في أعقاب معركة "طوفان الأقصى"، برزت تحوّلات استراتيجية كبرى أعادت تشكيل المشهد الفلسطيني، وفرضت على فلسطينيي الخارج تحديات واستحقاقات جديدة. ولم يعد كافيا أن يقتصر دورهم على أشكال الدعم التقليدي؛ بل باتت الحاجة ملحّة لتطوير أدائهم بما يوازي حجم النضال والتضحيات التي يقدمها الداخل، لا سيما في قطاع غزة.



هذه المتغيرات تتطلب من فلسطينيي الخارج إعادة تموضع سياسي واجتماعي، يراعي خصوصية البيئات التي يتواجدون فيها، ويستجيب للفرص والتحديات الإقليمية والدولية المتسارعة. وعليه، فإن تطوير الأداء الشعبي بات ضرورة استراتيجية لتعزيز الدور الوطني لفلسطينيي الخارج، وتوثيق الصلة مع الداخل الفلسطيني ومناصرته، وتقوية الصف الوطني، فضلا عن امتلاك أدوات فعالة للتأثير في المحافل الإقليمية والدولية دعما للقضية الفلسطينية.

لذلك من الأهمية في هذه المرحلة المصيرية التي تعيشها القضية الفلسطينية أن يكون التركيز على البُعد الشعبي لفلسطينيي الخارج، من حيث الواقع، والفرص، والتحديات، مع طرح محاور عملية لتطوير هذا الأداء بما يخدم القضية الفلسطينية في ظل هذه المتغيرات.

من الأهمية في هذه المرحلة المصيرية التي تعيشها القضية الفلسطينية أن يكون التركيز على البُعد الشعبي لفلسطينيي الخارج، من حيث الواقع، والفرص، والتحديات، مع طرح محاور عملية لتطوير هذا الأداء
إن أبرز التحديات التي تواجه فلسطينيي الخارج هي التمثيل الوطني، فقد تراجعت مكانة الشتات كمكوّن أساسي في القرار السياسي الفلسطيني، وتجمّد دور منظمة التحرير كمظلة جامعة. ولا يزال يُنظر إلى الشتات الفلسطيني على أنه ملحق داعم وليس طرفا قياديا يملك حق التأثير. هذا الواقع يتطلب المسارعة إلى سد فراغ التمثيل الوطني، رغم وجود جملة من التحديات التي تواجه هذا المسار، إلا أن سد هذا الفراغ سيمنح البعد الشعبي قوة فاعلة كبيرة.

كما أن التحدي لتهميش ورفض القيادة الفلسطينية المتنفذة للعمل في الخارج؛ يعتبر من أبرز هذه التحديات، حيث تنظر منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية إلى أي جهد في الشتات، سواء كان شعبيا أو سياسيا، كتهديد مباشر لشرعيتها، وتسعى بنشاط لتعطيله وتقويضه عبر حملات إعلامية متواصلة. هذه المدافعة على الشرعية تستهلك جزءا كبيرا من طاقة الشتات.

وبالرغم من الطاقة الجماهيرية الهائلة التي يتمتع بها الفلسطينيون في الخارج وقدرتهم الكبيرة على الحشد والتأثير، إلا أن هذا التأثير غالبا ما يكون متقطعا، موسميا أو مقيدا، مما يستوجب استثمار هذه الطاقة الشعبية المنتشرة بإمكانياتها الكبيرة واستمرارية الحراك الشعبي.

كما أن أحد هذه التحديات هو سعي الاحتلال، بدعم من الإدارة الأمريكية، إلى تفكيك المرجعية الوطنية الموحدة، مثل فرض إدارة دولية على قطاع غزة، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لحق تقرير المصير ويهمش الإرادة السياسية الفلسطينية.
وبالرغم من ارتفاع الصوت الشعبي العربي والإسلامي خارج الإطار الرسمي في رفض الإبادة الإسرائيلية، وبالرغم من ارتفاع الصوت الشعبي العربي والإسلامي خارج الإطار الرسمي في رفض الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، لكنه لا ينعكس دائما واقعا ميدانيا ملموسا. وهذا يضع أمامنا تحديا في إيجاد آليات فعالة لتحويل هذا المخزون التضامني الكامن إلى قوة مستدامة وفاعلة وتحفيز دائم لهذه المكنونات.

