مع تحدي السياحة.. هل يحافظ دير سانت كاترين بعمر 1500 عام على سكينته؟
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
يشتهر دير سانت كاترين الكائن تحت سفح جبل سيناء في مصر بما ينعم به من سلام مقدس، غير أنه يستعد الآن ليفتح أبوابه أمام الجمهور.
تم تأسيس الدير، الذي يتبع المذهب الأرثوذكسي، في القرن السادس الميلادي، ويعد واحدا من أقدم الأديرة المسيحية المأهولة باستمرار في العالم.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2"باب البحر" في مدينة تونس العتيقة لا يطل على البحرlist 2 of 2ليبيا تعلن اكتشاف موقع أثري جديد في مدينة شحات شمال شرق البلادend of listويؤمن أتباع الديانات بأن الله تجلى للنبي موسى عند جبل سيناء، كما تلقى موسى الوصايا العشر هناك.
وبالقرب من الجبل تم بناء الدير، الذي يعود تاريخه إلى نحو 1500 عام، في المكان الذي ينتهي فيه الوادي ويبدأ جبل سيناء. ويعرف الدير بين المؤمنين بأنه يحتوي على آثار القديسة كاترين التي عاشت في مدينة الإسكندرية المصرية، كما تحتوي مكتبته القديمة على مخطوطات نادرة تجتذب الكثير من الحجاج.
وفي هذا المكان يمكنك أن تشعر بالقرب من الله، وتملأ محبته قلبك بدرجة تفوق الكثير من الأماكن الأخرى، وفيه تهب نسائم رقيقة قادمة من صخور جرداء ذات لون بني مائل إلى الحمرة، وهي نسائم تجعل شجيرات الورد وأغصان أشجار الزيتون تتمايل.
وإذا أتيحت لك الفرصة لأن تقضي بضعة أيام في هذا المكان، فإن جل ما ستشعر به هو السكينة، حيث يتجمع الدين والتاريخ والطبيعة معا في مزيج غامر مدهش.
بيد أنه إذا نظرنا إلى أسفل سيطالعنا الوادي الرحب الذي أصبح اليوم يعج بالخرسانة والحاويات ومركبات التشييد، حيث تستعد مصر لغد حافل بالسياح.
وقد تم التخطيط لبناء مجموعة من الفنادق والفلل لتوفير ألف غرفة لاستضافة الزوار، بالإضافة إلى إعداد ممشى للتنزه وسوق وساحة للسلام ومركز للزوار، وتم بالفعل وضع لافتة توضح هذه المعالم الجديدة.
وتحتفل الحكومة بمشروع البناء الذي من المقرر انتهاء العمل فيه في أكتوبر/تشرين الأول 2026، ويوصف المشروع بأنه "هدية مصر إلى العالم بأكمله ولجميع الأديان".
إعلانكما تم التخطيط لإقامة متحف ومسرح، بالإضافة إلى مركز للمؤتمرات ومطاعم، ويتم كذلك رصف الطرق وتوسيع مطار يقع على مسافة قريبة لا يعمل حاليا، ومن المتوقع أن تبلغ التكلفة 220 مليون دولار.
وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن المشروع "سيكون مقصدا رائعا لجميع الزوار"، سواء أتوا لأسباب دينية أو ترفيهية أو للاستمتاع بجمال الطبيعة.
وتوضح وسائل الإعلام المرتبطة بالدولة أن الهدف من هذه المشروعات يتمثل في "استثمار سحر المنطقة" وتحويلها إلى "مقصد لا بد من زيارته"، وقد انضمت بالفعل إلى المشروع سلسلة فنادق ألمانية كبرى.
