مـا بعـد الإبـادة: أيُّ طريـقٍ أمام عمل الفلسطينيات؟
تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT
رغم أن الحرب على قطاع غزة لم تتوقف بعد، وأن ملامح المرحلة الجديدة بعد خطة ترامب لا تزال غامضة، فيما لا تتوقف آثارها طويلة الأمد عن النزيف، تجد النساءُ الفلسطينياتُ أنفسهن في قلبِ مرحلة انتقالية لا تقلُّ قسوةً عن زمن الحرب نفسه. يتلمسن طبيعة هذه المرحلة، ويثرن الحوارات المفتوحة حول سؤال مركزي: ما العمل؟ كيف يُعاد بناء الإنسان والحياة والمجتمع؟ وما الدور المطلوب أن تضطلع به النساء في مسارات التعافي والعدالة؟
الجواب لا يمكن أن يكون إغاثيًا فحسب.
الجواب أيضًا في عدم اختزال النساء في دور «المستفيدات» من الخدمات، بل تحويلهن إلى شريكات كاملات في رسم السياسات وصنع القرار؛ أي ربط الأموال الدولية والموازنات المرتبطة بالإغاثة والإعمار بمعايير واضحة للعدالة الجندرية والشفافية والمساءلة. فالتعافي لا يُقاس بالإسمنت وحده، بل بأدوات قياس ومؤشرات رقمية ونوعية، تأخذ في الاعتبار أن ما دمّرته هذه الحرب الهمجية – بشهادات نساء غزة – يتجاوز الجدران إلى الإنسان نفسه. النساء اللواتي فقدن أبناءهن، وبيوتهن، ومصادر عيشهن، يحتجن إلى خطة إنسانية تعيد إليهن الكرامة والحماية والقدرة على الفعل: مراكز وعيادات صحية، وخاصة العيادات الإنجابية والنفسية والاستشارية، تُنشأ بدايةً بشكل متنقل؛ برامج تمكين اقتصادي حقيقية؛ وخدمات تراعي الخصوصية والأمان في الملاجئ والمناطق المدمرة.
أسفرت الإبادة عن وجود ما يقارب (22,000) أرملة تحوّلن إلى رئيسات للأسر وصاحبات واجب الإعالة.
هذا التحوّل يفرض تصميم برامج متخصصة للتعافي الاقتصادي، من خلال تقديم مشاريع صغيرة ومتوسطة للنساء، وتوفير فرص عمل متساوية، وتشجيع إنشاء التعاونيات النسوية. كما يفرض إيلاء مسألة الملكية الخاصة للنساء اهتماماً خاصاً، إذ تضيع خلال الحروب بفعل مبادرة الرجال غالباً لتسجيل الممتلكات بأسمائهم؛ وهو ما وثقته مؤسسات نسوية في غزة خلال حرب 2014، كأحد أهم الاستخلاصات التي تشير إلى واجب حماية ملكية النساء، وتعزيز الوعي، والمبادرة إلى التسجيل والتوثيق.
أما القوانين التي تمسّ حياة النساء، بدءًا من قانون انتخاب المجلس الوطني وقانون الانتخابات المحلية، فإنها تفتح مسارات جديدة لمشاركة المرأة في البنى القيادية، خاصة بعد صدور مرسوم انتخاب المجلس الوطني الذي يتبنى كوتا نسائية بواقع 30% من المقاعد من أصل 350 مقعدًا، بما يتيح الفرصة لمشاركة 105 عضوات، بينهن 60 عضوةً من الضفة الغربية وقطاع غزة.
وعلى صعيد الحكم المحلي، ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات المحلية الدورية، يُفتح الطريق أمام مشاركة القيادات النسوية في خمسة وعشرين مجلساً بلدياً في قطاع غزة، بعد توقف الانتخابات منذ عام 2005، في وقت تبدو فيه غزة بأمسّ الحاجة إلى بلديات منتخبة منخرطة في إعادة البناء.
غير أن أهمية فتح باب الانتخابات لا تعني التغاضي عن النقاش الدائر حول التوجّه الحكومي لتبنّي نظام القائمة النسبية المفتوحة، المرفوض من قبل مؤسسات المجتمع المدني ومنتدى النوع الاجتماعي في الحكم المحلي منذ طرحه لأول مرة عام 2016، ثم تجديد رفضه لدى طرحه في عهد الحكومة الثامنة عشرة، قبل أن يبدو اليوم في حكم المُقَرّ في عهد الحكومة التاسعة عشرة، خلافًا للملاحظات النقدية المقدَّمة عليه.