وعلى الرغم من ارتفاع مستوى التضامن العالمي الشعبي والرسمي مع فلسطين خلال سنتين من حرب الإبادة الإسرائيلية، وتحوّل الدعم إلى تفاعل مباشر وتبنيه لغة المساءلة القانونية؛ فإن منسوب التجريم ضد الناشطين المتضامين مع فلسطين ارتفع أيضا، مما قد يحدّ من حماسة المشاركة ويقوّض البيئة الدولية الحاضنة لحراك عالمي مستدام، ويحرم القضية الفلسطينية من أحد أهم روافع العمل مستقبلا، وهذا تحدٍّ إضافي للفلسطينيين في الخارج.

خطة عمل واستراتيجية قائمة على توحيد الجهود لإطلاق وثيقة وطنية جامعة تُعبّر عن تطلعات فلسطينيي الخارج، وتمهّد الطريق نحو تجديد شامل للتمثيل الشعبي ومنها للتمثيل السياسي، وتشكّل خطوة تأسيسية على طريق إعادة بناء المرجعية الوطنية الفلسطينية الجامعة، ومن ثم التحول من النخبوية إلى التفاعل الجماهيري
بالتالي، يحتاج الفلسطينيون في الخارج إلى البناء على المتغيرات الكبيرة التي شهدها العالم بسبب الإبادة والجرائم التي ارتكبها الاحتلال في قطاع غزة على مدار عامين، وأمام التحديات السابقة تولد مجموعة من الفرص التي لا بد من استثمارها في تطوير أدوات عمل فلسطينيي الخارج.

هذا التطوير يستند إلى خطة عمل واستراتيجية قائمة على توحيد الجهود لإطلاق وثيقة وطنية جامعة تُعبّر عن تطلعات فلسطينيي الخارج، وتمهّد الطريق نحو تجديد شامل للتمثيل الشعبي ومنها للتمثيل السياسي، وتشكّل خطوة تأسيسية على طريق إعادة بناء المرجعية الوطنية الفلسطينية الجامعة، ومن ثم التحول من النخبوية إلى التفاعل الجماهيري؛ من خلال وضع خطط عملية لاختراق الاتحادات والنقابات المهنية والطلابية والعمالية، بهدف توسيع العمل الشعبي للمؤسسات الفاعلة في الخارج.

كما نؤكد على أهمية الانخراط في العمل الدولي المستقل، من خلال تأسيس كيانات مستقلة داعمة لفلسطين خارج العباءة الفلسطينية، لحمايتها من التضييق القانوني، وتمارس المناصرة العالمية بما يحميها قانونيا، ويُسهم في إنهاء استثناء فلسطين من الحقوق الأساسية.

كما تستند هذه الاستراتيجية إلى تعزيز العلاقة المستدامة مع الداخل الفلسطيني، شعبيا وفصائليا ومؤسساتيا، بما يُعزز وحدة النضال الفلسطيني ويمنع محاولات الفصل بين الداخل والخارج.

ولحماية العاملين لأجل القضية الفلسطينية؛ فإنه من الأهمية تأسيس منظومة دعم قانوني وإعلامي للناشطين الفلسطينيين والمناصرين المهددين بالملاحقة في الغرب، لحمايتهم من التجريم، وضمان استمرار حراكهم ضمن بيئة آمنة وفعالة.

إن تطوير الأداء الشعبي لفلسطينيي الخارج لم يعد ترفا أو نشاطا هامشيا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات المتسارعة التي تمر بها القضية الفلسطينية، لا سيما بعد التحولات العميقة التي أعقبت "طوفان الأقصى" والعدوان على غزة. هذه المتغيرات وضعت الشتات أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لا تحتمل التأجيل.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الفلسطيني تحديات الدعم الشتات منظمة التحرير فلسطين دعم تحديات منظمة التحرير شتات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة سياسة صحافة صحافة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القضیة الفلسطینیة فلسطینیی الخارج فی الخارج قطاع غزة

إقرأ أيضاً:

