خليل المعلمي

لا يضيع حق وراءه مطالب، ولا تضيع الحقوق وراءها مقاومة واصرار وجهاد، وهكذا هي قضية فلسطين، القضية المحورية في العالم والتي تشغل وتخص أكثر من مليار مسلم فالمقاومة مستمرة والنضال مستمر والأمة ولادة بالمقاومين والمجاهدين والمناضلين في كافة المجالات، فنجد أن القضية الفلسطينية حاضرة في قلوب المسلمين والعرب بقوة الفعل الثقافي الذي يمثل جبهة لمواجهة الطغاة والمستعمرين، وهكذا يسعى المقاومون الفلسطينيون من خلال الثقافة لتعرية وفضح الكيان الاسرائيلي، وكذا التأكيد على حقوقه على أرضه والدعوة إلى مناهضة هذا الكيان بكافة السبل والطرق لينال حقوقه.


ومع كل جيل تظهر عدد من الأسماء والرموز الثقافية التي تقظ مضاجع الصهاينة وتؤرقهم، فترفع من مكانة المقاوم المسلح، وتدفع بالمقاومة إلى الأمام، وبدورنا يجب أن نسلط الضوء ونتحدث عن أحد هؤلاء الأسماء الذين صنعوا بأقلامهم ما يضاهي المجاهد المقاتل في الميدان.
الأديبة والروائية الفلسطينية بشرى أبو شرار دائماً ما تؤكد أن للأدب الفلسطيني واجب قومي أمام محاولات الكيان الصهيوني تهويد الأرض وسرقة التراث يتمثل في تجليات ودعم روح المقاومة، وترى أن الأدب في عالمنا هو العين الساهرة على كل التحديات التي قد تأخذنا إلى مترديات كما التحولات والاغتراب.
وتقول: هناك رواد أسهموا في التنوير وبلورة الوعي الوطني والقومي وبناء الحركة الثقافية في فلسطين، وعلى سبيل المثال لا الحصر «غسان كنفاني»، «مي زيادة»، «فدوى طوقان»، أدب المقاومة كان له أثر فاعل في تاريخ مقاومة الاحتلال وكما كتب مبدعنا ناجي العلي «إن عملي هو الرصد وكشف الألغام».
بشرى أبو شرار، كاتبة قصة وروائية، مواليد غزة بفلسطين، تلقت تعليمها قبل الجامعي في فلسطين، ثم أكملت تعليمها في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، هي ابنة القاضي محمد أبو شرار، والذي أكمل مسيرته الوطنية في المحاماة، وهو من دورا الخليل، حيث جاء إلى غزة، لاجئاً سياسياً في إطار تداعيات الثورة العربية، عمل في حياته مدافعاً عن قضايا المعتقلين في سجون الاحتلال، وكانت الكاتبة رفيقة له في ساحات المحاكم، فكان كل انتمائها لقضيتها ووطنها كما نهج والدها وأخوها الأكبر ماجد أبو شرار الذي تم اغتياله في روما، واستيقظت فلسطين على قصيدة محمود درويش:
«صباح الخير يا ماجد.. قم اقرأ سورة العائد.. وحث السير على بلد.. فقدناه بحادث سير..».
تعيش «بشرى أبو شرار» ما بين الأردن ومصر، وهي عضو في اتحاد كتاب مصر، عضو في نادي القصة في مصر، حصلت على ليسانس حقوق وتعمل بالمحاماة، وفازت بعدة جوائز أدبية مرموقة، ومن أعمالها «دورا» و»مدن بطعم البارود»، و«حتى الشمس ليست وحيدة»..
وعن الكتابة تقول: هي حروفي من دمي وروحي حين أعود إليها أصير هناك، وجروحي لي لم يتوقف نزيفها من ذاكرة تسكنني لن تغيب شمسها ولن يطالها أفول لكن الآن وبعد السابع من أكتوبر، في كل مساء وقبل أن يأخذني النوم بعيدا استحضر مدينتي من تحت الركام الطريق إلى بيت جدتي حيث الشجاعية جامع «فلسطين»، أرسم مسافاته ما بين بيتنا وطريق الوصول إليه، «مدرسة الشهيد مصطفى حافظ» هناك سننهض من تحت الركام.
في روايتها مرايا الروح أهدتها إلى مرأة وحيدة تعكس الماضي والحاضر أحياناً من مرايا الروح تلتحف الفراغ حين يصل بها إلى النهاية، تصف المشهد: تتهشم المرايا التي روحي وقلبي هناك أظل وأبقى أبحث عن ظلي على طرقات غیبت خطواتي، هذه هي الرواية الفلسطينية التي عبرت كل حدود الجغرافيا عبرت كل الأزمنة هي كنعان المرايا وفلسطين الروح، بحسب تعبيرها.
وتشير إلى أن الأدب النسوي في فلسطين انطلق منذ مطلع الثلاثينيات في القرن العشرين، وأن المرأة الفلسطينية لعبت دوراً مهماً في الحياة الإبداعية والذي تلقفت رايته في مراحل غاية في الأهمية، ومن أبرزهن الكاتبة «نجوى قعوار» التي قدمت «هنا القدس»، الأديبة «سلمى طوبي» شهيدة الإخلاص، «أسماء خوري»، «ثريا أيوب» «فدوى طوقان»، «سلمی خضر اليوسي»، «سميرة أبو غزالة، سحر خليفة»، وغيرهن، فكل كاتبة منهن لها مسيرتها المتفردة في عالم الإبداع لأن عالمهن هو قضية من وجع.