في المقابل، فإن منظومة القوانين الأخرى – من قانون الأحوال الشخصية إلى قانون العمل والضمان الاجتماعي – تحتاج إلى مراجعة عاجلة تمهّد لإصلاحها على قاعدة القانون الأساسي ووثيقة الاستقلال، وبما يضمن عدم السماح بأي شكل من أشكال التمييز، والالتزام الواضح بمبدأ الحقوق المتساوية. فالإصلاح القانوني اليوم ليس رفاهية أو تفصيلًا شكلياً، بل ضرورة لإعادة بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني على أسس العدالة والمساواة.
إلى جانب البُعد الإنساني، ثمة ضرورة ملحّة لاستعادة فلسطين لمسارها الحقوقي، عبر تفعيل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بعيدًا عن أجواء التوتر والجدل، بل كإجراء وطني مؤسساتي هادئ يعيد انتظام التقارير الرسمية وتقارير الظل والتقارير الموازية، بما يعيد الاعتراف بالنساء الفلسطينيات كصاحبات حق وعدالة. وبالتوازي، لا بد من تطوير قراءة جديدة للقرار الأممي 1325 وركائزه الأربع، بما يستوعب مستوى حرب الإبادة والمستجدات على الأرض وأدوار النساء المتجددة، واستمرار تقديم التقارير الطوعية ذات الصلة.
وأخيراً، إن مستقبل العمل النسوي الفلسطيني لن يُبنى على خطاب الضحايا وحده، بل على خطاب القيادة والمسؤولية. النساء اللواتي صمدن في الميدان قادرات على قيادة مرحلة التعافي القادمة بعقل سياسي وحقوقي متماسك، يوازن بين الإنسان والعدالة، وبين الوطن والكرامة. المرأة الفلسطينية ليست هامشاً في عملية التعافي… بل بوصلته. ومن دون قيادتهن، لن تكون هناك عدالة، ولا مستقبل يستحق هذا القدر من التضحيات.
الأيام الفلسطينية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غزة نساء غزة الإبادة غزة الاحتلال الإبادة نساء غزة مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
طريق الخروج (2)
خرجنا من المقال الأول ضمن هذه السلسلة بحزمتين من الأسئلة المهمة؛ أولها تعريف وتحديد الموقف الراهن بدقة: هل هو وضع مؤقت يمكن معالجته؟ أم هو وضع مستمر أو قابل للاستمرارية من الصعب أو من المستحيل علاجه؟
واليوم نحاول الإجابة بكثير من الدقة والتفاصيل التي تقربنا من الحقيقة دون تهويل أو تهوين:
الوضع الراهن ليس وضعا مؤقتا طارئا يمكن تجاوزه بطريقة أو بأخرى، إذ إنه وبمرور الوقت تتراكم السلبيات وليس في الأفق أي ضوء ممكن أو بارقة أمل في تغيير هذا الوضع الراهن، بل إن كافة المؤشرات تبين أن الوضع في تدهور وأن حالة الانسداد الاقتصادي (متلازمة القروض وفوائد الديون- بلغت تريليوني جنيه في 10 أشهر فقط) ترافقها كالظل حالة انسداد سياسي (زيادة أعداد المعتقلين وليس كما يظن البعض أن العدد يتناقص)، وحالة انسداد اجتماعي ومجتمعي وثقافي، فأصبح الوضع كما لو كان ظلمات بعضها فوق بعض.
فالوضع السياسي يمكن تلخيصه في الحكم الاستبدادي الذي لا يراه الحاكم هكذا، ويلوم ويعاقب كل من يراه هكذا، بينما العالم كله يدرك هذه الحقيقة. وهذا التصور الاستبدادي ينعكس على الوضع الاقتصادي، فجل القرارات الاقتصادية أو كلها يتخذها شخص واحد لا يرى فائدة من دراسات الجدوى وبالتالي "لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد". وهذا يختصر لك حقيقة المشهد، إذ أننا لسنا أمام ممارسة سياسية تعتريها بعض الأخطاء، بل أمام اعتقاد سياسي بأن ما يقوم به الجنرال مؤيد من الله ومحصن ضد الخطأ والنسيان؛ ولِمَ لا والرجل يرى أنه يتحدث مع الله وأن الله يكلمه ومصر تناديه وتخاطبه وهو يقظ منتبه وليس في المنام، ويرى أن الله اختصه بالبركة فجرت مياه النيل وخرجت الحيتان من البحار والمحيطات لتطعم الشعب بفضل الحاكم (رغم ارتفاع أسعار الأسماك في بلد يبلغ طول شواطئها على البحرين الأبيض والمتوسط 3200 كم، ناهيك عن النيل 1530 كم والبحيرات).
