العراق يوظف أكثر من مصر والسعودية مجتمعتين.. استنزاف للخزينة بلا إنتاج
تاريخ النشر: 24th, October 2025 GMT
مع وصول عدد الموظفين في القطاع العام العراقي إلى ما يقارب 5 ملايين موظف، باتت وزارات الدولة تعاني من ترهّل وظيفي كبير يعرقل عمليات الإنتاج ويرهق خزينتها، ويستنزف أكثر من نصفها، في حين لا تحقّق مؤسساتها الصناعية والتجارية والمالية عائدات تكفي على أقل تقدير لتأمين رواتب العاملين فيها.
تحول التوظيف لـ"أداة إعالة جماعية"
كشف عضو اللجنة القانونية النيابية، النائب سالم إبراهيم العنبكي، في وقت سابق، عن وصول العراق إلى ذروة الترهل الوظيفي، وهو ما يهدد خزينة الحكومة التي تعتمد بنسبة 93 بالمئة من إيراداتها على بيع النفط الخام.
وتتجسد في بعض مؤسسات الدولة مشاهد توصف بالـ"الدرامية" بسبب اكتظاظ الموظفين داخل الغرف، حيث إن بعض الموظفين لا يجدون مكاناً يجلسون فيه، وآخرون يتناوبون على الجلوس، فيما يضطر بعضهم إلى شراء المقاعد وجلبها للمؤسسة عقب تدوين أسمائهم عليها كي لا يشغلها سواهم.
وفي السياق نفسه، يعود إقبال المواطنين على الوظائف الحكومية لأسباب عديدة، منها تفشي البطالة وعدم وجود دعم حكومي للقطاع الخاص أو قانون ينظم عمله، إضافة إلى الراتب التقاعدي الذي تضمنه الحكومة للموظفين.
الدولة الأكبر بعدد الموظفين
في تقرير نشرته مؤسسة "عراق المستقبل" المعنية بالشؤون الاقتصادية، كشف التقرير أنّ: "العراق يعد الدولة الأكبر عددًا بالموظفين الحكوميين نسبة إلى مجمل القوى العاملة، واستنادًا إلى دراسة أعدتها منظمة العمل الدولية. هذا واقع لا يُعدّ إنجازًا في حد ذاته، بل مؤشر على أزمة هيكلية في بنية الاقتصاد العام للدولة".
المستشار الاقتصادي، زياد الهاشمي، وفي تصريح خاص لـ"عربي21"، أكد بالقول إنّ: "جذر هذه المشكلة يعود لضعف دعم الحكومة العراقية لتوسع القطاع الخاص، والذي كان يمكن أن يخلق عشرات الآلاف من الوظائف التي تستقطب شريحة واسعة من الباحثين عن عمل".
وأضاف المستشار الهاشمي لـ"عربي21"، أنّ: "تطوير القطاع الخاص كان من الممكن أن يخفّف من عبء التوظيف عن الحكومة، الأمر الذي خلق طبقة وظيفية حكومية زائدة عن الحاجة، باتت تشكل إرهاقًا مزمنًا للمالية العامة للدولة، والتي تعاني أساسًا من انخفاض في مستوى العوائد نتيجة انخفاض أسعار النفط"، لافتا إلى أن العراق تجاوز كل الدول العربية في حجم التوظيف الحكومي بالنسبة لعدد السكان، في حالة مرضية مزمنة التي تضرب عمق الاقتصاد العراقي".
وبحسب تقديرات حديثة، فإنّ مؤسسات الدولة العراقية تضم أكثر من خمسة ملايين موظف حكومي، أي ما يتجاوز 11 بالمئة من مجموع السكان، في حين لا تتجاوز النسبة في مصر ذات الـ116 مليون نسمة 5 بالمئة، وتنخفض في السعودية إلى 3 بالمئة، وفي الجزائر إلى 2 بالمئة، فجوة لا تعبّر فقط عن توسّع الجهاز الإداري العراقي (المستهلك وليس المُنتج)، بل تكشف تحوّل الوظيفة العامة إلى أداة سياسية واجتماعية قبل أن تكون اقتصادية أو خدمية، وفق ما أكده الخبير الهاشمي.
???? العراق يتجاوز كل الدول العربية في حجم التوظيف الحكومي بالنسبة لعدد السكان، في حالة مرضية مزمنة تضرب عمق الاقتصاد العراقي!
