خريطة التحالفات تتبلور.. و تشكيل الحكومة يدخل مرحلة الاتصالات الحاسمة
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
16 نونبر، 2025
بغداد/المسلة: بدأت القوى السياسية العراقية، مشاورات فعلية لتشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفق ما أكدته تصريحات قياديين في الكتل الفائزة ومصادر داخل الإطار التنسيقي. وتتركز المباحثات على رسم الخطوط الأولى للتحالفات المحتملة وتحديد آليات اختيار رئيس الحكومة وتوزيع الحقائب الأساسية.
وانطلقت ملامح الحراك بعد تصريح القيادي في الكتلة الفائزة علي صابر الكنائي الذي قال إن “حوارات تشكيل الحكومة المقبلة بدأت فعلياً قبل أيام عدة بين رؤساء الأحزاب”، مشيراً إلى أن الاتصالات تجري عبر اجتماعات معلنة وأخرى غير معلنة بهدف تسريع بناء تفاهمات أولية قبل الدخول في مرحلة تسمية المرشحين.
وجاء ذلك فيما كشف مصدر في الإطار التنسيقي، الأحد، أن قوى الإطار اتفقت على تسمية ممثل عنها للقاء زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر وإطلاعه على “مجريات الأمور في تشكيل الحكومة القادمة”.
وأضاف المصدر أن الاجتماعات “مستمرة وتناقش شكل ومضمون الحكومة القادمة ومعالجة كل ما من شأنه عرقلة ذلك”، موضحاً أن اتفاق تسمية ممثل للإطار يهدف إلى “معرفة موقف الصدر ومطالبه” قبل الانتقال إلى خطوات تفاوضية أوسع. ولم تُعلن الجهات السياسية حتى الآن اسم الممثل ولا موعد اللقاء المرتقب.
و يشكل اللقاء مع الصدر “اختباراً مهماً لحدود التفاهم بين القوى الشيعية”، خصوصاً أن نتائج الانتخابات أفرزت توازنات جديدة تتطلب ترتيبات دقيقة لضمان عدم ظهور أزمة انسداد سياسي شبيهة بما شهدته البلاد بعد انتخابات سابقة.
ووفق مصادر متعددة فأن عدداً من القنوات غير الرسمية فُتحت خلال الأيام الماضية لتخفيف التوتر واستطلاع مواقف جميع الأطراف من شكل الحكومة المقبلة.
ويقول محللون سياسيون إن مسار المفاوضات ما يزال في بداياته، لكن عودة الاتصالات بين الإطار والصدر تشير إلى رغبة مشتركة في تجنب صدام سياسي قد يؤثر في الشارع العراقي.
ويرى مراقبون أن الحكومة المقبلة، أياً كان شكلها، ستحتاج إلى مظلة توافق واسعة لضمان استقرار سياسي يسمح بمعالجة ملفات اقتصادية وأمنية متراكمة. لكن الغموض ما زال يحيط بموقف الصدر، الذي يُتوقَّع أن يقدم مجموعة شروط تتعلق بإدارة الدولة وتوازن القوى داخل المؤسسات.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
إقرأ أيضاً:
القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
د. علي موسى الكناني
في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الأمن السيبراني عاملا ثانويا، أو مكمّلا؛ بل تحوّل إلى أحد المحرّكات الخفيّة التي أثّرت بشكل مباشر على مسار الأحداث؛ سواء في الميدان أو داخل بنية الدولة. ما جرى في هذا المجال لم يكن حدثا واحدا واضحا؛ بل سلسلة من العمليات المتداخلة التي تراكم تأثيرها مع الوقت.
أول ما يمكن ملاحظته هو أن الهجمات السيبرانية أدّت إلى إرباك مستمر في إدارة البنى التحتية الحيوية. لم يكن الهدف دائما التدمير الكامل؛ بل خلق حالة من الضغط المتواصل عبر اختراقات محدودة، أو محاولات تعطيل جزئية؛ شبكات الكهرباء، أنظمة الاتصالات، وبعض المرافق المرتبطة بالطاقة، تعرّضت لمحاولات اختراق أو تشويش، ما فرض على المؤسسات المعنية العمل في حالة استنفار دائم. هذا الاستنزاف الفني والتقني انعكس على كفاءة الأداء العام، وأجبر الدول على تخصيص موارد إضافية للحماية بدلا من توجيهها بالكامل إلى الجهد العسكري التقليدي.
