روزي جدي روائي وصحافي تشادي، فازت روايته "زمن الملل"، الصادرة عام 2021، بجائزة غسان كنفاني في الأدب ضمن جوائز فلسطين الثقافية التي تنظمها مؤسسة فلسطين الدولية لعام 2025.

ويصف الكاتب هذه القصة بأنها الأقرب إليه من بين جميع رواياته، لأنها تحمل الكثير من معاناة جيله، جيل التسعينيات في نجامينا، الذي عاش سنوات البطالة والفقر والحروب الأهلية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2"شر البلادِ بلادٌ لا صديق بها".. علاقة الإنسان بالإنسان في مرآة الزمن وثنايا الشعرlist 2 of 2الشاهنامة.. ملحمة الفردوسي التي ما زالت تلهم الأفغانend of list

وقد صدر له: "قارب يلاحق مرساة" (عام 2022)، و"ارتدادات الذاكرة" (عام 2023)، و"التاريخ السري المعلن لآدم وحواء" هذا العام.

ففي عام 2004، صدرت "سندو" للتشادي آدم يوسف، التي عدت أول رواية تشادية مكتوبة بالعربية. وبعد ذلك، ظهرت أسماء عديدة، مثل: كوثر سالمي، وسمية حماد، وفاطمة هارون، وفاطمة نهار، وسعدية محمد، وعبير يونس يوسف، والهادي محمد، وموسى شاري، وأحمد جابر، وآدم أحمد موسى، وإدريس جمعة، وطاهر النور، وعيسى الأمين إبراهيم يوسف محمد، وأيضا جدي.

ومع ذلك، ظل هذا الأدب المكتوب بالعربية يواجه تساؤلات كثيرة: هل هو أدب أفريقي أم عربي؟ ومن هم قراؤه في بلد تعد الفرنسية اللغة الرسمية؟ لذا، تبقى الكتابة بالعربية مهمة شاقة للكاتب الأفريقي.

ويؤمن جدي بأن الروايات تقدم تفاصيل ومشاعر عن التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها المجتمعات على مر التاريخ الإنساني.

وإذا كانت الكتابة هي البحث عن أفق أرحب للعيش، فإن جدي يبحث عن وطن مختلف، بلا صراعات ولا حروب.

هذه الرواية صدرت عام 2021 وفازت بجائزة غسان كنفاني (الجزيرة) كيف كانت طفولتك في تشاد؟

ولدت في مدينة صغيرة بالشمال، ووصلت إلى العاصمة نجامينا في حضن أمي وأنا ابن 3 سنوات. وهناك عشت طفولة ثرية جدا ومليئة بالتجارب والحكايات. اعتقدت دائما أن الكتابة الجيدة تأتي من التجارب الكثيرة.

والطفولة هي أهم مرحلة في حياة الكاتب، هي أنين الحنين. باكرا اضطررت إلى مواجهة الشارع والأطفال وإثبات الذات. كنت وحيدا، وعلي مواجهة الجميع فردا فردا حتى آخذ حقي عنوة وأجد مكانا في الألعاب ولقاءات الأنس.

إعلان

وهناك سمعت قصص أناس مختلفين عني يتحدثون لغة أخرى، هناك في الشارع وفي ليل نجامينا سمعت قصصا عن المصاصين، وعن أشخاص يتحولون إلى ذئاب في الليل، وعن فتاة جميلة في الشارع المجاور تزوجت بجنية، وأن شابا يملك ذيلا، وحكايات عجيبة، إلا أن الشباب كانوا يحكونها كأشياء عادية.

وذهبت إلى الخلوة في الرابعة لحفظ القرآن، وفي الخامسة والنصف عرضني خالي أمام لجنة من أجل أن أدخل المدرسة التي لم تكن تقبل من هم دون السابعة. وكنت ضئيل الجسد، نحيفا قصيرا لا أستطيع لمس أذني بيدي من فوق رأسي، فرفضتني المدرسة، بيد أن خالي أصر قائلا: هو قصير ونحيف لكنه أذكى من تلاميذكم ويحفظ جزءا من القرآن الكريم.

وكنت أحفظ من سورة الناس حتى سورة النبأ عن ظهر قلب. وقرأت وقرأت حتى اقتنع المدير، وهكذا وضعت مؤخرتي على طوب أحمر كي أتلقى دروسي الأولى في اللغة العربية والدين.

هل الكتابة بالعربية تعد مهمة شاقة للأفارقة؟

نعم، شاقة جدا، لأننا في الهامش العربي والأفريقي معا. نكتب بلغة هي الثانية في بلادنا، ولا يعرف أغلب العرب أننا نكتب أدبا أفريقيا بالعربية. نحن نكتب بلغة ليست هي لغة الأم لأغلب الكتاب، إضافة إلى عدم اهتمام العالم العربي بما نكتبه، مما يعني أن الجودة أيضا ليست كافية أحيانا.

وإضافة إلى ذلك، هناك إقصاء في بعض الجوائز التي تتيح المشاركة فقط لمن هم أعضاء في جامعة الدول العربية، ودول مثل تشاد والنيجر ومالي ليست أعضاء في تلك الرابطة، لكن يكتب فيها، من قبل روائيين مثلنا، أدب أفريقي بالعربية.

وهناك قلق وتساؤلات أيضا حول هذا الأدب الذي نكتبه: هل هو أفريقي عملا بالمكان والقضايا، أم عربي باعتبار لغة الكتابة؟ وسط كل هذه الصعوبات نحن نكتب أدبا مختلفا ومميزا.

تحكي الرواية عن التغيرات الاجتماعية بالمجتمع التشادي سواء كان سياسيا أو اجتماعيا (الجزيرة) في "التاريخ السري المعلن لآدم حواء" توثق ما مر به المجتمع التشادي منذ الاستقلال للحروب الأهلية. هل يمكن أن تغنينا الروايات عن قراءة كتب التاريخ؟

نحن في عصر الرواية، وهي التي تكتب التاريخ الآن، لكننا لا نكتب تاريخا بالمعنى الحرفي، وإنما نقدم قراءة للتاريخ. فروايتي "التاريخ السري المعلن لآدم حواء" عن التغيرات الاجتماعية التي حدثت في المجتمع التشادي سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي. وللوقوف على هذه التغييرات عدت إلى الوراء وقدمت قصصا لجيل الآباء ثم الأبناء لرصد التغييرات التي حصلت سواء في القيم أو الرؤى.

ولا تغنينا الرواية عن قراءة التاريخ، لكنها تقدم لنا تاريخا تفصيليا وفهما للأحداث بشكل لا نجده في كتب التاريخ. وتمتاز بأنها تفصيلية جدا في سردها وتركز على الدوافع وأسباب الأفعال والجانب الإنساني للشخصيات، كما أنها تقدم دراسة اجتماعية للمجتمع بشكل لا يهتم به المؤرخ. فقراءة ثلاثية نجيب محفوظ أفضل من قراءة أي عمل تاريخي عن فترة ما بعد الاستعمار البريطاني.

والرواية لا تغني عن التاريخ لأنها لا تهدف إلى البحث عن الحقيقة أو كتابتها، لكنها مهمة جدا في تشكيل سردية معنية عن فترة ما، لأن التاريخ صار لا يقرأ سوى عند ثلة من الأكاديميين، لأنه يكتب بلغة أكاديمية وبعيدة جدا عن القراء، خاصة في العالم العربي وأفريقيا. الرواية التاريخية تغني عن قراءة التاريخ من حيث المعلومات، لكنها لا تغني حين نتحدث عن معرفة الحقيقة وتشكيل الوعي، لأن الرواية لا تهدف لكتابة التاريخ، ومع ذلك نجد في الرواية التاريخية ما لا نجده في التاريخ.

إعلان "القلق والخوف" هذه المفردات هي ما يربط بين رواياتك. هل من مهام الكتابة تأريخ هذه اليوميات المأساوية روائيا؟

نعم، تأريخ اليوميات من مهام الرواية. فالروائي ليس معبرا عن ذاته فقط، وإنما عن مجتمعه أيضا. فمشاعر الخوف والقلق التي يعيدها الكاتب في أعماله ربما هي التي تشكل مجتمعه أو يعاني منها لأسباب سياسية أو اجتماعية. والكاتب شخص يواجه مخاوفه الشخصية وقلاقل مجتمعه وكأنهما نفس الأمر، لذا فهو لسان مجتمعه.