الوضع الراهن ليس وضعا مؤقتا طارئا يمكن تجاوزه بطريقة أو بأخرى، إذ إنه وبمرور الوقت تتراكم السلبيات وليس في الأفق أي ضوء ممكن أو بارقة أمل في تغيير هذا الوضع الراهن
قد يقول قائل: لقد مر على مصر حكام مستبدون وتغيرت الأوضاع بعد زوالهم، وهذا صحيح مع فارق جوهري وهو أن الجنرال الحاكم اليوم يعبث بالهوية المصرية، ويرى أن حصول الشعب على تعليم جيد أمر يحمل مخاطر كبيرة على السلطة والدولة، لأنه يرى السلطة هي الأصل ويرى أن الشعب نفسه هو الحالة الطارئة التي يجب تغييرها كما صرح غير مرة بإعجابه بنموذج الصين، خصوصا فكرة الحزب الشيوعي الذي قدم له التهنئة في عام 2021 بالقول: "أتوجه لكم ومن خلالكم إلى الشعب الصينى الصديق بكل التهانى بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، ذلك الصرح السياسي العظيم الذي قاد الصين بنجاح، فأمّن له الاستقلال التام وأقام هيكلا للدولة الصينية الحديثة عام 1949". كما مدح تجربة الصين في التخلص من مائتي مليون من المواطنين من أجل إنشاء جيل جديد على المقاس، وهنا تكمن الخطورة، فبينما نتحدث عادة عن أن الحاكم بالضرورة هو "الطارئ أو المؤقت" بينما الشعب هو "القائم- الدائم" إذا بجنرال مصر يرى الشعب حالة طارئة والحاكم هو الحالة المستمرة؛ إن لم يكن جسدا ففكرة وعقيدة.
هذه الحالة المستعصية والمسيطرة على رأس الجنرال وطريقة تفكيره تدفعني وغيري إلى القول بأنه لو بقي هذا الرجل وتمكن من تكوين فريق من المحيطين به فسوف يتحول الوضع المؤقت إلى وضع دائم، يتم فيه التحكم بالشعب عن بعد كما يحاول اليوم من خلال مقر القيادة (يسمونه الكيان) في العاصمة الإدارية، وفكرة هذا المقر هي فكرة الخلود الأبدي على طريقة الحكام الفراعنة قديما، فالكيان الجديد أو مقر القيادة هو الأنبوب الذي يجب أن يمر من خلاله كل قيادات الجولة في الوقت الراهن ومستقبلا من خلال اختبارهم قبل اختيارهم. فعلى سبيل المثال، لا بد أن يخضع السلك القضائي برمته وأن يمر من هذا الأنبوب ويخضع لاختبارات وضعها الجنرال (الثقة والتبعية الكاملة والمطلقة)، ومن يرغب عن ذلك فقد خسر نفسه ووظيفته ولن يصعد ولن يرتقي في السلم القيادي ويكون عمره (التقني أو السياسي) قصير جدا، هذا إضافة الى المعلمين ورجال الأزهر الذين يتوجب عليهم تعلم الدين -وهم من هم- من ضباط الجيش على قلة علمهم وقلة دينهم وقلة فقههم، فالجيش ليس مؤسسة دينية ولا جامعة علمية، ولكن الغرض من كل ذلك هو إخضاع الأزهر الشريف لقيادة المركزية الجديدة (تشبه القيادة المركزية للحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي أو الصين مثلا).
إذا كان الجنرال يرى أن الجيش أو أنه هو شخصيا يجب أن يكون هو وليس الأزهر مرجعا للدين والفقه والعلم الشرعي، وأن الجيش سيقوم بالتدريس لعلماء الأزهر وشيوخه ويمنحهم درجة أعلى من الدكتوراة، فهل هذا أم مؤقت أم أنه تأسيس لعالم جديد يسعى الجنرال لتشكيله ولو احتاج إلى وقت أطول؟ فالمهمة ليست قاصرة عليه من وجهة نظره، بل ربما يكون قد أعد العدة لأبنائه أو حوارييه الذين اصطفاهم لتلك المهمة التي يراها مقدسة.
وقد تقول إن تفكيرا مجنونا مثل هذا هو بالتأكيد تفكير مؤقت وبالتالي لا خوف على مصر ولا شك في قدرتها على تجاوزه، وهذا أيضا صحيح نسبيا، إذ إن الزمن ليس في صالح الشعب أبدا خصوصا وأن ما أسميها بالقضية المصرية لم تعد على قمة الأجندة الإقليمية أو الدولية، وأن التعب والنصب والإجهاد قد نال من الشعب المصري الذي يعاني في كل شيء ومن كل شيء. وهنا لا أتحدث عن السياسة، بل عن المعيشة والحياة اليومية الكارثية للمواطن الذي يبلغ دخله الشهري حوالي 122 دولارا بينما تبلغ قيمة إيجار الشقة الصغيرة ضعف أو ضعفي هذا الرقم!
هذا الشعب يتم إفقاره وتهميشه والقضاء عليه وفق خطة محكمة لقتله أو التخلص منه أو إخضاعه حتى يبلغ اليأس منه مبلغا ويدرك أنه لا قِبَل له بهذه السلطة ولا حيلة ولا سبيلا، وخصوصا والإعلام الرسمي يزيّن له الأمور ويمنّ عليه أنه يعيش في بلد بلا خيام، وهذه نعمة كبرى يحلم بها غيره من الشعوب، وعلى الرغم من أن شعوب بعض الدول التي تحارب تعيش أفضل من الشعب المصري وتعاني أقل منه، إلا أن الإعلام والجنرال لهما رأي آخر للأسف استطاعا ترويجه وإقناع الشعب المصري به.
الخطوات التي يتخذها الجنرال السيسي ليست خطوات لبناء دولة حديثة ونقطة ومن أول السطر، بل بناء مملكته الخاصة التي تناسب نظرته للشعب الذي تجرأ وخرج عن الطوق وثار على الجنرالات في 25 كانون الثاني/ يناير
الخطورة في الوضع الراهن أنه يقوم بحفر أساسات عميقة لفكرة مجنونة تتمثل في حكم الطائفة وهي الجيش في الحالة المصرية، وهي تشبه حكم العلويين في سوريا والبعثيين في العراق وحكم الأسر المالكة في الخليج العربي، إذ يرى الجنرال أن الجيش أو قادته من الجنرالات الموالين للحاكم هم أولى الناس بالحكم والملك معا، وهو -أي الجنرال- يتصرف بهذه الطريقة الملكية الحاكمة (يحكم ويملك)، وقد أوضحنا غير مرة أن رده على ما سُرب من بناء وتشييد القصور الكبيرة ورده الصادم على الأمر باعترافه وببجاحة منقطعة النظير: "أيوه أنا هعمل وهابني، أمال إيه انتو فاكرين إنكم هتخوفوني لما تقولوا لي كده، لا دا أنا هبني وأعمل قصور مش عشاني، ده عشان مصر". فالجنرال لا يرى أي رادع أو مانع لما يقوم به، ولمّا سئل عن الشعب قال إنه أمر ببناء مجمعات سجون حتى يتمتع المعتقلون خلف أسوارها، وطالب بهدم السجون القديمة لأنها لا تليق بأن يسكن الحاكم في قصور مشيدة بينما الشعب يُعتقل في سجون قديمة. هذه هي المقاربة التي يراها الجنرال حين ينظر للشعب المصري.
الخطوات التي يتخذها الجنرال السيسي ليست خطوات لبناء دولة حديثة ونقطة ومن أول السطر، بل بناء مملكته الخاصة التي تناسب نظرته للشعب الذي تجرأ وخرج عن الطوق وثار على الجنرالات في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وبالتالي فالحل من وجهة نظره ليس تغيير السياسات لضمان عدم تمرد الشعب مرة أخرى، بل تأديب الشعب حتى يخضع على طول المدى، وكما قال اللواء العصار أحد أركان انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 للدكتور عمرو دراج بعد الانقلاب مباشرة: "أنتم يا دكتور اللي عملتم انقلاب علينا وإحنا بنعيد الدولة لأصحابها".
نواصل البحث عن طريق الخروج في مقال قادم إن شاء الله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.