بوابة الوفد:
2026-06-03@06:03:32 GMT

فاروق حسنى.. ثقافة الوزير ووزير الثقافة

تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT

لم يكن فاروق حسنى مجرد وزير للثقافة، بل كان حالة استثنائية فى تاريخ المشهد الثقافى المصرى والعربى. إنه رجل امتلك من أدوات الثقافة والفن ما جعله يتجاوز حدود البيروقراطية الحكومية، ليصبح راعيًا حقيقيًا للفكر والإبداع.

فنان أصيل خرج من عباءة اللون والخطوط إلى فضاء المسئولية، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن هويته الفنية.

تلك الهوية لم تكن لقبًا أكاديميًا أو خلفية مهنية فحسب، بل كانت روحًا تسكنه وتوجه قراراته. وكان وزيرًا يرى العالم بعين الفنان، يسمع بإحساس الموسيقى، ويتذوق المسرح والسينما كعاشق حقيقى لا كمسئول رسمى.

امتلك فاروق حسنى ثقافة موسيقية وسينمائية ومسرحية واسعة جعلته قريبًا من المبدعين ومدركًا لاحتياجاتهم. ولم يكن فنانًا تشكيليًا فقط، بل كان متابعًا للفن بكل أشكاله، مستمعًا نهمًا للموسيقى، حاضرًا فى كواليس المسرح والسينما، مؤمنًا بأن الإبداع لا يعيش فى ظل الوصاية، وأن الحرية هى التربة الأولى التى تنبت فيها الفكرة. لذلك لم يفرض سلطة، ولم يمارس رقابة، بل هيأ المناخ الذى يسمح للإبداع بأن يولد وينمو.

ثقافته الشخصية الغنية كانت حجر الأساس فى نجاحه. ولم يصعد إلى موقعه بالمنصب، بل بالوعى المتراكم عبر سنوات من التعلم والتأمل والممارسة، وبشغف حقيقى تجاه كل أشكال الفن والمعرفة. لم تضف الثقافة إليه قيمة، بل كان هو الذى أضفى عليها قيمة جديدة، فصار رمزًا للمثقف الذى يُدير من عمق الفهم لا من مقعد السلطة.

فى عهده، شهدت مصر طفرة فى البنية الثقافية، من المكتبات العامة وقصور الثقافة والمراكز الإبداعية إلى تطوير دار الأوبرا المصرية. وأطلق مشروع “مكتبة الأسرة” إيمانًا منه بأن الثقافة يجب أن تصل إلى الناس، لا أن ينتظروها.

وكان مشروع «مكتبة الأسرة» أهم مشروع ثقافى قومى فى تاريخ مصر الحديث، لأنه وفر للجميع أهم الكتب وأمهات المؤلفات بأسعار رمزية، فأعاد للكتاب مكانته فى كل بيت، وجعل من القراءة عادة جماهيرية لا نخبوية.

كما جاءت مبادرة «القراءة للجميع» لتكمل هذا المشروع الطموح، فحولت الكتاب إلى صديق قريب من الطفل والشاب، وجعلت الثقافة متاحة على نطاق واسع فى كل محافظات مصر.

كانت مشروعاته القومية ثمرة رؤية متكاملة، لا شعارات مؤقتة، وما زالت شاهدة حتى اليوم على أن الثقافة فعل يومى لا حدث احتفالى.

دافع عن حرية الإبداع فى وجه كل محاولات الوصاية، وأعاد الروح إلى المسرح، وأطلق فرق التجوال فى الأقاليم، وحمى التراث المعمارى من الاندثار بتطوير القاهرة الفاطمية، وقرى النوبة، وترميم المعابد والمقابر الفرعونية.

وفى عام 2009 خاض معركة الترشح لمنصب مدير عام اليونسكو بدعم عربى واسع، وكاد يفوز لولا تدخلات سياسية. ومع أن الخسارة كانت مؤلمة، إلا أنها أكدت مكانته الدولية واحترامه فى الأوساط الثقافية العالمية.

