د. إسحاق بن يحيى الشعيلي -

بين الفضول وشغف المعرفة وحب الاستكشاف ارتبط الإنسان ارتباطا وثيقا بالسماء فهي مصدر إلهام للشعراء وهي مصدر تساؤل للعلماء، فكل سؤال تتم الإجابة عليه يتبعه سؤال آخر يفتح بابا للمعرفة ويسوق الإنسان إلى اكتشاف عالم مليء بالأسرار والظواهر التي لا تنتهي، فمنذ التصنيف الشهير الذي وضعه العالم اليوناني هيبارخوس (190 ق.

م - 120 ق.م) والذي ضم حوالي 850 نجما معتمدا بذلك على العين البشرية، وصولا إلى الملاحظة الدقيقة للعالم المسلم عبدالرحمن بن عمر الصوفي ووصفه لمجرة المرأة المسلسلة أو ما تعرف بمجرة الأندروميدا (وهي أقرب المجرات إلى مجرة درب التبانة)، ووصفه لها في كتابه صور الكواكب الثمانية والأربعين أو صور الكواكب الثابتة بأنها لطخة سحابية لم يكن يملك الإنسان سوى العين المجردة لتوثيق ملاحظاته، وبالتالي فالمعرفة بما هو خارج الغلاف الجوي للأرض كان محدود جدا ليس فقط بما تعنيه هذه النجوم من انتظام على شكل مجرات أو عناقيد مجريه بل حتى بما تشكله من تاريخ يحفظ التسلسل الزمني للتطور الذي مر به الكون من لحظة الانفجار العظيم وصولا لما يراه الإنسان في اللحظة التي يرصد النجوم فيها.

لذلك ظل الإنسان يبحث عن سبيل للوصول إلى هذه الكواكب ومعرفة طبيعتها وهل من عوالم أخرى أو كائنات فضائية تعيش عليها، إلى أن مهد عالم البصريات الهولندي لينس ليبرهي (أو ليبرشي) الطريق من خلال اختراع جهاز يقرب الأشياء، ورغم الجدل حول ما إذا كان ليبر شي قد اخترع التلسكوب أم أن أبحاثه ركزت على البصريات بشكل عام والنظارات بشكل خاص إلا أنه من المعروف أن عالم الفلك والفيلسوف الإيطالي جاليليو جاليلي هو أول من وجه تلسكوب نحو السماء في عام 1910 ليرى فوهات القمر وسهول الزهرة وكواكب المشتري الأربعة والمعروفة باسم أقمار جاليليو وهي: آيو وغانيميد وأوروبا وكاليستو والتي استمدت أسماءها من عشاق زيوس حسب الأساطير اليونانية، ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف الإنسان من تطوير المناظير الفلكية والمراصد الكبرى لتفتح هذه الخطوة آفاقًا أرحب لعالم يكتنفه الغموض والدهشة والعظمة في عالم تتجلى فيه دقة النظام الكوني وبديع خلق الله سبحانه وتعالى.

في هذا المقال نسلط الضوء على التطور في المراصد الفلكية من الحضارة الإسلامية وصولا إلى التلسكوبات الفضائية العملاقة خارج الغلاف الجوي للأرض.

المراصد الفلكية في الحضارة الإسلامية:

لم تكن المراصد الفلكية في الحضارة الإسلامية مكانا لرصد النجوم مطالعها ومغاربها فقط بل كانت مختبرات متكاملة للبحث والتجريب والتشاور بين العلماء، ويعد مرصد الشماسية والذي أسسه الخليفة العباسي المأمون في العاصمة بغداد أول مرصد فلكي في التاريخ الإسلامي والذي كانت أهم ثماره «الأزياج الفلكية» وهي جداول مختصة بحساب مواقع النجوم والكواكب، وقد ترأس هذا المرصد سند بن علي الذي ألف كتبا عديدة في الحساب والفلك منها الحساب الهندي والجبر والمقابلة، كما اشتغل في المرصد أبناء موسى بن شاكر (محمد وأحمد والحسن) والذين برعوا في الهندسة والفلك والميكانيكا والمعروف عندهم بعلم الحيل الذين ألفوا فيه كتاب يسمى «الحيل» وساهموا في حساب محيط الأرض، وجعفر بن محمد البلخي، هذه الكوكبة من العلماء أسست منهجًا قائمًا على الملاحظة والتجريب في علم الفلك، كما كان نتاج هذا الصرح المعرفي والذي ألحقه المأمون بدار الحكمة إسهاما كبيرا في الحضارة البشرية من خلال الاستفادة من الكتب والمخطوطات والتي ساعدت على تطوير علم الفلك في العصور الوسطى على يد العلماء الأوروبيين، كما قام المأمون بتشكيل بعثتين علميتين للتحقق من حساب بطليموس لمحيط الأرض، وكانت البعثة الأولى مؤلفة من سند بن علي وأحمد بن عبدالله المروزي وغيرهما، والبعثة الثانية مؤلفة من علي بن البحتري وعلي بن عيسى الأسطرلابي، وقد كانت الحسابات دقيقة بشكل كبير بعد مقارنتها بالحسابات الحديثة رغم اختلاف التقنيات بين الدولة العباسية والتقنيات الحديثة.

