صدى البلد:
2026-06-02@20:29:37 GMT

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: لغة المرآة

تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT

النظر للمرآة يجعل الكثير منا يعاود الاهتمام بنفسه، أو يحاول أن يجمل ما يراه من تفاصيل؛ كي يشعر بالارتياح والانشراح، أو يحرص على أن تكون وقفته خاطفة فلا يمعن النظر، وهنا تتعالى صوت الأرواح داخل الأبدان، وتحاول أن تحدث انسجامًا وتآلفًا وتعانقًا مع مكنون النفس، وما يصدر من نغمات أصواتنا وتعبيراتنا الجياشة، وتتعاطى لهفة وسط نبضات القلوب ودقاته المتوالية؛ لتشعرنا بالطمأنينة؛ حينئذ نرى جمال الحياة في تفاصيلها؛ لكنها في ذات الوقت تبحث عمن يكملها أو تكتفى بما لديها، وهذا نراه بوضوح في صورة العلاقة التي تربطنا بمن يشبهنا، مثلما نرى أنفسنا بالمرآة؛ فنكتشف الظاهر والباطن دون وجل، أو زيف، أو خداع.

ما نود أن نصدع به أن المرآة تمتلك لغات لا تراها إلا عين بصيرة؛ حيث تجد الأمن والطمأنينة في صورة من ترافقه، وعيش سخاء عطاء من يسير على دربها المفعم بالحيوية، وتتطابق مغزى الأصوات التي تصدر من كليهما؛ ومن ثم تتقابل الميول في خضم مفردات يتم الاستمتاع بها رفيقا الدرب، وتتقارب المسافات عبر تدبر، وتفكير منتج، يقوم على فلسفة الإيجابية دومًا، ونزيد دون مبالغة بأن خلجات القلوب تشعر ببعضها؛ فالتباين لا مكان ولا مساحة له، وهنا لا مجال للتبرير، ولا مساحة للتطويل نحو تصرفات أضحت يرتضيها الطرفان، وهذا يعني أن ثمة توافق كلي حول رؤى المستقبل، الذي تراه العيون مشرقًا.

العاطفة الكامنة في جنبات النفس، ويغلفها الوجدان، وتترجمها المشاعر، يصعب أن تنكرها المرآة؛ لكن دعونا لا ننكر معدلات، ومستويات، ونسب النضج لدى الإنسان، وهذا لا يشكل التباين الذي يخيفنا، بل، يترك فرصة سانحة لخوض التجربة؛ فيحدث جمال التطابق مع مرور الزمن، وهو ما يعبر بقوة عن جمال التشابه، ورقى الاختلاف، الذي لا يؤدي للتنافر؛ لكن يزيد من حالة الشجن، ويحقق التوازن؛ فتنعكس السلوكيات على إيجابية الاحتواء؛ لذا تنمو العلاقة على أرض خصبة، تملؤها السكينة، وتحميها ثوابت التفاهم، وتعضدها رصانة العقول، وتضمن استقرارها قلوب متآلفة.

المرآة الوضاءة تبرهن صورها عن حالة التجذر بين الطرفان؛ فتؤكد على الحيوية، وتدحر ماهية الذبول والفتور، وشتى مناحي السلبية؛ فلا مجال للركود، ولا مقام للتنحي؛ إنها حالة تجمع ما بين الاستقرار والفعالية، وما بين الأمان والدافعية، وما بين الانشراح والانبساط، وما بين الصفاء والإشراق؛ ومن ثم تصبح الرحلة في سبيلها للتطور، والاندماج بين الهدوء وحيوية التفاعل مداد الحب، الذي لا ينقطع فيض عطاؤه، وعند نقاط التلاقي لا يتوالد بين الطرفان الملل، ولا يضعف التواصل، ولا يغيب الشغف.

النظر في المرآة لا يجعلنا نحدد في صورة العلاقة بعض نقاط القصور، التي يجب أن نستكملها ونستوفيها من بعضنا البعض؛ فالراحة تكمن في أن نجد من يضيف لنا؛ لكن لا متعة في أن نخرج بنسخة واحدة؛ فماهية اللذة في الحياة تقوم على أمرين، أحدهما التكامل، والآخر تذوق نعيمها في وجود الطرفان، وهنا نرصد حالة من التقابل، تجعل مساحات الترحاب ممتدة، والود متصل، والأمل والطموح قائم، وهجران الهواجس المهددة لبقاء الأركان لا وجود لها في الخلد، وهذا ما يؤكد صدق الرؤى، من خلال مرآة صادقة، تعكس حالة الإدراك، ولا تركز على عنصر المشابهة، المقوَّضة في كثير من الأحيان لماهية الاستقرار.