ورغم اختلاف البعض معه حول بعض السياسات، إلا أن أحدًا لا يستطيع إنكار أنه الوزير الذى عاش الثقافة لا الذى أدارها فقط. وجعل من الوزارة مؤسسة نابضة بالحياة، وأثبت أن الثقافة ليست رفاهية، بل ركيزة لبناء الوعى الوطنى.

لقد ترك إرثًا مؤسسيًا وفكريًا يصعب تجاوزه، وإسهاماته ما زالت تُثمر لأنها بُنيت على فهم حقيقى لدور الثقافة فى بناء الإنسان قبل المكان.

*المتحف المصرى الكبير... هدية مصر للعالم*

ومن أبرز ملامح رؤيته أن المتحف المصرى الكبير لم يكن مشروعًا معماريًا فحسب، بل حلمًا وطنيًا بدأ بفكرة أطلقها الفنان فاروق حسنى حين كان وزيرًا للثقافة، مؤمنًا بأن مصر تستحق صرحًا حضاريًا عالميًا يليق بتاريخها.

يقع المتحف بالقرب من أهرامات الجيزة، حيث تعود كل قطعة إلى مهدها الطبيعى بجوار أعظم بناء هندسى فى العالم. ويمتد على مساحة نصف مليون متر مربع ليكون أكبر متحف فى العالم مخصص لحضارة واحدة.

يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تروى قصة الإنسان المصرى عبر العصور، بينها المجموعة الكاملة لكنوز الملك توت عنخ آمون التى تضم 5398 قطعة تُعرض لأول مرة مجتمعة بعد سنوات من الترميم الدقيق.

يستقبل الزائر تمثال الملك رمسيس الثانى شامخًا فى البهو الرئيسى، بينما يصعد عبر الدرج العظيم الذى يحتضن 87 قطعة ضخمة من مختلف العصور، وكأنه يصعد درجات الحضارة المصرية نفسها.

المتحف تحفة معمارية تمزج بين روح الحضارة والحداثة، تطل واجهته الزجاجية العملاقة على الأهرامات فى مشهد فريد لا يتكرر فى أى مكان فى العالم.

لا يقتصر دوره على العرض فقط، بل هو منظومة ثقافية وتعليمية متكاملة تضم متحفًا للأطفال، ومراكز للترميم والتعليم والتدريب، ومكتبات متخصصة، وحدائق ومناطق ثقافية وتجارية.

كما يعتمد على أحدث تقنيات العرض التفاعلى والعروض الغرافيكية، ما يجعل الزيارة *تجربة معرفية وإنسانية متكاملة*

افتتاح المتحف الكبير يوم السبت القادم ليس حدثًا ثقافيًا فحسب، بل نقطة تحول فى التاريخ المعاصر لمصر، فهو يعيد تموضعها على خريطة الثقافة العالمية، ويمنحها مكانة لا تضاهيها دولة أخرى، لأنها ببساطة تقدم للعالم ما لا يملكه أحد... الحضارة الأولى على وجه الأرض.

وقد استغل فاروق حسنى شبكة علاقاته الدولية الواسعة من أجل المساهمة فى بناء هذا الصرح الكبير، مؤمنًا بأن مصر تستحق متحفًا عالميًا يليق بحضارتها. وفتح قنوات تعاون مع مؤسسات دولية ومتاحف كبرى، واستثمر مكانته واحترامه العالمى لتأمين الدعم الفنى واللوجستى والمعنوى للمشروع، فكان أحد أبرز من وضعوا حجر الأساس للمتحف المصرى الكبير، إيمانًا منه بأن الثقافة هى جسر التواصل الأقوى بين الشعوب.

تحية لكل من ساهم فى إقامة هذا الصرح العظيم من مهندسين وعلماء ومرممين ومصممين، ممن عملوا سنوات طويلة ليُخرجوا هذا الحلم إلى النور.

وتحية خاصة للفنان الكبير فاروق حسنى، صاحب الرؤية والبذرة الأولى لهذا المشروع، الذى آمن بأن الفن ليس ترفًا بل هو روح الأمة، وأن المتحف الكبير يجب أن يكون مرآة مصر أمام العالم.

*ثقافة مصر... ميراث لا ينضب*

كان فاروق حسنى يعى أن فى مصر ميراثاً ثقافياً متنوعاً، من مطروح إلى أسوان وسيناء والدلتا والصعيد. وفى كل منطقة ملامح خاصة، فى الشعر والموسيقى والحكى والفن الشعبى، تمتزج بروح المكان وخصوصيته.

من بدو الصحراء فى مطروح حيث تتجلى الحكمة والشعر، إلى موسيقى النوبة الحارة بالمشاعر، إلى الصعيد حيث الربابة والمزمار لا يفارقان الحياة اليومية، إلى الدلتا حيث تختلط الأذكار بالأنغام الصوفية فى حقول الخير.

لذلك حرص على الاهتمام بهذا التنوع الذى يجرى فى عروق المصرى، ليصنع منه مزيجًا فريدًا من الحس الإنسانى والفنى. وكل شيء فى مصر جعله نابضاً بالحياة، لأنه ابن الحياة نفسها: الصحراء والبحر والنيل والليل والنهار.

ومن هنا، يصبح استثمار هذا الموروث الثقافى العظيم هو طريقنا نحو المستقبل.لذلك كانت مشروعاته لخدمة هذا التنوع والثراء الثقافى فأنشأ مركز تنمية المواهب بدار الأوبرا لتعليم الموسيقى للأطفال والشباب، وفصولًا لتدريس التراث المصرى فى متاحف الآثار، وقاد أكبر حركة ترميم وإنشاء متاحف فى تاريخ مصر الحديث:

ومن تمثال أبى الهول إلى معابد الأقصر والكرنك، مرورًا بالآثار اليهودية والقبطية  والإسلامية، فى مشهد يعكس وحدة الهوية المصرية عبر العصور.

طور القاهرة التاريخية، وأنار البر الغربى بالأقصر والقلعة، ورمم المسارح ودور العرض، وأعاد افتتاح أوبرا الإسكندرية ودمنهور، وأنشأ متاحف الحضارة، والنوبة، وإخناتون، والمجوهرات، ومتاحف المحافظات.

كما أطلق مشروعات رائدة: مكتبة القاهرة الكبرى، ومكتبة طلعت حرب، ومكتبة الأسرة، ومكتبات القرى.

أسس المركز القومى للترجمة، وجهاز التنسيق الحضارى، وصندوق التنمية الثقافية، وقطاع الإنتاج الثقافى.

وفى المهرجانات، أطلق مهرجان الموسيقى العربية، ومهرجان المسرح التجريبى، والمهرجان القومى للسينما، وسمبوزيوم أسوان، ومهرجان القلعة للموسيقى والغناء.

*بنك أفكار لا ينضب*

لم يكن فاروق حسنى وزيرًا تقليديًا ينتظر مقترحات اللجان أو يلاحق أضواء الإعلام، بل كان بنك أفكار متجددًا. ومكتبه كان خلية عمل دائمة مليئة بالمشروعات المستقبلية.

لم يكن موظفًا فى منصب، بل رجل رؤية جعل الثقافة المصرية فى عهده مركز إشعاع فى العالم العربى.

اليوم، ونحن نراجع تجربته، ندرك أن قيمة الوزير لا تُقاس بعدد التصريحات أو الصور، بل بما يتركه من أثر فى الوعى العام. وفاروق حسنى يظل نموذجًا نادرًا لرجل دولة امتلك مشروعًا ثقافيًا وطنيًا متكاملًا.

*صناعة الأمل*

ما قدمه فاروق حسنى نموذجاً يُحتذى فى صياغة مشروع ثقافى وطنى شامل، ونموذج فى صناعة الأمل.

ومن هذا النموذج، يجب أن ننطلق لبناء مشاريع جديدة تليق بمصر وتاريخها ومكانتها، بعيدًا عن صخب مناسبات الترفيه السطحية.