وفي بلاد فارس أسس عالم الفلك نصير الدين الطوسي ومحيي الدين المغربي أحد أكبر المراصد الفلكية في الحضارة الإسلامية وهو مرصد مراغة في مدينة مراغة شمال غرب إيران على ارتفاع 1560 مترًا فوق سطح الأرض وقد احتوى المرصد على قبة قطرها 22 مترا تقريبا، بالإضافة إلى ممر مركزي عرضه 3 أمتار يربط بين مفترقين، في كل مفترق تقع 6 حجرات. وفي الخارج شُيّدت 5 أبنية دائرية استخدمت للمراقبة بالمعدات الفلكية الثانوية والأصغر حجما، وقد أسهم النتاج العلمي لهذا المرصد في أبحاث العالم ابن الشاطر وعالم الفلك نصير الدين الطوسي صاحب كتاب الزيج الأيلخاني وغيرهم من العلماء، كما تذكر بعض المصادر أن الأمبراطور الصيني قوبيلاي خان (مؤسس سلالة يوان في الصين عام 1271) أوفد مجموعة من علماء الصين للتعلم في مرصد المراغة وعند عودتهم أسسوا مرصدا مشابها للمرصد كما استنسخوا التجربة في عدد كبير من مناطق الصين. ولا يمكن الحديث عن المراصد في الحضارة الإسلامية دون ذكر مرصد أولوغ بيك الذي شيد في مبنى مكون من ثلاث طوابق على يد أولوغ بيك أحد حكام الدولة التيمورية في عام 1424 في سمرقند جنوب أوزباكستان حاليا الذي اشتهر بولعه بعلوم الفلك والرياضيات، وللمرصد إسهام كبير في علم الفلك إذ تمكن العلماء فيه من رصد وتصنيف حوالي 1000 نجم وحددوا بدقة طول السنة الشمسية مما يعكس الخبرة العلمية والتطور المعرفي الذي وصلت إليهما هذه المراصد.

من المراصد البدائية إلى التلسكوبات الفضائية:

لم تكن البداية التي حاول من خلالها جاليليو رصد الأجرام السماوية من خلال التلسكوب بداية مثالية فهو لم يصل إلى النتائج التي نشرها إلا في عام 1609م حيث لم تتجاوز قوة التقريب لهذه التلسكوبات 3 إلى 10 مرات والتي استطاع تحسينها لاحقا لتصبح من 10 إلى 20 مرة، هذه البداية المتواضعة لم تمنع تقنية البصريات ومن خلالها تقنية التلسكوبات من التطور بمرور الزمن فبعد مرور أقل من 10 أعوام وتحديدا في عام 1617 استطاع كريستوف شاينر من تطبيق أفكار كبلر في التلسكوبات وتحسين الدقة للصورة من حيث الجودة والتكبير ومدى الرؤية، وقد لازم هذا التطور تجارب عديدة حول تحسين دقة العدسات وجعلها أكثر وضوحا، وربما كان الانحراف اللوني العقبة الأكبر أمام العلماء في تحسين دقة الصورة وهو عيب بصري شائع في بعض أنواع التلسكوبات وخاصة في التلسكوبات الكاسرة وعادة يحدث عندما تفشل العدسة في تجميع أطوال موجات الضوء المختلفة في بؤرة واحدة، مما يؤدي إلى ظهور هالات ملونة، عادة ما تكون بنفسجية، حول الأجسام الساطعة. ينتج هذا العيب عن تشتت الضوء وتغيّر معامل انكسار العدسة باختلاف الطول الموجي للضوء، مما يؤدي إلى ظهور ضبابية في الصورة وتغيّر في حجم التكبير بين الألوان، ظل هذا الوضع قائما حتى أوائل القرن الثامن عشر حيث اعتبر الانحراف اللوني شيئًا أساسيًا ولا يمكن تصحيحه حتى أن العالم الكبير السير إسحاق نيوتن كان يؤمن بهذا الاعتقاد الخاطئ حتى أتت أعمال تشيستر مور هول وجون دولوند إلى تطوير العدسة الشيئية اللونية في منتصف القرن الثامن ودمجها في عدسة شيئية واحدة، بحيث يُصمم التركيز اللونين الأحمر والأزرق ليكون في الموقع نفسه مما يُقلل بشكل كبير من ضبابية الصورة حتى مع العدسات ذات القطر الكبير.هذه التقنية غيرت من الأرصاد بشكل كبير وجعلت من الصور الملتقطة عبر هذا النوع من التلسكوبات أكثر تفصيلا ودقة.