???? حيث سجل العراق أكثر من 5 مليون موظف حكومي بنسبة تتجاوز 11% من عدد السكان في حين ان مصر سجلت 5% وهي صاحبة 116 مليون نسمة، والسعودية 3% والجزائر 2%!
????… pic.twitter.com/jsXiXeHn3l — زياد الهاشمي (@ziadalhashimi) October 23, 2025
عدد الموظفين ثلاثة أضعاف الحاجة الفعلية
وزير العمل والشؤون الاجتماعية العراقي، أحمد الأسدي، قال إنّ: "عدد الموظفين والمتقاعدين في العراق تجاوز ثمانية ملايين شخص، في رقم غير مسبوق يعكس حجم العبء المالي على الموازنة العراقية واتساع الإنفاق التشغيلي لتغطية الرواتب والمخصصات، وفقاً لمتخصصين".
وأكد في تصريح منذ نحو عامين أنّ: "عدد الموظفين بلغ ثلاثة أضعاف الحاجة الفعلية، وهو ما يطرح التساؤل عن النسبة الحالية هذا العام؟!.".
وفي السياق ذاته، أكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، عبد الله الدردري، أنّه: "من غير المنطقي وجود 8 ملايين موظف عراقي في البلد يبلغ عدد سكانه 45 مليون نسمة، فيما يوجد في الولايات المتحدة 2.5 مليون موظف فقط رغم الكثافة السكانية لأمريكا والتي تتجاوز الـ350 مليون نسمة".
وأضاف الدردري في لقاء له مع شبكة "سي إن إن" الاقتصادية، أنّ: "هكذا أعداد من الموظفين باتت تستنزف إيرادات العراق بدلاً من ذهابها إلى الاستثمار"، مشيرا إلى أنّ: "العراق الذي يطفو على بحر من النفط يعاني من نقص في الطاقة وتدهور في الخدمات، كما وأن السكان يشكون العطش رغم وجود نهرين فيه، مشدداً على ضرورة تحسين الإنفاق الحكومي الذي يتجاهل تطوير القطاع الخاص".
استغلال العاطلين عن العمل انتخابيًا
لطالما بدت ورقة الوظائف الحكومية هي الأكثر حضوراً في الحملات الانتخابية التي تقودها القوى السياسية المختلفة في العراق طوال العشرين عاماً الماضية، حيث أعاد الاقتصاد السياسي تعريف التوظيف العام على أنه وسيلة لشراء الولاء الحزبي، وربط شرائح واسعة من المواطنين بمصالح السلطة الحاكمة.
وأكّد الخبير الاقتصادي، زياد الهاشمي. أنّ: "موارد الدولة تُستغل ليس لتعزيز الأداء أو رفع الإنتاجية، بل لغرض التكسب الشعبي وربط أكبر عدد ممكن من الناس ببقاء المنظومة السياسية".
من جهتها، النائبة السابقة في البرلمان، شروق العبايجي، قالت إنّ: "وعود التوظيف دعاية "مضللة" للشعب العراقي، ومحاولات للكسب فقط، تُطلق للناس المحتاجين". وتابعت أن "العاطلين من الشباب يتعلقون بخيط الأمل كون موقفهم ضعيف، على الرغم من علم الجميع أن موازنة البلد، كما هو معروف، لا تتحمل الوظائف الحكومية".
وأردفت أنّ: "التوظيف بات يبنى على أسس حزبية ومحاصصة، وقد أنتج مؤسسات دولة مترهلة بسبب توزيع الوظائف بين الأحزاب التي هيمنت على المشهد السياسي".
إلى ذلك، إنّْ الاستخدام السياسي للوظيفة قد أنتج ما يُعرف بالبطالة المقنّعة، حيث يشغل آلاف الموظفين مناصب بلا مهام فعلية، أو بأدوار مكرّرة داخل دوائر متضخمة إداريًا. تقديرات وزارة التخطيط نفسها تفيد بأن أكثر من نصف الوظائف العامة لا تُسهم في الناتج المحلي بصورة مباشرة، فيما كشفت دراسة أجرتها كلية اقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين العراقية أنّ: "الإنتاجية الفعلية للموظف في العراق لا تتجاوز الـ17 دقيقة يوميًا، ما يجعل الإنفاق التشغيلي في العراق واحدًا من الأعلى في المنطقة مقارنة بحجم الناتج".