لكن هناك سؤالا يطرح نفسه في هذا المقام، وهو: هل يمكن لدير يشتهر ويزدهر بالسلام والعزلة أن يتكيف مع هذا العدد الكبير من الزوار؟ وألن يصبح الموقع الديني، الذي يزوره بعض السائحين من آن لآخر، مجرد موقع سياحي توجد به فقط بضعة معالم دينية جذابة؟
ويرد الأب جوستان، وهو واحد من بين 22 راهبا يعيشون في دير القديسة كاترين، قائلا: "يجب إيجاد توازن دقيق بين أن يكون الدير مفتوحا ويسهل الدخول إليه إلى حد ما، وبين أن يتم الحفاظ على أوقات الهدوء والعزلة التي سادت عبر تاريخه".
ويبدأ الرهبان يومهم في الرابعة صباحا، ويعيشون وفق "جدول معقد تم وضعه منذ قرون"، وفقا لما يقوله الأب جوستان، موضحا أن الدير يفتح أبوابه للزوار لمدة 3 ساعات يوميا في الوقت الحالي.
لكن التغيير قادم في الطريق، وفي هذا الصدد تقول منظمة "متابعة التراث العالمي"، التي تكرس نشاطها لحماية مواقع التراث العالمي المدرجة في قائمة اليونسكو، إن المشروع "يشكل أكبر تناقض ممكن مع ما تمثله المنطقة أصلا"، وقد أدرجت المنطقة في قائمة اليونسكو عام 2002.
ودعت اليونسكو الحكومة المصرية إلى أن تقدم خطة للحماية، وأن توقف أعمال التشييد مع السماح للمراقبين بدخول المنطقة، غير أنه لم يتحقق أي من ذلك حتى الآن.
وواجه البدو في المنطقة منذ زمن طويل واقعا جديدا، وينحدر أفراد قبيلة الجبلاية من سلالة الجنود البيزنطيين الذين أرسلوا في القرن السادس الميلادي لحراسة الدير، ويعتقد أنهم أقدم قبيلة في المنطقة.
ويأتي اسم الجبلاية من الكلمة العربية "الجبل"، إذ إنهم يعيشون في منطقة جبلية.
وقد جعل أفراد القبيلة بناء الدير وتشغيله ممكنا في المقام الأول، حيث عملوا حراسا ومرشدين في جولات الزوار بالمنطقة الجبلية، وسائقين للجمال.
أما الآن، فقد تم هدم بيوتهم خلال أعمال تشييد المشروع الجديد.
وحلت مكان منطقة المدافن ساحة لانتظار السيارات، ويقول أحد البدو عن أنشطة الحكومة في المنطقة: "إنهم يتجاهلون الجميع".
وتواجه منطقة دير سانت كاترين خطر أن تصبح مثل منتجع شرم الشيخ الكائن في جنوب سيناء، أي مكانا تقام فيه الفنادق ذات الخمس نجوم، ويستضيف السياح الذين يكتفون بالبقاء داخل فنادقهم.
إعلانوفي المنطقة السفلى من الدير يمكن سماع ترديد ترانيم الرهبان عبر مكبر للصوت في المتجر الصغير الملحق به، وتفوح في الجو رائحة الشموع المحترقة التي وهبت نذرا للدير.
وداخل عدد قليل من الغرف في المنطقة العلوية من الدير توجد المكتبة التي تضم أكثر من 3300 مخطوطة قديمة، يقال إن قيمتها تضاهي قيمة المخطوطات التي يحتفظ بها الفاتيكان.
ويقول أحد الرهبان، وهو يضع يديه على صدره: "عليك أن توفر الحماية للزوار الذين يأتون إلى هنا ليشعروا بشيء من الراحة والسكينة تملأ أنفسهم وقلوبهم، وإذا لم يتم حمايتهم فسيصبح الدير مجرد معلم سياحي جذاب".
وفوق جبل سيناء يبدو كل شيء كما كان عليه دائما، بينما يشعر البعض بعد صعود شاق للجبل، وكأن الطاقة الكامنة في القديسة كاترين قد انبعثت في أجسادهم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات أمكنة دیر سانت کاترین القدیسة کاترین فی المنطقة جبل سیناء فی هذا
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.