ومع التطور العلمي في عالم الأرصاد وإدراك العلماء أن الكون يشع في نطاقات مختلفة غير الضوء المرئي بدأت بوادر ظهور المراصد المختلفة، ففي عام 1932 وأثناء محاولة كارل جانسكي لفهم التشويش والتداخل الراديوي في الاتصالات عبر الأطلسي وخاصة في الموجات الراديوية ذات الموجات القصيرة والتي تكون مزعجة في أحيان كثيرة وبعد أشهر من تتبع المصدر لاحظ أن التشويش قادم من مصدر باتجاه الفضاء و بعد التشاور مع عالم الفلك الراديوي سيليكت توصل في النهاية إلى استنتاجه الشهير الذي يقول فيه: «لقد جمعتُ المزيد من البيانات التي تُشير بشكل قاطع إلى أن هذه المادة، أيًا كانت، تأتي من شيء ليس فقط من خارج الأرض، بل من خارج النظام الشمسي. إنها تأتي من اتجاه ثابت في الفضاء، والمُثير للدهشة أنها في الاتجاه الذي يتحرك نحوه النظام الشمسي في الفضاء. ووفقًا لسكيليت هناك سُحب من «الغبار الكوني» في ذلك الاتجاه»، لقد كان هذا الاستنتاج هو اللبنة الرئيسية لعلم الفلك الراديوي والتي صاغ تفاصيلها جانكسي في ورقته الشهيرة عام 1933 بعنوان «موجات الراديو من خارج النظام الشمسي» وربما لا يضاهي هذا العمل من حيث الأهمية في

علم الفلك الراديوي سوى الاكتشاف الذي توصلت له طالبة الدراسات العليا جوسلين بيل في عام 1967، حيث ساقتها الصدفة إلى اكتشاف النجوم النابضة أو (Pulsars) وهي واحدة من الأجرام النشطة في الكون وتتشكل بعد انهيار نجم ضخم حول نفسه ثم انفجاره كمستعر أعظم بعدها يُرسل هذا النجم سحبًا من الحطام إلى الفضاء، تاركًا وراءه جسمًا مضغوطًا ضخمًا مكونًا بالكامل من النيوترونات يسمى هذا النجم نجما نيوترونيا. وقد وجدت جوسلين بيل أن النجم النابض الذي اكتشفته يدور حول محوره 30 مرة في الثانية، مُرسلًا إشارة ضوئية مع كل دورة. يشبه الأمر تقريبًا دقات الساعة، ومنذ ذلك التاريخ تم رصد أكثر من 2000 نجم نابض، واليوم تعتبر مصفوفة أتاكاما الملميتري الكبير المثال الأبرز لتطور علم الفلك الراديوي مع إسهامات كبيرة في رصد أحداث فلكية لم تعرف قط بالرصد في النطاق المرئي كتكوّن النجوم في حاضنات النجوم أو السدم كما يقدم علم الفلك الراديوي تفسيرات متعددة لموجات الجاذبية غير أن الحدث الأبرز في علم الفلك الراديوي خلال السنوات الأخيرة كان تصوير أفق الحدث في الثقوب السوداء من خلال منظومة مشروع تلسكوب أفق الحدث (Event Horizon Telescope) وهو ما فتح المجال لدراسة أعمق وفهم أدق للكون والأجرام السماوية.

علاوة على ذلك فإن هذا الفهم للكون وخاصة عند الحديث عن حاضنات النجوم والثقوب السوداء وانفجارات المستعر الأعظم لا يمكن أن يكتمل إلا بالرصد في الأشعة السينية وهي نوع من المراصد الفضائية والتي لا يمكنها العمل من داخل الغلاف الجوي للأرض بسبب حجب الغلاف الجوي لهذا النوع من الإشعاع ويعتبر مرصد شاندرا للأشعة السينية أحد أبرز المراصد التي ساهمت بشكل كبير في الأرصاد الفلكية في السنوات الأخيرة.

