنّت على البنية التحتية الأوكرانية، رغم كثافة الاستثمارات في أنظمة باتريوت وسامب وتايروس.
وتكمن المعضلة -وفق مراقبين- في أن الحلول الدفاعية المقترحة أكثر كلفة من الخطر نفسه، فكل صاروخ اعتراضي يكلّف ملايين الدولارات، بينما لا يتجاوز ثمن الدرون الواحد بضع مئات.
ومع اتساع استخدام المسيرات في الحرب الروسية الأوكرانية، تحوّل النقاش الأوروبي من جدوى الإنفاق العسكري إلى سؤال أعمق: كيف يمكن لدول تمتلك تكنولوجيا فضائية متقدمة أن تعجز عن حماية أجوائها من طائرات بلا طيار؟ وهو سؤال يعكس أزمة ثقة في مفهوم "الأمن الذكي" الذي بشّرت به أوروبا منذ عقدين.
ويرى زياد ماجد أن المشكلة أعمق من التقنية، فهي تعبّر عن تحوّل في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد القوة النارية المفرطة ضمانا للأمان، بل أصبحت عبئا اقتصاديا وسياسيا كلما واجهت تهديدا غير متماثل.
ومن ثمّ، فإن الحل لا يكمن في زيادة الدفاعات، بل في إعادة التفكير في منظومة الأمن الأوروبي برمتها، بما يشمل القوانين، والاستخبارات، وإدارة المجال الجوي المدني.
وفي المحصلة، يبدو أن القارة الأوروبية تدخل مرحلة "عصر الدرون"، حيث يتقاطع الأمن مع الاقتصاد، ويتحول الخطر من الخارج إلى الداخل، فالمسيرات الرخيصة -رغم بساطتها- أعادت تعريف موازين القوة، وأثبتت أن من يمتلك وسيلة تهديد ذكية وغير مكلفة يمكنه فرض معادلات جديدة على أقوى الأنظمة الدفاعية في العالم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
بعيو: ليبيا أمام نموذجين وعلى المواطنين اختيار مسار الأمن ووحدة الدولة
أكد رئيس المؤسسة الليبية للإعلام، محمد عمر بعيو، أن ليبيا تقف اليوم أمام خيارين مختلفين ونموذجين متناقضين في إدارة الدولة وبناء المستقبل، معتبراً أن المشهد الراهن يضع الليبيين أمام فرصة واضحة لتقييم الواقع واختيار المسار الذي يحقق الاستقرار والتنمية.
وقال بعيو، عبر حسابه على موقع فيسبوك، إن النموذج الأول يتمثل في ما وصفه بـ”النموذج الوطني الحازم” الذي يدافع عن الدولة الليبية ويحافظ على وحدة مؤسساتها، ويعزز الاستقرار والأمن والتنمية والخدمات والسلم الأهلي، مشيراً إلى أن هذا النموذج يتجسد في المناطق الخاضعة لقيادة القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر.
وأضاف أن هذا النموذج يقوم على وحدة القيادة والإدارة واحتكار السلاح بيد المؤسسات النظامية، بما ينعكس على الأمن المجتمعي والاقتصادي وحماية الممتلكات العامة والخاصة، بعيداً عن مظاهر الفوضى والانفلات الأمني.
كما وصف بعيو النموذج الآخر بأنه يعكس حالة من التشتت وغياب الاستقرار، مشيراً إلى أن تعدد مراكز القرار والصراعات المستمرة يؤدي إلى تفاقم الأزمات الأمنية والتنموية، ويجعل الخلافات تُحسم بالقوة بدلاً من الحوار، الأمر الذي يدفع المواطن ثمنه من أمنه واستقراره.
وشدد على أن الخيار يبقى بيد الليبيين، داعياً إلى التأمل في الواقع القائم واستخلاص الدروس من التجارب المختلفة، لاختيار المسار الذي يضمن الأمن والاستقرار ووحدة الدولة.