لجريدة عمان:
2026-06-02@20:16:02 GMT

كلمات في حب الوطن

تاريخ النشر: 21st, November 2025 GMT

تجلّى حب الوطن في كونه فطرة جبلنا عليها منذ نعومة أظافرنا، فهذا الحب ليس حالة إنسانية ذات أبعاد "محدودة" أو عبارة عن التفاصيل والمشاعر التي تلازمنا لفترة زمنية معينة ثم سرعان ما تسير نحو المجهول، بل هي رفيق دائم يرافقنا كظل يحدد ملامحنا بدقة ويرافقنا طوال الحياة.

قد يكون حب الوطن هو ذلك العمق الذي يغوص فيه الإنسان ولا يخرج منه أبدًا إلا إذا كان ظلًا عن طريقه، أما الأسوياء الذين يرون في الوطن شيئًا مختلفًا فهو في نظرهم ذلك المدى الذي يوصل السماء بالأرض، الوطن هو الحياة التي بدونها لا يشعر الإنسان بأي نوع من إنسانيته الطبيعية التي خلقه الله عليها في الأرض.

لماذا نتحدث طويلاً عن الوطن؟ من فقد وطنه يعلم تمامًا أهميته في هذا الوجود، فالوطن ليس بضع كلمات نحفظها ونرددها أمام الناس، بل معاني هذه الكلمة "أسمى وأرفع" من أي شيء آخر، ولو لا الوطن لما كانت هناك وطنية أو انتماء الإنسان للبيئة التي خرج منها أول مرة.

ولهذا السبب وغيره، أدركت الشعوب على مدى التاريخ والأزمان قيمة الوطن وأهميته، فكانوا دائمًا رهن إشارة أوطانها، يلبون داعي الوطن، وتربط مصائرها بمصير أوطانها.

إن حب الوطن شريان يتدفق مباشرة نحو سويداء القلب، الحياة بدون وطن لا معنى لها ولا قيمة، فالانتماء الوطني هو الذي يجعلك تشعر بأن الأوطان ليست مجرد أرض محدودة المساحات ومختلفة التضاريس، فحب الوطن هو الذي يجعلك تشعر بأن شلالًا من الود يتشعب في جداول الوديان والأفلاج والشعاب والسواقي التي تروي الزرع وتبهج النفس البشرية.

إن حب الوطن شيء لا يمكن أن ينفذ عطره من الذات البشرية، ولا ينقطع ماءه الرقراق من الحياة حتى ولو للحظة واحدة، فهذا الحب ما هو إلا ذلك الهواء النقي الذي نتنفسه في كل لحظة، وبدونه يموت الإنسان مختنقًا من دخان السفر بحثًا عن وطنه المفقود.

إذا كنت ممن يريدون معرفة أسرار الوطن، فانظر مليًا إلى عيون القادمين إلى أوطانهم التي حرموا منها لأسباب كثيرة، تأمل جيدًا ما يفعله الوجد في أحوالهم، فالشوق يكسو ملامحهم، وبعودتهم تسر نفوسهم وتسعد بهذا اللقاء.

وكما يقال دائمًا في مثل هذه المواقف "لا شيء يملأ القلب هدوءًا وسكينة وفرحًا أكثر من أن يروي الإنسان شوقه لوطنه ويعود إليه بعد طول غياب ليقبل ترابه ويقف تحت سمائه ويستظلّ بأشجاره".

كم هي فرحة غامرة ترتسم على وجوه العائدين إلى أوطانهم، قلوبهم ترقص فرحًا بهذا اللقاء السعيد، ربما كان الوقت الماضي قبل قليل أشد بأسًا عليهم خاصة عندما بدأوا يرصدون ملامح الوطن وهم في السماء محلقين، وما إن يهبطوا إلى أرضهم حتى يتنفسوا أريج عطر الوطن الفواح.