وانتقالا من نطاق الموجات الراديوية إلى التلسكوبات الفضائية في النطاق المرئي حيث كان الاعتماد سابقا على الرصد الأرضي غير أن هذا المنظور تغير بشكل كبير مع إطلاق تلسكوب هابل الفضائي الذي يعد من أبرز الأمثلة على هذا النوع من التلسكوبات والتي أحدثت ثورة في عالم الفلك البصري رغم أن التلسكوب يرصد أيضا في عدة نطاقات منها الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء، وقد بدأ العمل في بناء هذا التلسكوب بعد موافقة الكونجرس الأمريكي على خطة التمويل البالغة 36 مليون دولار عام 1978 وكان من المخطط إطلاقه في عام 1983 إلا أن مشاكل كثيرة صاحبت هذا المشروع أدت إلى تأخيره وخاصة بعد كارثة تشالنجر في يناير من عام 1986 وأدى تأخر جاهزية مرصد التحكم الأرضي إلى تأخير الإطلاق حتى عام 1990وهو العام الذي أرسل فيه التلسكوب إلى مداره لتظهر مشكلة أخرى في دقة الصور الملتقطة بسبب خطأ في تصنيع مرآته الرئيسية أدت إلى ظهور ضبابية في الصور الملتقطة، لكن ما يميز تلسكوب هابل هو أنه مصمم للصيانة في مداره لذلك كان الحل هو تركيب بصريات تصحيحية خلال مهمة الصيانة عام 1993 ومنذ ذلك الحين ساهم التلسكوب في تغيير نظرتنا للكون من خلال الصور التي التقطها وأدرك العلماء من خلالها معارف جديدة في علم الفلك لم تكن موجودة من مجرات بعيدة إلى نجوم وأنظمة كونية وصولا إلى المستعرات العظمى البعيدة وأماكن تكون النجوم.

ومع التقادم في التقنيات المستخدمة في تلسكوب هابل والتسارع التقني في الأرصاد وتماشيا مع متطلبات المرحلة الحالية من البيانات التي يمتلكها الباحثون كان لابد من وجود بديل يحل محل تلسكوب هابل وكان الحل في مشروع تلسكوبات أكثر تطورا وأكثر دقة في رصد الكون، هذا المشروع ظهر معه تلسكوب جيمس ويب الفضائي بمرآة قطرها 6.5 متر، والذي كان من المفترض أن يتم إطلاقه نهاية سنة 2018، غير أنه تم تأجيل الإطلاق لأسباب فنية حتى 25 ديسمبر 2021، وهو مصمم لدراسة جميع مراحل تاريخ كوننا، بدءًا من التوهجات المضيئة الأولى بعد الانفجار العظيم، مرورًا بتكوين الأنظمة الشمسية القادرة على دعم الحياة على كواكب مثل الأرض، ووصولًا إلى تطور نظامنا الشمسي، ولا يدور تلسكوب جيمس ويب حول الأرض مثل تلسكوب هابل الفضائي، بل يدور حول الشمس على بُعد 1.5 مليون كيلومتر (مليون ميل) منها، ولا يمكن إصلاحه كما كان عليه الحال مع تلسكوب هابل الفضائي إلا أنه أثبت خلال الأعوام القلية الماضية أنه قادر على الوصول بالبشرية إلى مسافات في أعماق الكون لم يكن الإنسان يحلم بالوصول إليها، وأرسل بيانات وصور غيرت ليس فقط من نظرتنا للكون بل أسهمت في تشكيل نظريات علمية جديدة للمراحل التي مر بها الكون خلال تطوره منذ الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة وحتى يومنا هذا، ففي أبريل الماضي على سبيل المثال استطاع التلسكوب تصوير مجرة عاشت قبل 330 مليون عام فقط بعد الانفجار العظيم وهو رقم لم يكن معروفا قبل إطلاق جيمس ويب، إضافة إلى إسهام البيانات المأخوذة منه في مئات الأوراق البحثية التي زودنا بها هذا المرقاب وساعدت على فهم أعمق للتطور الذي مر به كل ركن من أركان هذا الكون الفسيح.

إن نظرة الإنسان إلى الكون منذ أن بدأ في التأمل في السماء بما تحويه من شهب ونيازك ونجوم وكواكب إلى المرحلة التي قرر فيها إرسال المراصد إلى خارج الغلاف الجوي للأرض قد تغيرت بشكل يعطي إشارة قوية إلى أن البحث والشغف بالمعرفة هي الدافع الأول لاستكشاف السماء ومعرفة اللحظات الأولى التي أصبح الكون بعدها في توسع وفي تطور دائم ولن يتوقف هذا التطور إلى أن يشاء الله له ذلك وسيظل الإنسان إلى ذلك اليوم يبحث عن إجابات لأسئلة تراوده في كل يوم عن هذا الكون وما يحويه من أجرام وكيف كانت بدايته وكيف ستكون النهاية.

د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الغلاف الجوی للأرض الحضارة الإسلامیة الانفجار العظیم المراصد الفلکیة فی علم الفلک تلسکوب هابل عالم الفلک الفلکیة فی فی الحضارة بشکل کبیر لا یمکن من خلال إلى أن فی عام

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • فك لغز إشارات فضائية غامضة حيّرت علماء الفلك سنوات .. ما القصة؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • فعالية ثقافية وتحضيرية في صنعاء القديمة إحياءً لذكرى يوم الولاية
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • بكفالة مالية.. إخلاء سبيل متهم بتعريض حياة المواطنين للخطر علي الطريق بمصر القديمة
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