نحن نريد مشروعات ثقافية وطنية تليق بوجه مصر الحضارى وتستكمل ما بدأه روادها الحقيقيون... أمثال فاروق حسنى.

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: يتجاوز حدود فاروق حسنى أن الثقافة فى العالم لم یکن بل کان وزیر ا

إقرأ أيضاً:

عروض كورال الأطفال وتوشكى التلقائية في ختام احتفالات عيد الأضحى بأسوان.. صور

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

اختتمت الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة الفنان هشام عطوة، فعالياتها الفنية والثقافية بمحافظة أسوان احتفالا بعيد الأضحى المبارك، والتي أقيمت ضمن برنامج وزارة الثقافة، وسط إقبال كبير من المواطنين وزوار حديقة فريال.

احتفالات عيد الاضحى

وشهد ثالث أيام العيد تقديم عرض فني لفرقة كورال قصر ثقافة أسوان بقيادة المايسترو محمد خالد ورشا علي، حيث قدمت الفرقة باقة من الأغاني الطربية والوطنية التي تفاعل معها الجمهور، من بينها: "الهوا هوايا"، "أمانة يا ليل طول"، "نسم علينا الهوا"، "أما براوة"، "القلب يعشق كل جميل"، و"على رمش عيونها".

وتضمنت الفعاليات كذلك ورشة فنية للأطفال للرسم والتلوين مع الفنانة أميرة بهاء، أتاحت للمشاركين التعبير عن مواهبهم وإبداعاتهم الفنية في أجواء احتفالية مبهجة، تزامنت مع احتفالات العيد.

وفي قصر ثقافة توشكى، قدمت فرقة توشكى للفنون التلقائية بقيادة محمد شريف عرضا فنيا مستوحى من البيئة النوبية، تضمن مجموعة من الفقرات الفنية والاستعراضات التراثية، منها: "الصياد"، "واه نوبه"، "الأراجيد"، "الغزل النوبي"، و"ليلة الحناء"، إلى جانب عدد من الرقصات النوبية التي عكست ثراء وتنوع الموروث الشعبي للمنطقة.

كما تألقت فرقة أطفال أبوسمبل للفنون الشعبية بقيادة حسن عطا الله من خلال مجموعة متنوعة من الاستعراضات التراثية، شملت: "شيكولاتة"، "نوبا سلام"، "نبري أشر الحلوة"، "واه نور يا رب"، و"بليه"، بالإضافة إلى عروض "الزفة النوبية بالدفوف"، و"العمل"، و"الصياد"، و"المراكبي"، وسط تفاعل من الحضور.

ونفذت الفعاليات ضمن أنشطة فرع ثقافة أسوان التابع لإقليم جنوب الصعيد الثقافي، في إطار حرص الهيئة العامة لقصور الثقافة على نشر الفنون الشعبية وصون التراث الثقافي، وإتاحة الأنشطة الفنية والثقافية للجمهور خلال احتفالات عيد الأضحى المبارك.

مقالات مشابهة

  • عروض مسرحية ضمن أجندة «قصور الثقافة» الأسبوعية
  • من ماسبيرو فرصة ذهبية لعودة التليفزيون المصرى المنافسة
  • دعم المنتخب والجهاز الفنى المصرى
  • 8 عروض مسرحية بإقليم وسط الصعيد ضمن فعاليات قصور الثقافة
  • قصور الثقافة تقدم 17 عرضا بالموسم المسرحي في القاهرة الكبرى
  • "الثقافة" تقدم لقاءات توعوية وورش ومعرض للكتاب ضمن برنامج "المواطنة"
  • "قصور الثقافة" تقدم 17 عرضًا ضمن الموسم المسرحي بإقليم القاهرة الكبرى
  • غدا.. انطلاق عرض "كارجين" على مسرح قصر ثقافة طهطا بسوهاج
  • عروض كورال الأطفال وتوشكى التلقائية في ختام احتفالات عيد الأضحى بأسوان
  • عروض كورال الأطفال وتوشكى التلقائية في ختام احتفالات عيد الأضحى بأسوان.. صور