ومنذ عام 2004، أي بعد عام على الغزو الأمريكي للعراق وحتى عام 2019، بلغت نسبة الزيادة في موظفي الدولة العراقية 400 في المئة، وفق تصريح لرئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي، مشيرًا إلى أنّ: "القطاع العام يشكّل ثلثي الموازنة العراقية، وتشرح مها قطّاع، منسقة العراق في منظمة العمل الدولية، بالقول إن ذلك يجعل من النسيج الاقتصادي هشًا في بلد يوظف فيه القطاع العام إحدى أعلى النسب في العالم من السكان الناشطين اقتصاديًا".
تضخم الدين وعجز الموازنة
توسّع الجهاز الوظيفي في العراق ترافق مع تضخم الدين العام وعجزٍ مزمن في الموازنة، وتشير بيانات رسمية إلى أن الديون الداخلية بلغت نحو 97 تريليون دينار، فيما تجاوزت الديون الخارجية 34 مليار دولار، جزء كبير منها مرتبط بتمويل الرواتب والمتقاعدين.
وفي إجابة على سؤال نيابي، كشف البنك المركزي العراقي أن ديون العراق الداخلية تجاوزت 91 تريليون دينار، وأوضح أنّ: "تغطية عجز الموازنة عن طريق القروض وإصدار السندات يعد غير ممكن، لكون قانون الموازنة قد أجاز لوزارة المالية إصدار سندات بسقف 5 تريليونات دينار".
أما بالنسبة للدين الخارجي، وفق الوثيقة المنشورة في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، فقال إنّ: "حجم الدين الخارجي يبلغ 54.957 مليار دولار أمريكي، بينما بلغت "قيمة السندات التي اشتراها العراق في الولايات المتحدة الأمريكية 11 مليار دولار"، حسب وثائق المركزي.
جردة حسابات أثارت لغطًا ومخاوف من تدهور الوضع الاقتصادي، مع إخفاق حكومة محمد السوداني في إرسال جداول موازنة العام 2025، الذي شارف على الانتهاء، ويرى اقتصاديون أن الدولة باتت رهينة لكتلة الرواتب، وأن أي انخفاض في أسعار النفط يهدد قدرتها على تسديدها، ما يضع الاستقرار المالي في دائرة الخطر الدائم.
يختصر زياد الهاشمي جوهر الأزمة بقوله إنّ: "الكلفة المترتبة على هذا المسار هائلة ومرهقة لمالية الحكومة، وهي السبب الرئيس في خلق العجز المالي وتوسع الدين العام"، وهذا الوصف يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة نفسها؛ فحين تصبح الوظيفة العامة وسيلة لتوزيع النفوذ، لا أداة لبناء الدولة، تتحول كل موازنة إلى مرآةٍ للشلل الإداري.
ومع قطاع خاص شبه مشلول، وبلد بات مستهلكًا وليس مُنتجًا، بالتزامن مع ارتفاع عدد الخريجين إلى أكثر من 250 ألف خريج سنويًا، يتعثر 74 بالمئة منهم بالبطالة، أصبحت الحكومة بين قبضتي كماشة: أزمات مالية دفعتها لإيقاف التعيينات لـ 3 سنوات، وبين غضب يسود الشارع نتيجة ارتفاع نسب الفقر وعدم شعور شريحة الشباب بالاستقرار،
خاصة وأنه وفق جُملة من التقارير، المتفرّقة، إنّ: "الحكومة ما عادت قادرة على مواصلة الاقتراض لتأمين زيادة النفقات، حيث ما زال التصنيف الائتماني في العراق ضمن منطقة (الخطر المرتفع) وبدرجة واحدة عن منطقة التعثر المالي، رغم ما قيل عن تحركات رسمية عراقية لإصلاح النظام المصرفي والاقتصادي، تصنيف يطيح على المدى القريب بآمال كسب ثقة المستثمرين لتأمين تدفق المشاريع نحو البلاد، وعليه سيبقى العراق رهين مصدر تمويل واحد وهو النفط الخاضع لمتغيرات السياسة الدولية".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية العراقي الموازنة العراقية العراق موازنة العراق موظفو العراق المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة عدد الموظفین ملیون نسمة بالمئة من فی العراق أکثر من إلى أن
إقرأ أيضاً:
وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
واشنطن – متابعات تاق برس – قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في جلسة استماع بالكونغرس، إن السودان تحول إلى صراع بالوكالة لأن “الإمارات والسعوديين على جانبين متعاكسين فيه، وقال لدينا آلية لتقديم المساعدات للسودان ولكن المشكلة في آلية التوزيع.