إذا ما أظهرت لنا المرآة تباينًا؛ فلا ننزعج؛ كي لا يصبح الاختلاف مائدة للجدال، أو طريقًا للنزاع، أو مهدًا لتكريس لغة الأنا الضارة دون شك بالذات؛ فهناك مزيد من الفرص المواتية؛ لأن نفتح مجالًا للعفوية المعبرة عما يجوش في النفس، وما تحمله الصدور، وما تعبر عنه الأحاسيس؛ ومن ثم نعزز مسارات الإعجاب، وتصبح المرآة عاكسة لمعان، يصعب أن تخرجها كلمات تطوف دلالتها في الخيال، وتقبع في الخلد، وتتبعثر في سجايا الوجدان.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

طباعة شارك الارتياح الانشراح جمال الحياة

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الارتياح جمال الحياة ما بین

إقرأ أيضاً:

بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة

كل إنسان في الدنيا عنده خطوط حمراء لا يسمح لاحد بتجاوزها وعنده نوع معين من العلاقات يراه مقبولا ونوع اخر يراه مرفوضا تماما ولذلك ظهرت فكرة العلاقات المحظورة التي تختلف من شخص لاخر ومن بيت لاخر ومن مجتمع لاخر ايضا فما يراه البعض امرا عاديا قد يراه غيرهم خيانة او قلة احترام او تجاوزا لا يمكن السكوت عنه

العلاقات المحظورة ليست دائما مرتبطة بالحب او الخيانة كما يعتقد البعض لكنها اوسع من ذلك بكثير فهناك اشخاص يعتبرون التدخل الزائد في حياتهم نوعا من العلاقات المرفوضة وهناك من يرفض الصداقة القائمة على المصلحة فقط وهناك من يرفض ان تتحول العلاقة بين الناس الى استغلال او تحكم او ضغط نفسي مستمر

في بعض البيوت تعتبر الصراحة المطلقة شيئا مزعجا بينما يراها اخرون اساس اي علاقة ناجحة وهناك من يرفض فكرة السيطرة داخل العلاقة ويرى ان الحب الحقيقي يقوم على الحرية والثقة وليس على المراقبة والشك والخوف الدائم وهناك اشخاص لا يقبلون ان يدخل احد في خصوصياتهم مهما كانت درجة القرب بينهما لانهم يعتبرون الخصوصية حقا لا يجب المساس به

ومن اخطر العلاقات المحظورة تلك التي تجعل الانسان يفقد نفسه بالتدريج عندما يعيش شخص في علاقة تجبره كل يوم على التنازل عن كرامته او مبادئه او راحته النفسية فهنا تتحول العلاقة من مساحة امان الى عبء ثقيل حتى لو كان الطرف الاخر قريبا او محبوبا فالانسان يحتاج الى احترام وتقدير اكثر من حاجته الى الكلمات الجميلة

هناك ايضا من يرى ان العلاقات القائمة على الكذب محظورة مهما كانت الاسباب لان الثقة عندما تنكسر يصبح من الصعب اعادتها كما كانت والبعض يرفض العلاقات التي تقوم على المقارنة الدائمة او التقليل من الطرف الاخر لان ذلك يقتل المشاعر بالتدريج ويحول الحياة الى منافسة مرهقة بدلا من ان تكون دعما واحتواء

وفي زمن مواقع التواصل اصبحت العلاقات اكثر تعقيدا فهناك من يعتبر نشر تفاصيل الحياة الخاصة امرا عاديا بينما يراه اخرون تعديا على الخصوصية وهناك من يرى ان التواصل المستمر مع الغرباء بدون حدود نوع من العلاقات المرفوضة بينما يعتبره غيرهم حرية شخصية لا تستحق النقاش

الحقيقة ان العلاقات المحظورة ليست قائمة ثابتة يلتزم بها الجميع لكنها انعكاس لطبيعة كل انسان وتجاربه وقيمه وما عاشه في حياته ولذلك لا يمكن الحكم على مشاعر الناس بسهولة لان لكل شخص حدوده التي يشعر بعدها بالراحة او الاذى

وفي النهاية تبقى العلاقة السليمة هي التي تمنح الانسان شعورا بالامان والاحترام والراحة دون خوف او ضغط او استنزاف نفسي فاي علاقة تجعل الانسان يفقد نفسه او كرامته او سلامه الداخلي هي علاقة يجب التوقف امامها مهما كان اسمها او شكلها

طباعة شارك العلاقات المحظورة العلاقات الخيانة

مقالات مشابهة

  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • السد العالي يتصدر .. أكبر 5 لاعبين سنا مشاركة في تاريخ بطولة كأس العالم
  • رئيس جامعة المنيا يتفقد لجان امتحانات نهاية العام
  • توقع مثير من عصام الحضري بشأن مشوار منتخب مصر في كأس العالم 2026: «هنخسر من الأرجنتين»
  • أنت كإنسان آخر ما تحتاجه التكنولوجيا.. ثم لن تحتاجك!
  • متحدثة برنامج الأغذية العالمي: لبنان يعاني أزمة أمن غذائي كبرى
  • جمال السلامي يعلن عن القائمة النهائية لمنتخب الأردن
  • رسميا الدولار يتراجع 13 قرشا.. وهذا سعره الآن
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