حصار وملاعب مدمرة.. كرة القدم الفلسطينية تتحدى العدوان وتعود للحياة

تستعد كرة القدم الفلسطينية للعودة إلى الملاعب مطلع سبتمبر/أيلول المقبل بعد توقف قسري دام قرابة 3 سنوات جراء الحرب الإسرائيلية. ورغم الدمار الواسع الذي طال المنشآت واستشهاد المئات من الأسرة الرياضية، تكافح الأندية في الضفة الغربية وقطاع غزة لاستعادة إيقاعها وسط أزمات مالية خانقة وقيود لوجستية، في خطوة يعتبرها الرياضيون بارقة أمل لإنعاش حلم الاحتراف وإعادة بناء المنظومة الكروية.

يركض نحو 25 لاعباً بين الأقماع البرتقالية على أرضية ملعب نادي "ثقافي البيرة" وسط الضفة الغربية المحتلة، بينما تراقب العيون الفنية تحركاتهم بشغف وحذر، بعد انقطاع طويل استمر قرابة 3 سنوات عن المنافسات الرسمية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2تشلسي والهلال يقودان سباق الإنفاق القياسي في سوق الانتقالاتlist 2 of 2قبل شهر من انطلاق الدوري التونسي.. الكنزاري يخلف البنزرتي في النادي الأفريقيend of list

وبين تمريرة وأخرى، يحاول اللاعبون استعادة الإيقاع المفقود، تأهباً لعودة الروح إلى ملاعب كرة القدم الفلسطينية مطلع سبتمبر/أيلول المقبل، وذلك إثر إعلان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم استئناف الأنشطة الكروية في الضفة الغربية – بما فيها القدس الشرقية – وقطاع غزة والشتات.

لاعبو نادي البيرة وسط الضفة الغربية المحتلة خلال التدريب (الأناضول )

وتمثل هذه التدريبات أول استعداد فعلي لعودة المنافسات منذ توقف النشاط بفعل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتصعيد في الضفة الغربية في أكتوبر/تشرين الأول 2023. إلا أن هذه العودة المنتظرة لا تعني تعافي الكرة الفلسطينية تماماً؛ فبينما تكافح أندية الضفة للتغلب على القيود الإسرائيلية والأزمات المالية، تواجه أندية غزة تحدياً وجودياً يتمثل في إعادة بناء فرقها بعد دمار هائل طال الملاعب والمنشآت، وفقدان عدد كبير من نجوم اللعبة.

عودة محفوفة بالتحديات والفجوات العمرية

ويؤكد مدرب نادي ثقافي البيرة، عمر البرغوثي، أن توقف النشاط الرياضي منذ أواخر عام 2023 أحدث فجوة فنية وبدنية عميقة في مستوى اللاعبين نتيجة الغياب التام للبطولات الرسمية.

إعلان

ويوضح البرغوثي أن سياسة تقطيع أوصال الضفة الغربية ونشر الحواجز العسكرية الإسرائيلية جعلت من تنقل الفرق مهمة شاقة، مشيراً إلى أزمة أخرى تتعلق بالأجيال الكروية: "اللاعب الذي كان يبلغ من العمر 28 عاماً عند توقف النشاط أصبح اليوم في 31 دون خوض أي منافسة رسمية، بينما فقدت المواهب الناشئة أهم سنوات تكوينها الرياضي، وهي خسارة لا يمكن تعويضها بسهولة".

عودة نشاط كرة القدم الفلسطيني بعد انقطاع لنحو 3 سنوات (الأناضول )

ويلفت المدرب إلى أن الاتحاد الفلسطيني ينظم حالياً بطولات تجريبية للمناطق تمهيداً للاستئناف الرسمي، معرباً عن أمله في أن تمهد هذه الخطوة لعودة الموسم الرياضي بشكله الطبيعي العام المقبل، شريطة توفر الدعم اللوجستي والاقتصادي اللازم للأندية.

أزمة مالية تثقل كاهل الأندية

ولا تقتصر تداعيات التوقف على الجانب الفني، بل تمتد لتخنق الأندية مالياً بعد نضوب مواردها. وفي هذا السياق، يشير المشرف الرياضي في نادي ثقافي البيرة، محمد سدر، إلى أن قرار عودة النشاط أعاد الأمل للرياضيين، لكنه اصطدم بواقع اقتصادي مرير.