وقال إنه عقد اجتماع بالأمس حول السودان، وانهم منخرطون في الازمة السودانية وأشار الى ان التعقيد والتحدي الجوهري في السودان يتعلق بتوزيع المساعدات على الأرض.
واضاف روبيو” نحن نهتم بمناطق قد لا تكون مرتبطة بمصالحنا الدولية، ولكنها تتعلّق بمصالحنا الوطنية ، السودان على سبيل المثال والرباعية كانت أمر صعب للغاية ومحبط ، للأسف تحوّل الأمر لوضع وكالة في الشرق الأوسط، تقف السعودية والإمارات على طرفي نقيض ، بذلنا جهد كبير في مؤتمر برلين وتلقينا التزامات لمرحلة ما بعد حلّ النزاع.
وأشار إلى أنهم ناقشوا مع “طرفي النزاع” تحديد 4 مناطق آمنة يمكن للناس الحصول على المساعدات الإنسانية عبرها وتتمكن المنظمات الدولية المتعاقدة مع الولايات توصيل مساعدات إليها بدون نهبها او قصفها او قتل موظفيها، وأضاف “من الأمور المحبطة لنا باستمرار هو عدم التوصل لاتفاق سلام في السودان.
وأضاف خلال جلسة استماع بالكونغرس، أن المشكلة في السودان تكمن في صعوبة توزيع المساعدات على الأرض، وتابع “ما نحاول القيام به هو تحديد 4 مناطق آمنة لتوزيع المساعدات”.
في السياق ، أكد نيك تشيكر، المسؤول الأمريكي السابق في مكتب الشؤون الأفريقية، مبادرات السلام المدعومة من واشنطن، بما في ذلك الجهود المبذولة لدعم تنفيذ اتفاقية السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، والجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان.
وقال وفي كلمته في منتدى يوم أفريقيا الذي استضافته بعثة الاتحاد الأفريقي في واشنطن إن الولايات المتحدة ستسعى إلى بناء علاقة أكثر واقعية وقائمة على المصالح مع الدول الأفريقية، تركز على التجارة والأمن والاستثمار، بدلاً من أطر المساعدات والتنمية التقليدية.
وأكد الدبلوماسي الأمريكي أن الولايات المتحدة لن تسعى لإجبار الدول الأفريقية على الانحياز لأحد الأطراف في التنافس بين القوى الكبرى، بما في ذلك الصين وروسيا.
وتابع: “في غياب رابط واضح بالمصالح الوطنية الرئيسية، فإن هدفنا هو قبول الخيار الاستراتيجي لأفريقيا بالتحوط بدلاً من الانخراط في منافسة محصلتها صفر في كل مكان”.
وقال إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعيد صياغة انخراط الولايات المتحدة مع أفريقيا حول ما وصفه بـ”المعاملة بالمثل والاحترام المتبادل”، وتعزيز المصالح الوطنية الأمريكية.
وأضاف تشيكر: “نحن نشهد تحولاً جذرياً في العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الأفريقية، من علاقة قائمة على التبعية إلى علاقة قائمة على التجارة والاستثمار والشراكة ذات المنفعة المتبادلة”.
وقال إن المساعدات الخارجية الأمريكية ستُقيّم بناءً على مدى تحقيقها للمصالح الأمريكية، مرددًا بذلك تصريحات سابقة لوزير الخارجية ماركو روبيو بأن المساعدات يجب أن تخدم الأهداف الاستراتيجية الأمريكية.
وأضاف: “المساعدات الخارجية ليست صدقة، بل هي أداة من أدوات الدبلوماسية الأمريكية وفن الحكم”، وفيما يتعلق بالأمن، قال تشيكر إن واشنطن ستركز جهودها على منع التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة ودعم الشركاء الأفارقة الذين يُظهرون القدرة والالتزام على مواجهة تحدياتهم الأمنية.
وأشار إلى أن الإدارة مستعدة أيضًا للتواصل مع الحكومات التي كانت معزولة سابقًا من قِبل واشنطن، مستشهدًا بتجدد التعاون مع دول منطقة الساحل.
السعودية والاماراتالسودانوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو