عندما يصمت العقل
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
محمد بن علي بن ضعين البادي
في عالم يزدحم بالضوضاء حتى غدت الحقيقة همسًا بالكاد يسمعه العقل، تقف المنصات الرقمية كوحوش إعلامية ضخمة تصنع للأمم ما يجب أن تنشغل به، وتمنح الناس ما يجب أن يفكروا فيه، ولو كان سرابًا. لم يعد الخطر في كثرة الأخبار؛ بل في مَن يتحكم ببوابة العقول، وفي مَن يدير هذا السيل الجارف من الرسائل التي تهز مشاعر الناس كل يوم، بينما تسرق منهم قدرتهم على التمييز شيئًا فشيئًا.
لقد أصبحت كثير من المواقع ليست منصات للمعلومة؛ بل ساحات كبرى لتوجيه الوعي الجمعي، وإغراق المجتمعات في دوامة مستمرة من الجدل، وتصعيد القضايا الصغيرة حتى تبدو وكأنها قدر محتوم، بينما القضايا الحقيقية تُدفع بعيدًا إلى آخر الصف، كأنها لا تستحق الضوء ولا السؤال. وهكذا، يتحول الإنسان من باحث عن المعرفة إلى متلقٍّ تُدار بوصلته من الخارج دون أن يشعر.
وفي خضم هذا الزحام، برز بعض المغرّدين الذين لا يزالون يكتبون عن أفكار تجاوزها الزمن، أفكار تركتها الأجيال منذ قرون لأنها لا تشبه واقعنا ولا تتناسب مع حياة اليوم. ومع ذلك، تتلقّف المنصات هذه التغريدات العتيقة كأنها اكتشاف جديد، وتدفعها إلى الواجهة بما تملكه من قوة الانتشار، فتزيد من ارتباك الوعي وتفتح أبواب الفتنة على مصاريعها.
والمواطن البسيط حين يقرأ مثل هذه الآراء التي لا تعكس واقعًا ولا تعالج مشكلة، يشعر بالتحفّظ ثم الضيق، ثم يتحول ذلك الضيق إلى حقد على الوطن والمسؤولين، ظنًا منه أن تلك الكلمات تمثل الحقيقة أو تكشف خللًا لم يُعالج، بينما هي في حقيقتها مجرد أصوات ماضوية أُعيد إحياؤها بلا وعي وبلا فهم.
والأدهى من ذلك أن صاحب تلك التغريدة لو طُلب منه أن يطبّق ما ينادي به على نفسه وعلى حياته ومعاملاته، لما قبل به لحظة واحدة، ولعرف أن ما يقوله لا يصلح لزمنه ولا يناسب واقعًا يتغير كل يوم. ولكن المنصات، في سعيها للجدل لا للحكمة، تجعل من هذه الأصوات الهشّة معاركَ رأي عام، وتدفع الناس لصراع لا يخدم إلا مَن أراد أن يبقى المجتمع مشغولًا بما لا يفيد.
في زمن أصبح فيه الخبر يسبق الواقع، والضجة تطغى على الحقيقة، تحولت المنصات الرقمية إلى مصانع للانشغال لا مصانع للوعي. لم تعد تلك المواقع تهتم بما يحدث فعلًا؛ بل بما يشغل الجمهور ويشعل النقاش ويثير الانفعال. تكبر التوافه حتى تبدو قضايا كبرى، وتختفي القضايا الكبرى تحت غبار التوافه.
إن أخطر ما تفعله هذه المنصات أنها لا تسرق وقت الإنسان فقط؛ بل تسرق اتجاهه. تدفعه ليتابع ما لا ينفع، وينشغل بما لا يضيف، ويغرق في تفاصيل صغيرة بينما تمر القضايا العميقة من أمامه كأنها لا تعنيه. إنها تصنع من اللاشيء معارك، ومن المعارك فتنًا، ومن الفتن انشغالًا جماعيًا يغرق فيه الجميع دون وعي.
المنصات التي تدرك قوة تأثيرها لا تعمل على رفع مستوى الناس؛ بل على رفع مستوى التفاعل. تعرف أن التفكير يقلل التعلّق، وأن الانفعال يزيده، ولذلك تُبقي المتابع في دائرة لا تنتهي من الغضب أو الفضول أو الخوف. وهكذا يصبح الإنسان مستهلكًا للضوضاء، لا باحثًا عن الحقيقة.
