في 27 أبريل/نيسان 1948، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بانتداب لجنة خاصة لفحص الوضع في فلسطين ووقف القتال. تشكلت اللجنة من قناصل 3 دول هي: الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبلجيكا، وهدفت إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ أمر وقف القتال، كما طُلب منها رفع تقرير حول الوضع في المدينة.

التأسيس

تشكلت لجنة الهدنة القنصلية في ظل تصاعد المواجهات بين العرب والعصابات الصهيونية المسلحة في فلسطين، في الأسابيع الأخيرة من فترة الاحتلال البريطاني.

وقد أنشأ مجلس الأمن هذه اللجنة بموجب القرار رقم 48 الصادر في 23 أبريل/نيسان 1948 من أجل احتواء "حالة الانفلات الأمني" ووضع حد للصراع الذي تفاقم قبل انسحاب القوات البريطانية في 14 مايو/أيار 1948.

تكوّنت اللجنة من قناصل الولايات المتحدة وبلجيكا وفرنسا في القدس، بعد أن اعتذرت سوريا عن المشاركة.

وكُلّفت اللجنة بالإشراف على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 46 (17 أبريل/نيسان 1948) المتعلق بوقف إطلاق النار، إضافة إلى رفع تقارير منتظمة حول الوضع.

واجهت اللجنة منذ البداية عقبات كبيرة، من أبرزها رفض المندوب السامي البريطاني في فلسطين، السير آلان كننغهام، الاعتراف الرسمي بها، كما امتنع عن توفير التسهيلات اللازمة لعملها.

وفي أحد اللقاءات الرسمية اتهم أحد القناصل الجانب البريطاني بالتغاضي عن اتساع رقعة القتال، مما زاد من تعقيد مهام اللجنة.

مشهد من تفجير العصابات الصهيونية المسلحة فندق سميراميس في القدس عام 1948 (غيتي)الأهداف

تمثّلت المهمة الأساسية للجنة في تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بوقف إطلاق النار، لا سيما في القدس، والعمل على التهدئة حتى التوصل إلى تسوية سياسية.

وقد مُنحت اللجنة صلاحية التنقل بحرية داخل فلسطين، والاتصال بجميع الأطراف، واقتراح إجراءات تنفيذية لوقف القتال.

في 29 أبريل/نيسان 1948 بعثت اللجنة القنصلية مذكرة إلى الملك عبد الله بن الحسين (عبد الله الأول) أبدت فيها قلقها من أنباء تتعلق بتحركات وشيكة للجيش العربي للدخول إلى فلسطين، وحذّرته من أن أي تدخل عسكري يُعد "تهديدا خطيرا للسلام"، داعية إلى الالتزام بقرار مجلس الأمن.

وفي 30 أبريل/ نيسان، رفعت اللجنة تقريرا إلى الأمم المتحدة أوضحت فيه أن القتال لم يتوقف في القدس ويافا ومناطق فلسطينية أخرى.

إعلان

ووصفت الهجمات التي شنتها العصابات الصهيونية، خصوصا على حي القطمون، بأنها أدت إلى سقوط 35 شهيدا من المجاهدين، ونزوح أكثر من 4817 عائلة فلسطينية من القدس وحدها.

الظروف التاريخية

تزامن تأسيس لجنة الهدنة مع تصعيد كبير بعد قرار تقسيم فلسطين (القرار رقم 181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، الذي نص على إقامة دولتين يهودية وعربية، مع تدويل مدينة القدس.

وبينما وافقت العصابات الصهيونية على القرار، رفضه العرب بمن فيهم الفلسطينيون، ورفضوا تدويل المدينة.

أوكلت الأمم المتحدة إلى اللجنة مهام مراقبة التنفيذ الفعلي لوقف القتال، ومحاولة نزع فتيل النزاع داخل القدس.

وقد عُيّن رئيس بلدي مؤقت لإدارة المدينة، لكنه استقال بعد فترة وجيزة بسبب الفوضى وتدهور الوضع الأمني والإنساني، مما زاد من خطورة الأحداث.

معركة القدس

شهدت القدس واحدة من أشرس المعارك في تلك المرحلة، وقدّمت لجنة الهدنة مقترحات عدة لوقف القتال، خاصة في الأحياء المختلطة.

في البداية أبدى الجانب الإسرائيلي استعدادا لقبول بعض صيغ الهدنة، بسبب تدهور موقفه العسكري، لكنه اشترط فتح ممر آمن يربط القدس بالساحل. أما العرب، فرفضوا فكرة تدويل المدينة، لكنهم أبدوا استعدادا لتجنب القتال داخلها.

تفجرت المعارك مباشرة بعد انسحاب القوات البريطانية في 14 مايو/أيار 1948، واستغل الاحتلال الإسرائيلي هذا الفراغ للسيطرة على أحياء عربية واسعة من المدينة، وسط تفكك الدفاعات الفلسطينية وتراجع التنسيق السياسي.

وقد سعت اللجنة مرارا للتدخل، لكن صلاحياتها المحدودة لم تمكّنها من فرض الالتزام بقرارات مجلس الأمن، وخصوصا القرار رقم 49 الصادر في 22 مايو/أيار، الذي دعا لوقف القتال في أجل 36 ساعة.

تقارير ومحاولات التهدئة

في 30 أبريل/نيسان، قدّمت اللجنة أول تقرير مفصل لمجلس الأمن، وصفت فيه الحالة الأمنية بـ"الكارثية"، كما أوضحت أن "الانفلات الأمني" قد يتسع ليشمل دول الجوار. كما رفعت لاحقا تقارير تشير إلى خرق الاحتلال الإسرائيلي المستمر لوقف إطلاق النار، وادعائه أن بعض الخروقات صدرت عن "مجموعات غير منضبطة"، وهي رواية رفضتها اللجنة.

اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 50 في 29 مايو/أيار 1948، داعيا إلى هدنة مدتها 4 أسابيع. وقد دخلت الهدنة الأولى حيّز التنفيذ في 11 يونيو/حزيران 1948، وتلتها هدنة ثانية بدأت في 18 يوليو/تموز 1948 بوساطة المبعوث الدولي الكونت فولك برنادوت. ورغم ذلك، استمرت انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي الذي توسع في السيطرة على مناطق جديدة.

اقترحت اللجنة في إحدى مسوداتها فرض قيود على تدفق الأسلحة، والسماح بعودة جزئية للاجئين تحت رقابة دولية، لكن الاحتلال رفض تلك البنود، وأصرّ على تفوقه الميداني.

أشارت دراسات حديثة إلى أن اللجنة كانت أداة غربية، أميركية خصوصا، لتقويض نفوذ الاتحاد السوفياتي في المنطقة، خاصة مع غياب تمثيل سوفياتي مباشر في القدس.

ورغم جهود اللجنة، فإن فشلها عكس محدودية فاعلية الأمم المتحدة في تلك المرحلة، وحوّل القضية الفلسطينية إلى ساحة مواجهة دولية وإقليمية مفتوحة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات لجنة الهدنة لوقف القتال مجلس الأمن القرار رقم مایو أیار فی القدس

إقرأ أيضاً:

أمين البحوث الإسلامية يجتمع بأعضاء لجنة مراجعة طباعة المصحف

عقد الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، صباح اليوم، اجتماعًا مع أعضاء لجنة مراجعة طباعة المصحف الشريف بالأزهر؛ لمتابعة أعمال اللجنة، والوقوف على مستجدَّات العمل بها، في إطار حرص الأزهر الشريف على خدمة كتاب الله تعالى وصيانته من الخطأ أو التحريف، وذلك بحضور الدكتور حسن خليل، الأمين العام المساعد للثقافة الإسلاميَّة بالمجمع، والدكتور عبد الكريم صالح، رئيس اللجنة، والشيخ حسن عبد النَّبي، وكيل اللجنة.

أمين البحوث الإسلامية يتفقَّد قافلة التوعية بموسم الحج في مطار القاهرة أمين البحوث الإسلامية يبحث مع مستشار المفوض السامي لشئون اللاجئين جهود التوعية الإنسانية

وفي مستهل اللقاء، رحَّب الدكتور الجندي بالأعضاء الجدد المنضمِّين حديثًا إلى اللجنة، مؤكدًا أهميَّة دورهم في دعم رسالة اللجنة واستكمال جهودها العلميَّة في مراجعة المصاحف وإجازتها وَفق الضوابط المقرَّرة.

مواصلة الجهود العلميَّة التي تضطلع بها اللجنة

وخلال الاجتماع، شدَّد على أهمية مواصلة الجهود العلميَّة التي تضطلع بها اللجنة، مؤكِّدًا ضرورة تعزيز الرقابة على أعمال طباعة المصحف الشريف وتداوله، واتِّخاذ الإجراءات اللازمة تجاه دُور النَّشر المخالفة للمعايير والاشتراطات المعتمدة؛ بما يسهم في الحفاظ على قدسيَّة المصحف الشريف.

كما ناقش الاجتماع أبرز التحديات التي تواجه عمل اللجنة خلال المرحلة الحالية، وبَحَثَ عددًا من المقترحات والرؤى المتعلِّقة بتطوير آليَّات العمل ورَفْع كفاءته؛ إذِ استمع الأمين العام إلى ملاحظات الأعضاء ومقترحاتهم بشأن سُبُل تعزيز أداء اللجنة وتوسيع الاستفادة من خبراتها العلميَّة المتخصِّصة.

وأكَّد أهميَّة مواصلة التنسيق بين أعضاء اللجنة وتكثيف الجهود العلميَّة لخدمة القرآن الكريم وعلومه؛ بما يعكس الدَّور التاريخي للأزهر الشريف في العناية بكتاب الله تعالى والحفاظ على سلامة طباعته ونَشْره.

وفي ختام الاجتماع، وجَّه الدكتور محمد الجندي بإعداد وإصدار سلسلة من المؤلَّفات العلميَّة المتخصصة تصدر باسم لجنة مراجعة طباعة المصحف الشريف بالأزهر، تتناول عددًا من العلوم المرتبطة بالمصحف الشريف؛ منها: الرسم العثماني والضبط، والقراءات وتوجيهها، والوقف والابتداء، والفواصل وعدُّ الآي؛ بما يسهم في إثراء المكتبة القرآنيَّة وخدمة الباحثين والمهتمِّين بعلوم القرآن الكريم.

 

مقالات مشابهة

  • الشويهدي: عازمون على استكمال عقبات القوانين الانتخابية
  • 500 شخصية دولية تدعم وثيقة «الاتحاد من أجل إيطاليا» لتعزيز الديمقراطية والحوار
  • رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
  • هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
  • توافقات انتخابية جديدة.. القوانين على «طاولة الحوار»
  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
  • أمين البحوث الإسلامية يجتمع بأعضاء لجنة مراجعة طباعة المصحف
  • إيران تدرس اتفاقا لوقف الحرب مع استمرار حالة الجمود
  • حزب ليبي: بيان «الأمم المتحدة» محاولة لمصادرة حق الشعب
  • مندوب الصين بالأمم المتحدة يدعو لوقف فوري لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من لبنان