صورة لـ عمر التيجاني (Omar Al-Tijani)
تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT
صورة لـ عمر التيجاني (Omar Al-Tijani)
عُمَر التيجاني الطالب الذي ترك مقعد الهندسة ليحرس سراييفو بالدم.
لم يكن اسمه مشهورًا ولم يكن يبحث عن بطولات.
شاب سوداني بسيط من الخرطوم، سافر إلى يوغسلافيا قبل حرب البوسنة للدراسة الجامعية، وكان يدرس الهندسة في جامعة سراييفو بالفعل.
عندما اندلعت الحرب في أبريل 1992 وبدأ حصار سراييفو -أطول حصار في تاريخ أوروبا الحديث- كان عمر داخل المدينة يسمع القذائف تهوي فوق الأسطح التي كان يجلس تحتها يحل مسائل الكهرباء والرياضيات.
وجد نفسه في مدينة تُقصف ليل نهار، فاختار أن يلتحق بالمقاتلين البوشناق وعدد من المتطوعين العرب الذين عُرفوا لاحقًا باسم:
“مجموعة المجاهدين العرب” (قبل إنشاء كتيبة المجاهدين رسميًا عام 1993)
منع الهرب ورفض النجاة!
كان يستطيع الهرب.
كان يستطيع العودة لبلده سليماً.
لكن بعض النفوس خُلقت لتقف في المكان الذي يُختبر فيه معنى الرجولة.
اختار عمر أن يبقى.
تحرك في خطوط النار الشرقية والغربية، شارك في الدفاع عن الحي، حمل المؤن، نقل الجرحى، ووقف في المراصد الجبلية تحت القصف اليومي.
“ذلك السوداني النحيل كان يثبت في الجبهة كأنه واحد من أبناء سراييفو”.
– شهادة البوشناق.
– استشهاده وبطولته:
قُتل تقبله الله بقذيفة مدفعية سنة 1994، أثناء دورياته على أحد خطوط الدفاع الشرقية حول سراييفو، واعُتبر ضمن الشهداء العرب الذين دُفنوا في مقبرة “كوفيتشي” الشهيرة.
رحل عمر في لحظة خاطفة لكن أثره بقي طويلًا في المدينة التي أحبته، واحتضنت اسمه في ذاكرة المدافعين.
دُفن كما يُدفن الرجال الذين قاتلوا بشرف، وأدرج اسمه لاحقًا ضمن قائمة الطلبة الأجانب الذين قُتلوا دفاعًا عن سراييفو أثناء الحصار.
– التكريم بعد الحرب:
بعد انتهاء الحرب، كرّمته جامعة سراييفو ضمن “طلاب سقطوا دفاعًا عن المدينة”
تكريم محلي يُذكر في سجلات الذاكرة الجماعية
وهذا التكريم تردد لاحقًا في بعض الروايات الشعبية على أنه “دكتوراه فخرية”، لكن لا توجد وثيقة أكاديمية رسمية تؤكد ذلك.
المؤكد أن الجامعة خلّدت اسمه في سجل الطلاب الذين قاتلوا وماتوا في سبيل المدينة
شرف أعظم من آلاف الألقاب الورقية.
لماذا بقيت قصته؟
لأنه يُعد رمزًا معنويًا للمجــ ــاهدين العرب في البوسنة.
الكثير من البوشناق لا يزالون يذكرونه مع فخر وحسرة، كطالب جاء من بعيد ليساعد أهلًا ليس من بلده، وضحّى من أجل معتقده وإنسانيته.
لأنه كان نموذجًا للذين لا يسألون المدينة “من أنتِ؟ وما وطنكِ؟”
بل يسألون أنفسهم “هل أستطيع أن أترك المذبوحين وحدهم؟”.
عمر التيجاني لم يكن بطلًا مصنوعًا من الإعلام
كان بطلًا من لحم ودم
من تراب ودموع
من رجلٍ آمن أن الإنسانية لا جنسية لها.
وفي مدنٍ تختبر قيم البشر، يبقى عمر واحدًا من الذين كتبوا أسماءهم بالكرامة، لا بالحبر.
????: مصادر وتوثيق.
• شهادات مقاتلين بوشناق وعرب عن المتطوعين الأجانب في سراييفو (1992–1995).
• سجلات جامعة سراييفو الخاصة بتكريم الطلبة الذين قُتلوا خلال الحصار.
• مقابلات شفوية مع بوشناق خدموا في خطوط الدفاع الشرقية.
• وثائق “Bosnian Foreign Volunteers” بعد الحرب.
• أرشيف Sarajevo Siege Memorial.
ــــ
✍️: مازن زين إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.
ملامح غير مألوفة في الفن الملكيمن النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.
ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.
القائد الذي أعاد رسم حدود مصرلم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.
ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.
ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولةإلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.
هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.
تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرىيُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.
ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.
واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.
الملك سينوسرت الثالث