كما لعبت الهجمات السيبرانية دورًا واضحًا في تعزيز القدرة الاستخبارية للأطراف المتصارعة. عمليات الاختراق لم تكن تهدف فقط إلى التعطيل؛ بل إلى جمع معلومات دقيقة حول التحركات، والاتصالات، والبنية التنظيمية. هذا النوع من المعلومات وفر أفضلية نسبية في اتخاذ القرار، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. في بعض الحالات، أدى تسريب أو الوصول إلى بيانات حساسة إلى تغيير تكتيكات ميدانية أو إعادة ترتيب أولويات.
وكان هناك تأثير ملحوظ في القطاع الاقتصادي والمالي؛ فالهجمات التي استهدفت أنظمة مصرفية أو خدمات إلكترونية لم تؤدّ بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنها خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. المستخدمون واجهوا صعوبات مؤقتة في الوصول إلى خدماتهم، والشركات اضطرّت إلى تعليق بعض العمليات أو تعزيز إجراءاتها الأمنية بشكل مكلف. هذه الأجواء أثّرت على ثقة السوق، خاصة في ظل تزامنها مع توترات عسكرية، ما جعل الاقتصاد جزءا من دائرة الضغط.
ومن أبرز ما حدث أيضًا هو تصاعد الحرب الإعلامية الرقمية. الفضاء السيبراني تحوّل إلى ساحة لنشر الروايات المتضاربة، سواء عبر منصّات التواصل أو من خلال اختراق حسابات أو مواقع. هذا الأمر أدّى إلى تشويش في تدفّق المعلومات، وصعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مضلل. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام هدفا مباشرا، حيث تسعى كل جهة إلى التأثير عليه أو توجيهه بما يخدم مصالحها.
إضافة إلى ذلك، شهدت الحرب استهدافًا للأنظمة اللوجستية وسلاسل الإمداد. بعض العمليات ركّزت على تعطيل منصات إدارة النقل أو الشحن، أو إرباك الأنظمة المرتبطة بتوزيع الموارد. ورغم أن هذه الهجمات غالبا ما تكون محدودة زمنيا، إلّا أن تأثيرها التراكمي يؤدي إلى بطء في الحركة الاقتصادية وخلل في توفر بعض الخدمات أو المواد.
ومن الجوانب المهمة أيضا التأثير النفسي والاجتماعي؛ فمجرد الإعلان عن هجوم سيبراني أو حتى احتمال حدوثه كان كفيلًا بإثارة القلق داخل المجتمع. الخوف من فقدان خدمات أساسية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الأنظمة الصحية الرقمية خلق حالة من التوتر، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. هذا الضغط النفسي يشكل بحد ذاته أحد أهداف الهجمات، لأنه يؤثّر على الاستقرار الداخلي.
في الوقت نفسه، أجبرت هذه التطورات الدول على إعادة توزيع أولوياتها ومواردها. لم يعد التركيز منصبّا فقط على الجبهات العسكرية؛ بل أصبح من الضروري تعزيز الدفاعات الرقمية، وتأمين الشبكات، وتدريب الكوادر. هذا التحول يعني أن جزءًا من الجهد والميزانية يتم توجيهه نحو مواجهة تهديد غير مرئي، لكنه مؤثر.
كما برزت مسألة صعوبة تحديد المسؤولية كعامل معقد في هذه الحرب. في كثير من الحالات، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بمن يقف وراء الهجوم، بسبب استخدام تقنيات إخفاء المصدر، أو الاعتماد على أطراف وسيطة. هذا الغموض يقلل من فرص الرد المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، لأن كل طرف قد يفسر الهجمات بطريقته.
ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتجارب سابقة، مثل هجوم "ستوكسنت"، الذي أظهر مبكرًا كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تنتقل من مجرد تعطيل أنظمة إلى التأثير على منشآت مادية حساسة. هذا النموذج أصبح مرجعا ضمنيا لما يجري حاليًا، لكن بأدوات أكثر تطورًا وانتشارًا.
في المحصلة.. ما حدث بسبب الأمن السيبراني في هذه الحرب لم يكن حدثًا حاسمًا واحدًا؛ بل تراكم تأثيرات متعدّدة غير مباشرة. هذه التأثيرات شملت إرباك البنى التحتية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، الضغط على الاقتصاد، التأثير على الرأي العام، واستنزاف الموارد. وبذلك، أصبح الأمن السيبراني عاملًا يحدّد إيقاع الصراع ويضيف إليه بُعدًا مُعقدًا، يجعل من الحرب أكثر تشابكا وأقل قابلية للتنبؤ بنتائجها.