هذا الحب القديم والمتجدد، يهبط معهم في ساحات المطارات والمنافذ الأخرى، وفي كل سفر وعودة يتجلى حب الوطن في نفوسهم كنقش على حجر الجبال، أو كحبر سري خالد ليس في جوازاتهم التي أخرجتهم من أوطانهم أو أوراقهم الثبوتية التي يحملونها في أيديهم وهم في أرض الغربة، وإنما انتماؤهم الوطني الذي ينغرس في صدورهم التي تعشق تراب الوطن هو من يأتي بهم ثانية بشوق أكبر وحب لا حدود له.

في قاموس البشر، حب الوطن ليس مجرد شعور عادي ثم ينقضي مع الزمن بتغير الأحوال، بل هو امتداد لحب لا يزول، والغريب في أمر البشر هو مدى ارتباطهم بأوطانهم الذي يأتي إليهم من زاوية أخرى، فكلما كبر الإنسان عمرًا، زاد هذا الحب للوطن في قلبه، لذا عندما تصغي لحديث "كبار السن" تجد بأن هذا الحب يخرج من محبرة عتيقة، وذاكرة لا تعرف سوى سرد بطولات الماضي وإشراقات الحاضر، وهذا السرد المستفيض "له مذاقه السحري"، يحمل معه كنزًا روحيًا يمنح السامع راحة نفسية وسكينة في القلب.

الجانب الآخر، كما تغربنا في بلاد العالم، كلما زاد شوقنا إلى العودة إلى وطننا، فالغربة ما هي إلا حالة مرهقة للبعض، وقاسية على البعض الآخر، وخيار العودة قد يكون هو أنسب الأمور وأجملها، فالإنسان مهما بعدت أقدامه عن وطنه يظل يحن ويشتاق إلى كل شيء تركه وراءه وأصبح يتمنى اليوم الذي يعود إليه ثانية.

بمعنى آخر "الشوق إلى الوطن يعني أن يشعر المرء بأنّ روحه معلقة في وطنه رغم أنّ جسده في مكانٍ آخر، فهو شوقٌ لسمائه وترابه وأشجاره وكلّ ما فيه".

إن حب بلادنا عمان، ليس حالة عادية، بل شيء يصعب علينا تفنيد أجزائه وذكر تفاصيله، منذ أيام قليلة قرأت عنوانًا جميلاً يقول "وطننا..من رحم الولادة وحتى الموت"، هذا العنوان قد يحمل في ظاهره بعض الغموض، لكن فحواه يحمل معنى غزيرًا وفياضًا من الحقيقة والمشاعر والبناء الوجودي للإنسان، فهو الرفيق الذي يلازمنا منذ لحظة الميلاد إلى لحظة الانتهاء.

إن حب الوطن في نظر البعض "عاطفة دونها العقل، والإنسان يكون إنسانًا بالعواطف لا بالتفكير البعيد، فلا ينبغي أن نحقر العاطفة ونزدري فعل القلوب؛ فإن القلب موطن الحب".

يقول أبو تمام "كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل"، وهذا هو الواقع والمسار الذي لا نحيد عنه حتى وإن سرنا مع قول الشاعر فخري البارودي عندما يقول:

"بلادُ العُربِ أوطاني ... منَ الشّامِ لبغدان

ومن نجدٍ إلى يَمَنٍ... إلى مِصرَ فتطوانِ

فلا حدٌّ يباعدُنا... ولا دينٌ يفرّقنا

لسان الضَّادِ يجمعُنا... بغسَّانٍ وعدنانِ

لنا مدنيّةُ سَـلفَتْ... سنُحييها وإنْ دُثرَتْ

ولو في وجهنا وقفتْ... دهاةُ الإنسِ والجانِ

فهبوا يا بني قومي... إلى العـلياءِ بالعلمِ

وغنوا يا بني أمّي... بلادُ العُربِ أوطاني"..

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: حب الوطن الوطن هو هذا الحب

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • علاء رجب: مرض الحب يفقد العقل السيطرة على القلب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • الأكثر حظًا في الحب خلال يونيو 2026.. ارتباطات منتظرة لـ7 أبراج
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • مفاجآت نارية عن فيلم أسد وسر كلمات زينة المثيرة للجدل عن أحمد عز.. تفاصيل