المتغيرات النسقية في الشعر
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
آخر تحديث: 13 نونبر 2025 - 1:20 م د. كريم شغيدل ما الذي يجعل الشعر مغايراً؟ فإذا قلنا حديثاً فإننا نعني التزامن أو المعاصرة، وإذا قلنا محدثاً فإننا نعني إحداث تغيير ما في بنيته، وإذا قلنا حداثياً فهذا يحيلنا إلى تجليات الحداثة، والحداثة بمفهومها الغربي تعني التمركز حول العقل، فهل ثمة توصيف عقلاني للشعر؟ ليس بالضبط ولكن بالضرورة هناك شعر لعبت مظاهر الحداثة ونتاجاتها في بلورة منطلقاته، فما يسمى بثورة الشعر الحر كانت من نتاج تجليات الحداثة في تأسيس مفهوم الدولة الحديثة ومظاهرها ومتبنياتها المدنية، ويدخل التلاقح الثقافي من خلال الترجمة بوصفه العامل الأهم، كذلك قصيدة النثر، وقبلهما نوعاً ما الشعر المرسل، ومحاولات ما سمي بالشعر المنثور أو النثر المركز أو المشعور، بل إن تجربة لويس عوض التي سبقت تجارب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة قد بنيت على ترجمة حوارات مسرحية بطريقة التفعيلة، ومع مجمل التحولات الشكلية التي أنتجتها السياقات الثقافية المغايرة والتي كانت ساعية لانتقال المجتمعات من طور البداوة أو الريفية والأهلية (ما قبل الدولة) إلى طور الدولة الحديثة، بقيت الأنساق المضمرة المتوارثة قائمة إلى جانب بعض الأغراض التقليدية والمضامين الأيديولوجية أو المؤدلجة وهي ما يمكن عدها أنساقاً موضوعية معلنة.
إن المتغيرات الشكلية في البناء والإيقاع واللغة لم تخلق نصاً مغايراً، طالما كانت أنساقه متسقة مع ما يضمره الخطاب السلطوي المؤدلج المهيمن والمكتسب من البداوة أو البدائية البشرية حتى الاستبداد بكل مظاهره الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية، ولعل مغادرة الأغراض التقليدية كالمديح والرثاء والهجاء والفخر وغيرها أولى علامات المغايرة، لكن هل تخلصت القصيدة الحديثة من ذلك كلياً؟ لا طبعاً.. فإذا أمعنا النظر في شعر السياب والبياتي وغيرهما فسنجد الكثير مما يجسد تلك الأغراض وهي بالضرورة تستحضر كلما يكتنف وظيفة الشعر منذ الجاهلية حتى عصر النهضة، ربما تخلى البعض عن الوظيفة المباشرة للشاعر، لكنه لم يتخلَّ عن وظيفة الشعر في التمحور حول أغراض متوارثة تصريحاً أو تلميحاً ما أحدث خللاً بين شكل محدث يتمثل بعض تجليات الحداثة في الابتكار والقطيعة وأنساقها المضمرة من عنف وأنا متضخمة وعدوانية وإقصاء للآخر المختلف وتزلف وعصبية أيديولوجية/ قبلية وهو ما يشكل تضاداً مع مفاهيم المواطنة والمساواة والشرعية وقبول الآخر وحقوق الإنسان وأسس التمدن المتعالقة مع المظاهر الحضارية من تقنيات طباعية ووسائل نقل واتصالات وأضواء ومنشآت خدمية ومؤسسات تعليمية وصحية بدأت ملامحها بالتشكل. المتغير الحقيقي الذي يشكل معياراً للتحديث أو المغايرة هو المتغير النسقي، وهو ما ساعدت عليه عوامل عدة أهمها الفهم الوظيفي الجديد للشعر، فضلاً عن الخروج على وظيفة الشاعر الذي تخلخلت العلاقة بينه وبين السلطة كما تخلخلت علاقته مع الذات والآخر، فلم يعد ممجداً للحاكم ولم يعد مفتخراً بذاته وأناه ولم يعد مداحاً مأجوراً لا لفرد ولا لقبيلة (بعضهم استعاض عن القبيلة بالحزب) ولم يعد ذلك الفحولي المستبيح لأجساد النساء كامرئ القيس أو المنتقص من كرامة الآخر كجرير والفرزدق، الشعر بشكله العمودي في أغلب نماذجه لا يزال يحافظ على تلك الوظيفة بصورة مباشرة أو غير مباشرة كذلك شعر التفعيلة، مع وجود نماذج تسعى للمغايرة، أما ما سمي بقصيدة النثر وهي أقرب لتوصيفات الشعر الحر من شعر التفعيلة فهي قصيدة موقف من السلطة الكلية، أي سلطة الموروث والذائقة والمنظومة السلطوية برمتها، لذلك شهدت تحولات حقيقية داخلية نسقية وليس شكلية كما يظن أو يعتقد البعض، فلم تعد أنا الشاعر متضخمة إلا في بعض النماذج الواقعة تحت سطوة النسق، إذ أصبحت أنا منكسرة مخذولة متمردة صارخة باكية حزينة خائفة، وبدلاً عن تمجيد السلطة انتقل التمجيد للإنسان وتجسيد ما يعانيه جراء الحروب والتهميش والتجويع ومصادرة الحقوق والحريات والاستلاب والغربة، طبعاً لا أعني كل ما يكتب تحت مسمى قصيدة النثر، فثمة نثر لا يمت بصلة للشعر، وثمة شعر تفعيلة وأحياناً عمودي أقرب لروح الشعر الحر، ليس في شكله وإنما في موضوعاته وبنائه وتركيباته اللغوية ومعالجاته ورؤاه. قليلة هي نماذج قصيدة النثر، أعني ما ينطبق عليها التوصيف الدقيق للمصطلح بسماته الفرنسية (الكتابة السطرية، والكثافة، والمجانية..إلخ) بحسب متبنيات واستنتاجات سوزان برنار المعروفة، فالأنموذج العربي عموماً والعراقي بوجه خاص أقرب للشعر الحر الذي لا يعتد بوزن أو قافية، ونجد أن الكتابة السطرية لا تتوفر إلا في أنموذج النص المفتوح أو الشعر الحر، وقد تتوفر الكثافة لكن بطريقة كتابة مقطعية كأسطر قصيدة التفعيلة، أما المجانية فإنها نادرة جداً، وقلما يخلو نص بغض النظر عن شكله من غاية أو رسالة يراد إيصالها مهما أوغل في التجريد أو الغموض أو شعرية النثر بما تنطوي عليه من انزياحات لغوية أو دلالية.
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: قصیدة النثر الشعر الحر
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.