ويضيف سدر: "نواجه صعوبات جمة، أبرزها الارتفاع الباهظ في تكاليف إقامة المباريات الودية وصعوبة التنقل. لقد اضطر العديد من اللاعبين خلال فترة التوقف للبحث عن أعمال بديلة لتأمين لقمة العيش، وتركيزنا ينصب حالياً على إعادة تأهيلهم بدنياً بالاعتماد على أبناء النادي حصراً لصعوبة إبرام تعاقدات جديدة".

أحلام الاحتراف معلقة بانتظار الصافرة

وعلى الصعيد الفردي، تبددت طموحات العديد من المواهب الشابة، وهو ما يؤكده باسل حرباوي، لاعب المنتخب الفلسطيني للناشئين ونادي ثقافي البيرة، مبيناً أن الحرب لم تدمر الحجر فقط، بل أصابت الأحلام الرياضية في مقتل.

ويقول حرباوي إن غياب المنافسات الرسمية والبطولات التنافسية أجبر اللاعبين على اللجوء للبطولات الأهلية البسيطة للحفاظ على لياقتهم، مضيفاً: "حلمي بالاحتراف الخارجي تأثر بشدة، فالسنوات التي كان يُفترض أن نصقل فيها خبراتنا ضاعت في ظل التوقف". ورغم ذلك، يتمسك اللاعب الشاب بالأمل في أن تكون العودة المرتقبة خطوة نحو تمثيل المنتخب الوطني الأول وتحقيق حلم الاحتراف.

ثمن باهظ وخطوات تدريجية

وكان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قد رسم ملامح المرحلة القادمة، حيث أكدت الناطقة باسم الاتحاد ديما يوسف أن المرحلة الأولى من العودة في سبتمبر/أيلول ستكون "تنشيطية فقط"، ولن يُعتمد فيها نظام الصعود والهبوط، ريثما يتم ترتيب المشهد الرياضي وتأهيل المنشآت لإطلاق الموسم الثامن من دوري المحترفين العام المقبل.

إسرائيل دمرت مقر نادي الهلال وملعبه في قطاع غزة (اللجنة الأولمبية الفلسطينية) 

وكشفت يوسف عن حجم الفاتورة الباهظة التي دفعتها الرياضة الفلسطينية قائلة: "لقد دفعنا ثمناً غالياً خلال السنوات الثلاث الماضية، مع ارتقاء أكثر من ألف شهيد من الأسرة الرياضية، وإصابة وفقدان الآلاف، فضلاً عن تدمير شبه كامل للبنية التحتية الرياضية".

وتأتي هذه التحركات الكروية وسط واقع سياسي وميداني معقد؛ فبعد اندلاع الحرب في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تاركاً خلفه حصيلة ثقيلة تجاوزت 73 ألفاً شهيد و173 ألفاً جريح، في وقت تواصل فيه إسرائيل خروقاتها اليومية وتشديد حصارها الخانق، لتظل كرة القدم الفلسطينية تبحث عن مساحتها الخاصة للتنفس وسط هذا الركام.

إعلان

مقالات مشابهة

  • المقاومة الفلسطينية تنفذ 24 عملية ضد العدو الصهيوني بينها عمليتا طعن
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: مؤتمر القدس بالقاهرة جاء لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: إسرائيل تعطل تنفيذ خطة ترامب للسلام
  • رياض منصور : اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس يعكس دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية
  • أبو العينين : جامعة كيان تدعم بناء كوادر المستقبل وتواكب التحولات التكنولوجية
  • المطرب الشعبي شيكو ينجو من حادث سير: “اتكتبلي عمر جديد”
  • «أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل
  • محكمة الانقلاب الدستورية: بقايا الإنقاذ و”قضاة الدفاع الشعبي”..!
  • ملا طلال: 30 نائب وصلو الى مجلس النواب بشهادات مزورة ومحاولات لإخفاء القضية
  • حصار وملاعب مدمرة.. كرة القدم الفلسطينية تتحدى العدوان وتعود للحياة