وعندما يتعود المجتمع على الأخذ دون تدقيق، وعلى التلقّي دون بحث، يصبح الطريق مفتوحًا أمام من يريد أن يصنع له وعيًا جديدًا لا يشبه واقعه ولا يخدم قضاياه.
إن الوعي اليوم لم يعد ترفًا؛ بل ضرورة للبقاء. وأعظم ما يمكن للإنسان فعله وسط هذا الصخب هو أن يحمي عقله من التشويش: أن يختار ما يسمعه، ويزن الأخبار بميزان الحكمة، وأن يدرك أن كثيرًا مما يمر أمامه ليس إلا دخانًا مقصودًا لإرباكه وصرفه عن الأسئلة الكبيرة.
وفي ختام هذا المشهد الصاخب، لا بُدّ أن نقولها بوضوح صارخ: إن هذه المنصات ليست مجرد مصادر خبر؛ بل مصانع أمراض. إنها تزرع القلق في صدور الناس، وتسكب السم في الوعي، وتدفع العقول إلى حافة الانهيار تحت وطأة السلبية والتحريض والتشويه. كل دقيقة يقضيها الإنسان بين تلك الصفحات السوداء هي دقيقة تُنتزع من صفاء روحه ومن استقراره الداخلي.
هذه المنصات لا تريد لك أن تفهم؛ بل تريدك أن تنفعل. لا تريدك أن ترى الحقيقة؛ بل تريدك أن ترى ما يصنع ضجّة. إنها تمتص طاقة الإنسان حتى آخر قطرة، ثم تتركه فارغًا، غاضبًا، حاقدًا، يائسًا، متلبّسًا بأوهام لا وجود لها إلا في غرف التحرير الملوّثة التي تصنع المحتوى لتشويه المجتمعات لا لبنائها.
ولذلك، فإن الحذر منها لم يعد خيارًا؛ بل ضرورة لحفظ كرامة العقل قبل صحة الجسد. الابتعاد عنها ليس انسحابًا؛ بل انتصارًا للنفس، والنجاة منها ليست هروبًا؛ بل صونًا للوعي وحماية للسلام الداخلي. فمَن أراد السلام، فليغلق باب هذه المستنقعات الرقمية، وليعرف أن من يترك نفسه لها خاضعًا، فإنه يقدم روحه قربانًا لمن لا يريد له خيرًا ولا استقرارًا.
إن أخطر ما ينتظرك خلف هذه الشاشات ليس خبرًا مزيفًا… بل نفسك حين تفقدها.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
نضال (أب تفة) أم لحية رجل الدين؟
نضال (أب تفة) أم لحية رجل الدين؟
بثينة تروس
بينما صاحب اللحية رجل الدين يشير بأصابع الاتهام لي ما يقارب 53 مليون نسمة من السودانيين انهم من أطلقوا الرصاصة الاولي وأشعلوا الحرب أي انهم قتلوا واغتصبوا ودمروا وسرقوا وذلك لانهم حاربوا الله، وباركت مسعاه مشايخ الضلال من علو المنابر في انه بالفعل شعب يستحق الحرب والموت، يتبعون خطي صاحبهم الشيخ صاحب الظرف وال 14 وظيفة الذي افتي للكيزان بقتل ثلث المتظاهرين ليظلوا في كراسيهم، هؤلاء هم شيوخ دين وعلماء السلطان الذين مات الدين في قلوبهم، يتقاضون مرتبات ووظائف ومنح وجبايات وعطايا زكاة وحج وعمره متي ما رغبوا، بسبب تخصصهم (كرجال دين) وان كان في حقيقة الإسلام لا يوجد كهنوت وقداسة كما للكنيسة في المسيحية، اذن (قول الحق) يفترض من طبيعة وظائفهم، لكنهم عجزوا حتي ان يقولوا لعلي عثمان محمد طه، مشعل الحروبات والفتن بالأصالة، كذبت وما انت من الصادقين، حين هتف فيهم (نحن جيناكم باسم دولة القران وباسم راية القران وباسم شريعة القران لا تبديل فيها ولا تغيير ولا تراجع عنها رحمة بين الناس وعدلا بينهم وسلاما…)
