بعد جرائم الفاشر.. ما الذي أوصل السودان إلى هذه اللحظة؟
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
فقد حاصرت قوات الدعم السريع المدينة منذ مايو/أيار 2024 حتى تمكنت من السيطرة عليها الشهر الماضي، وقد جرى تداول عشرات المقاطع التي توثق جرائم الحرب والإعدامات الميدانية للسكان.
وأحدثت هذه السيطرة تحولا في موازين القوى على الأرض حيث اضطر الجيش للانسحاب من مناطق عديدة بعد شهور قليلة من سيطرته على العاصمة الخرطوم وحديث قائده عبد الفتاح البرهان عن قرب إلحاق الهزيمة بالمليشيا التي يقودها حليفه السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي).
ووفق تقرير نشرته حلقة 2025/11/17 من برنامج "للقصة بقية"، تمتلك الفاشر أهمية إستراتيجية في هذا الصراع الذي يقول محللون إنه يعكس تدافعا دوليا وإقليميا على احتياطات المدينة من النفط واليورانيوم والذهب.
كما تعني السيطرة على المدينة -التي كانت آخر معاقل الجيش السوداني في دارفور- الإمساك بكل خطوط إمداد دارفور مما يعطي الدعم السريع ميزة إستراتيجية في أي مفاوضات مقبلة مع الجيش، برأي الباحث في الدراسات الأمنية والإستراتيجية إبراهيم ناصر.
والأهم من ذلك -برأي ناصر- أن قوات الدعم السريع حاولت من خلال السيطرة على هذه المدينة الإستراتيجية تأكيد تفوقها العسكري والميداني على الجيش، إضافة إلى سعيها لإحداث تغيير ديمغرافي في المدينة للقول إنها تمثل بعض عرقيات البلاد.
توصيف خاطئويرى المحلل السياسي مأمون عثمان ورئيس تحرير صحيفة الوسط فتحي أبو عمار، أن وصول الصراع في السودان إلى هذه اللحظة المأساوية كانت نتيجة لتوصيف المجتمع الدولي الخاطئ له منذ البداية، لكنهما يختلفان في طبيعة هذا التوصيف.
فالحرب في السودان -كما يقول عثمان- ليست صراعا بين رجلين على السلطة وإنما هي حرب بين مليشيا وكيلة وجيش وطني، ومن ثم فإن نهاية هذه الأزمة تبدأ من اعتراف المجتمع الدولي بهذا التوصيف.
ولا يبدو هذا الأمر بعيدا بنظر عثمان بعد تغير المزاج الدولي جراء المجازر المروّعة التي وقعت في الفاشر، والتي يعتقد أنها ستدفع العديد من الدول لدعم موقف الجيش في مواجهة الدعم السريع.
لكن أبو عمار، يرفض حديث عثمان ويقول إن الحل يبدأ من الاعتراف بأن الجيش السوداني كان سببا في كل الحروب المتعاقبة التي شهدتها البلاد، ويرى أنه متورط هو الآخر في جرائم ضد المدنيين.
ويستند أبو عمار، في حديثه، إلى تقرير اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان والتي أقرت قيام الجيش بجرائم ضد المدنيين وعمليات إعدام غير قانونية في مناطق منها حلفايا ودندر وسنجة.
وهذه التقارير هي التي حدت بالجيش لرفض التقرير ومطالبة مجلس الأمن بتقليص فترة عمل اللجنة وعدم التمديد لها، حسب أبو عمار، الذي أكد أن السلام العادل هو المخرج من هذا الصراع وإلا فإن الحروب ستستمر حتى ينتهي الأمر بالسودان مقسما إلى دويلات صغيرة.
بيد أن عثمان وصف الحديث السابق بأنه "سردية تتبناها (قوات) الدعم السريع"، متهما أبو عمار بأنه "يعمل مستشارا لقائد المليشيا"، وهو ما رد عليه الأخير بأن "كلا الطرفين ارتكب جرائم موثقة بحق السودانيين".
ويعتقد عثمان أن بإمكان الجيش حسم المعركة بعد تغير المزاج الدولي، قائلا إن المناطق التي سيطر عليها مؤخرا غرب كردفان ستكون فاتحة لتمديد سيطرته وصولا إلى استعادة الفاشر.
جرائم من الطرفينوبعيدا عن هذا وذاك، ترى عضوة البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان منى رشماوي، أن هذا السجال السياسي لن يصل إلى نتيجة تخدم السودانيين، وتقول إن كلا الطرفين ينتهك القانون الدولي وحقوق الإنسان على الأرض.
من ثم، فإن على المجتمع الدولي بذل المزيد من الجهد لوقف هذه الحرب وصون الدماء وإيصال المساعدات والتحقيق في الجرائم التي وقعت والسماح لفرق المراقبة للمدن من أجل الوقوف على أوضاع السكان، كما تقول رشماوي.
وفي تطور جديد، طالب ممثلون للادعاء بإصدار عقوبة بالسجن المؤبد على زعيم الدعم السريع، وأوضحوا للمحكمة الجنائية الدولية، الاثنين، أنه ارتكب جرائم مثل القتل وإصدار أوامر لآخرين بارتكاب جرائم جماعية في دارفور، حسب ما نقلته وكالة رويترز.
Published On 18/11/202518/11/2025|آخر تحديث: 01:03 (توقيت مكة)آخر تحديث: 01:03 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تُمثل محاكمة جرائم الحرب السورية المرتقبة في النمسا لحظةً فارقةً في الجهود الدولية الرامية إلى محاسبة مسؤولين سابقين في نظام الأسد على الانتهاكات المزعومة التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية السورية.
بحسب تقرير نيويورك تايمز، من المقرر أن يمثل ضابطا الأمن السوريان السابقان، خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة، أمام المحكمة في فيينا بعد أن قضيا أكثر من عقد من الزمن في النمسا، حيث مُنح كلاهما حق اللجوء.
تُتيح هذه القضية، وهي الأولى من نوعها ضد مسؤولين سابقين في نظام الأسد في النمسا، للضحايا والشهود السوريين فرصةً نادرةً لمواجهة الأفراد الذين يتهمونهم بالتعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال السنوات الأولى للانتفاضة السورية.
النمسا تفتح قضية تاريخية ضد مسؤولين سوريين سابقينيُعدّ خالد الحلبي، العميد السابق وأحد أرفع المسؤولين في حكومة الرئيس السابق بشار الأسد الذين يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب أمام محكمة أوروبية، محور محاكمة جرائم الحرب السورية.
شغل الحلبي، البالغ من العمر 63 عامًا، منصب رئيس أمن الدولة في مدينة الرقة بين عامي 2011 و2013، وهي فترة اتسمت بقمع واسع النطاق للاحتجاجات المناهضة للحكومة. ويزعم المدعون العامون أنه لعب دورًا في قمع حركة الاحتجاج وأشرف على ممارسات شملت التعذيب وسوء المعاملة.
كما يُحاكم أيضًا مصعب أبو ركبة، البالغ من العمر 54 عامًا، وهو مقدم سابق شغل منصب رئيس التحقيقات في مديرية شرطة الرقة الجنائية قبل أن يتولى لاحقًا رئاسة مكتب الأمن السياسي، وهو فرع استخباراتي تابع لوزارة الداخلية السورية.
يقيم الرجلان في النمسا منذ عام 2015 بعد حصولهما على حق اللجوء.
التهم تتركز على تعذيب المتظاهرين وإساءة معاملتهموفقًا للائحة الاتهام التي أعدها مدّعو فيينا، يواجه المتهمون تهمًا تشمل التعذيب، والإكراه الشديد، والإكراه الجنسي، والإيذاء الجسدي، والتي يُزعم أنها ارتُكبت في إطار جهود قمع حركة الاحتجاج في سوريا.
من المتوقع أن تستدعي النيابة العامة 18 شاهدًا سوريًا، من بينهم متظاهرون سابقون، وأطباء، ومسؤولون حكوميون سابقون، يدّعون أنهم اعتُقلوا وعُذّبوا أثناء الاستجواب.
من المتوقع أن تصف شهادات الشهود حالات ضرب، وصعق بالكهرباء، واعتداءات جنسية، وسوء معاملة مطوّلة، يُزعم أنها وقعت في مكاتب يسيطر عليها المتهمون.
وتنص لائحة الاتهام على أن بعض المعتقلين عانوا من كسور في العظام، وتعرضوا للتعذيب باستخدام أداة تُعرف باسم "البساط الطائر"، وهي عبارة عن جهاز خشبي مصمم لثني السجناء في أوضاع مؤلمة قد تُسبب إصابات خطيرة في العمود الفقري.
ويزعم المدّعون أن الضحايا تحملوا فترات طويلة من المعاناة استمرت لأسابيع.
المتهمان ينفيان ارتكاب أي مخالفاتسبق أن نفى الرجلان، عبر ممثليهما القانونيين، إساءة معاملة المعتقلين.
بعد نشر لائحة الاتهام، امتنع محامو الحلبي وأبو ركبة عن التعليق علنًا على الادعاءات.
السعي لتحقيق العدالة في غياب محكمة دوليةوتسلط محاكمة جرائم الحرب السورية الضوء على كيف أصبحت المحاكم الوطنية جهات رئيسية لمحاكمة الجرائم المرتبطة بالنزاع في سوريا.
وأُعيقت الجهود الرامية إلى إنشاء آلية قانونية دولية لسوريا خلال الحرب بعد أن استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مبادرات كانت ستسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في البلاد.
ونتيجة لذلك، رفعت دول، من بينها ألمانيا والسويد، والآن النمسا، دعاوى قضائية بموجب مبادئ الولاية القضائية العالمية التي تسمح للمحاكم الوطنية بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة بغض النظر عن مكان وقوعها.
كما بدأت الحكومة السورية الحالية، بقيادة أحمد الشرع بعد سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، باتخاذ إجراءات قانونية ضد مسؤولي النظام السابقين داخل سوريا.
تحقيقٌ دام عقدًا من الزمنوتُعدّ قضية الحلبي وأبو ركبة ثمرة سنوات من العمل الدؤوب الذي قام به نشطاء سوريون ومنظمات حقوقية ومحققون دوليون.
وأمضت لجنة العدالة والمساءلة الدولية أكثر من عقد في جمع الأدلة ضد الحلبي. ووفقًا لممثلي اللجنة، فقد أُبلغت السلطات النمساوية بوجوده في البلاد منذ عام 2016.
ووصفت نيرما جيلاسيتش، المتحدثة باسم اللجنة، المحاكمة بأنها دليل على إمكانية تحقيق المساءلة حتى بعد التأخيرات الطويلة.
وأشارت إلى أن الحلبي يُعدّ من بين كبار المسؤولين السوريين السابقين الذين يواجهون المحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق.
وعمل المحققون أيضًا على تحديد هوية الشهود المنتشرين في أنحاء أوروبا ودعمهم، والذين لا يزال الكثير منهم يعاني من صدمات نفسية نتيجة لتجاربهم خلال النزاع.
صلة بالموساد تُضيف بُعدًا جديدًا للقضيةمن أبرز جوانب محاكمة جرائم الحرب السورية الكشف عن صلات مزعومة بين الحلبي وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد).
وأشارت معلومات ظهرت خلال قضية منفصلة في محكمة نمساوية إلى أن الحلبي كان، على ما يبدو، مصدرًا استخباراتيًا للموساد، بينما كان يشغل في الوقت نفسه مناصب رفيعة في جهاز الأمن السوري.
أشارت الأدلة المقدمة في تلك القضية إلى أن جهات اتصال استخباراتية نمساوية وإسرائيلية ساعدت الحلبي في الوصول إلى النمسا والحصول على اللجوء عام 2015.
في عام 2023، وجه المدعون النمساويون اتهامات لعدد من مسؤولي المخابرات واللجوء النمساويين السابقين بتسهيل هذه العملية.
رغم تبرئة أربعة مسؤولين، وبقاء خامس مطلوبًا بموجب مذكرة توقيف دولية، أكدت الإجراءات علنًا وجود الحلبي في النمسا، وأعادت تسليط الضوء على أنشطته خلال الحرب.
لم تُعلّق الحكومة الإسرائيلية ولا الموساد علنًا على الادعاءات المتعلقة بتورطهما.
الضحايا يسعون إلى محاسبة طال انتظارهابالنسبة للعديد من السوريين المشاركين في القضية، تُمثل المحاكمة فرصة نادرة للمطالبة بالمحاسبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية المدمرة في البلاد.
وأحد أبرز المُدّعين، المحامي السوري أسياد الموسى، تعرّف على أبو ركبة لأول مرة في مخيم للاجئين بالنمسا عام 2014. أبلغ الموسى السلطات عن وجوده، واستمر في التعاون مع المحققين طوال العقد التالي.
وفي معرض حديثه عن الإجراءات المرتقبة، قال الموسى إن السوريين عاشوا سنوات من الخوف في ظل مؤسسات أمنية قوية، وأعرب عن أمله في أن تتحقق العدالة أخيرًا.
أهمية تتجاوز النمساتتجاوز أهمية محاكمة فيينا حدود النمسا. باعتبارها إحدى أهم المحاكمات الأوروبية التي تورط فيها مسؤولون سابقون من عهد الأسد، تُبرز هذه القضية الجهود الدولية المتواصلة لمعالجة جرائم الحرب المزعومة التي ارتُكبت خلال النزاع السوري.
كما تُظهر محاكمة جرائم الحرب السورية الدور المتنامي للمحاكم المحلية في تحقيق المساءلة في ظل غياب الآليات الدولية.
بالنسبة للناجين والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان، تُمثل هذه الإجراءات فرصةً لوضع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة تحت المجهر القضائي بعد سنوات من التحقيق والإعداد القانوني.
مع بدء الإدلاء بالشهادات في فيينا، يُتوقع أن تُصبح هذه المحاكمة فصلاً بالغ الأهمية في مسيرة تحقيق العدالة لجرائم الحرب الأهلية السورية.