هناك جيل جديد من الروائيين التشاديين اليوم يكتبون بالعربية. هل نستطيع القول إن هناك رواية تشادية؟

أجل، هناك رواية تشادية. ما أكتبه أنا هو رواية تشادية قبل أن تكون أفريقية أو عربية، لأننا نتناول قضايا تشادية ونتحدث عن شخصيات تشادية الملامح، وأسئلتها وآمالها التي تعيش في تشاد. ولدينا رواية تشادية لها خصوصيتها الثقافية ولغتها وبنيتها وقضاياها التي تميزها عن الرواية الليبية أو السودانية.

وتجري أحداث رواياتي في نجامينا، ومقهى عمر، وحارة دقيل، وبعضها تجري أحداثها في الجنوب وسط مزارع القطن، وفي الشرق خلف جبال أبشة. وأبطالي يعيشون على ضفاف نهر شاري، وخلف كثبان بحر الغزال، وداخل مغارات جبال تيبستي. كما أن كل أعمالنا تتحدث عن تشاديين، وفيها لهجة عربية تشادية، وأسماء قبائل وأماكن وفضاءات تشادية. وأعتقد أننا كتبنا أدبا تشاديا بالعربية.

جدي يحمل كتاب "من بدوي إلى رئيس" De bédouin) à président) لمحمد إدريس ديبي إتنو رئيس الفترة الانتقالية لتشاد (الجزيرة) شخصيات رواياتك تعيش منفاها الداخلي الذي أعتقد أنه يناسب إنسان هذا العصر الذي يعيش في أوطان مقهورة. فهل هذا محاولة للبحث عن وطن بديل؟

نعم، المنفى هو شعور. حين يعيش المرء تحت سلطة دكتاتورية أو في مكان لا يستطيع أن يعبر فيه عن رأيه ويشعر فيه بالحرية، فإنه يعيش منفاه. وحين يعجز عن إيجاد نفسه في وطنه، فإن الهروب يصبح ضرورة، ولما يعجز عن ذلك فالانكفاء على الذات يجعل الشخصيات أو الكاتب يعيش في المنفى بينما جسده هنا في الوطن.

وشخصيات رواياتي تعيش في حالة صعبة جدا، من هم هنا يريدون المغادرة، ومن غادروا يحلمون بالعودة. وتقول الشخصية الرئيسة في رواية "زمن الملل" في وصف مدينة نجامينا "يقتلني الحنين حين أبتعد عنها.. وأمل منها بعد أيام" وهذا هو شعوري تجاه نجامينا وتجاه بلادي.

هل وجدت إجابة كافية حول شكل الوطن الذي تتمناه أو صنعته في عالمك الروائي؟

ليس بعد. أعتقد أنني أبحث عن السلام النفسي الذي كنت أملكه في طفولتي. أريد أن يصبح وطني مثل طفولتي: لا صراعات، ولا اقتتال، ولا أحقاد. بيد أن ذلك يبدو مستحيلا، ولذا أحاول تكوين وعي مجتمعي وإدراك سياسي عبر رواياتي كي نتمكن من لملمة الشتات ورتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحروب، وتكوين هوية لهؤلاء الناس الذين جمعتهم الصدفة وخطوط رسمها فرنسي ثمل.

إلى أي مدى يشغلك القارئ؟

يشغلني القارئ كثيرا. أشعر أحيانا أنني أكتب له، لكن من هو؟ بالنسبة لي هو أنا. النص الذي يعجبني ويضربني ويدهشني إيقاعه هو الذي أعتبره جيدا، ونادرا ما أحذف نصا كتبته وأدهشني، ولذا أسلم هذا الدور لأصدقائي.

وأعتقد أنني أكتب لنفسي ولشخص آخر يفهمني، ولذا أسعى لإقناع ذاتي بجودة النص، ولا أحاول إقناع أشخاص معينين أو أفكر في ردود فعل جماعات، لذا تأتي أعمالي جريئة نوعا ما، وأتعرض لسوء ظن وسوء فهم. أنا أفكر في القارئ كصديق يمنحني أذنه، يستمع إلي، وهدفي إمتاعه لا إقناعه.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • جلسة لمجلس الوزراء في هذا التاريخ
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • "العربية للمسرح": نمد جسور التعاون مع الصين لتبادل المعرفة وتطوير معارف المسرح العربي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