صمت رجال الدين المتملقون للحكام طوال فترة حكم الاخوان المسلمين عن فجورهم وعدم عدلهم، متناسين (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) أراق الكيزان الدماء، واعترفوا انهم قتلوا ارواح الناس لاتفه الأسباب، ثم لم نشهد المشايخ يطالبوهم بالقصاص! وفوق ذلك اتضح ان للدولة وظيفة تسمي (اختصاصي اغتصاب)! ثم لم يدينوا احداً! وحين ضاق الشعب وخرج في تظاهرات ضد الظلم، سارعوا هم إلى مزيد من التزلف بأحاديث عن حرمة الخروج على الحاكم، وخرست ألسنتهم حين عبث الإخوان المسلمون بالشريعة الإسلامية، حتى سموا التي طبقوها (شريعة مدغمسة). كنهم باركوا استخدامها لإذلال الشعب، وفاضت السجون وبيوت الأشباح بأولاد الشعب المساكين، بسبب فتاويهم السمجة وظلام نفوسهم التي لا ترى في الشباب غير نماذج الانحلال، والزندقة، والصعلكة، وتعاطي المخدرات. لكنهم صمتوا عن السؤال، من الذي سعى إلى تدمير عقول الشباب بالمخدرات؟ ومن الذي أدخل خمسة حاويات من المخدرات إلى الدولة الإسلامية، وأين اختفت بعد ذلك؟ وكيف، ولماذا، يتم إدخالها أثناء الحرب اليوم؟
أنهم مشايخ يفلحون في فتاوى تبيح لرجال الأمن وشرطة النظام العام قصَّ شعور الشباب وملاحقتهم (اب تفة يا صعلوك) في الجامعات والأسواق، بينما صمتوا عن إراقة دمائهم التي حرّمها الله، فقط لأنهم طالبوا بالعدالة والحرية والسلام، وجميع تلك المطالب من أصل الدين، ومن أجلها أُنزِل للبشرية، لكنهم يخشون الإطاحة بالحكام، ويخافون ضياع مكتسباتهم ومناصبهم ومنظماتهم الإسلامية الدعوية التي تدر عليهم الثروات.
لذلك يتكسبون من فتاوي إذلال جيل ثورة ديسمبر، بحلاقة شعر الرؤوس في الأسواق بأيدي أمنجية الكيزان ومليشيات الجيش في هذه الحرب اللئيمة، ولن تجدي تلك الممارسات في كسر عزيمتهم عن مطالب التغيير. بل يتفاخرون بكثافة الشعر الإفريقي، كجزء من هيئتهم والمتأمل في تلك الظاهرة، دون هوس ديني أو تجريم، تطالعه قيم الاعتزاز بالثقافة السوداء، وسحنات السودانيين، وتمازجهم العرقي، وشباب وجدوا رمزيتهم في تربية شعر الرأس وإطلاقه كضفائر، بحثًا عن قيم مشتركة بينهم والمقاومة الإفريقية والتحرر من السياقات العروبية الزائفة التي فرضت في برنامج الكيزان (أعادة صياغة الانسان السوداني) أذ إن طبيعة الشعر المجعد والكثيف هي، في الحقيقة، مفخرة واعتزاز بالهوية السودانية، وأقرب من أن تكون صرعة من صرعات الموضة أو دلالة انتماء ثوري، و في الشرق، لدى البجا، والبطانة ومناطق الجزيرة في الوسط رمزية للشجاعة والبطولات والفروسية التي يفتقر اليها مشايخ الدين، كن كيف للإخوان المسلمين أن يفهموا عظمة السودانوية التي يتفاخر بها الثوار؟ فهم مصابون بسرطان الاستعراب، وتبعية الحكام. إن واجب الدعاة والأئمة، إن كانوا من الصادقين، حقن دماء الناس، والحفاظ على الوطن، والإصلاح بين الناس. إن شرَّ الدعاة من يعظ الناس فيجافي مقاله عمله وأخلاقه. الدعاة والائمة ان كانوا من الصادقين حقن دماء الناس والحفاظ علي الوطن والإصلاح بين الناس، ان شر الدعاة من يوعظ الناس فيجافي مقاله عمله واخلاقه.