وفي حديثها عن جعل «فلسطين» كائناً حياً في معظم رواياتها تقول: الأمكنة في حياتي منذ نشأتي على أرض فلسطين أجدها نقشاً على حجرات قلبي، هناك حيث كنت تركت مطارح أقدامي، حين تأخذني مدن المنافي بعيداً لا أراها لم أر سوى فلسطين وطني الساكن في روحي وقلبي أرسم مدينتي بشوارعها، حواريها، ضواحيها، يحضر المكان، تحضر فلسطين طازجة على الورق أجمعها، فتصير رواية ذاكرة جمعية وإن سألنا لماذا؟ أجدني أقاوم وأستعيد ذاكرة تكالبت عليها أقصى ألوان القهر والتغريب والتذويب في روايتي «شمس» كانت الإطلالة في الإهداء إلى مدينة الحلم الطويل «غزة» هي «غزة» التي ستبقى ذلك الحلم البعيد المدي.
وتعتبر الأديبة بشرى أبو شرار أن الرواية الفلسطينية ذاكرة بديلة قادرة على توحيد صوت الجماعة في ظل التحولات الفردية والاغتراب الرقمي، وتقول: هو الأدب الذي له أثر باق فينا جيلاً بعد جيل، له عظيم الأثر في رصد الأحداث بروح جمعية وقد يكونون شخوصاً يسكنون ذاكرتنا منهم ننشد بوصلة الوصول، فالأدب في عالمنا هو العين الساهرة على كل التحديات التي قد تأخذنا إلى مترديات كما التحولات والاغتراب.
ويبرز حضور المرأة في أعمالها بوصفها شاهدة هل هذا فتؤكد على ذلك بالقول:
المرأة في عالمي هي أنا، وأنا التي تكتبني وقد أكتبها، أكتبها من خلال ثوابت نشأت بها وعليها، حين رأيت الحياة رأيتها من عين أمي هي التي أخذتني إلى عالم كتب على عتبة بيت جدتي كنت ألوذ إليها لأحمل من دفئها ما يزيح صقيع وقتي، المرأة تشكلت في قلبي من عالم والدتي وأنا تشكلت كياناً من عقل حيث مدن المنافي البعيدة
صرت في غربة واغتراب وأنا لا حيلة لي سوى أن أكتبني.
وتشير بشرى أبو شرار إلى أن مكانة الأدب الفلسطيني بين أبناء الجيل الجديد من القراء العرب، فالماس يبقى نورها في قلب كل متلقي، الأدب الفلسطيني سيظل ويبقى أسطورة خالدة عبر كل الأزمنة، وترى أن الكتابة عالم له أسراره وشفراته الخاصة به عالم الكتابة روح الوجود في حياة نعيشها، «أنا أكتب إذن أنا موجود»، المعاناة هي التي تشكل ذات الكاتب فهو يكتب في نزهة هو يكتب من روح الوجع نحن في عبق فلسطيننا نكتبها ونشكل أجمل أيقونة في قلب كل فلسطيني، نشكل إنساناً حقيقياً في هذا العالم يعيش إنسانيته التي ترفض الظلم الأبدي.
وتؤكد أن الحدود الفاصلة بين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية في مسيرتها الروائية هي التجربة التي تكتبها ويكون الهدف منها بناء الذات ورأب تصدعاتها، ليس كل ما نواجهه في حياتنا يصلح للكتابة، نكتب من مساحات نور تزيح عتمة المتلقي وتعيد بناءه وتعيد إليه ذاته وقوته وحياة يتمناها من موروثه الحضاري هذه حدودي وثوابتي وأتمنى أن أوفق في مشواري، بحسب تعبيرها.
وعن مستقبل الأدب الفلسطيني تؤكد الأديبة «بشرى أبو شرار» أنه كما الأدب في جميع أنحاء هذا العالم، قائلة: لكن حين نأخذ الهوية الإبداعية في هذا السياق، أقول إننا منذ بدانا مشوارنا الأدبي ونحن نعيش كل هذه الترديات حتى وإن وصلت سرعتها ما يفوق الصوت، فيا جبلا لن تهزك الرياح، نحن باقون على دربنا وثوابتنا كما نور الشمس وكما قمر يأتي إلينا ويهدينا نورا لن تصله العتمة.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • سنقاوم ولقد تعلّمنا الدرس من فلسطين
  • باحثون يطوّرون مركبات دوائية مبتكرة للحد من مقاومة السل
  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • مسؤول إيراني: إيران في مقدمة جبهة المقاومة مع فلسطين ولبنان واليمن
  • وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي
  • بشرى سارة للمنتخب الإسباني قبل كأس العالم 2026
  • مقاومة الجدار والاستيطان: الاحتلال يستولي على أراضٍ بحجة الاستملاك في بيت لحم
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض