تحليل: حضور جماعات الضغط في كوب 30 فاق كل الدول المشاركة
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
تشير التحليلات إلى أن 1600 ممثل لصناعة الوقود الأحفوري يشاركون في قمة المناخ التابعة للأمم المتحدة في البرازيل، وهو عدد يفوق وفود كل الدول تقريبا، وهو أكبر وفد غير معلن يشارك في المؤتمر.
وفقا لتحليل جديد أجراه تحالف "اطردوا الملوثين الكبار" (KBPO)، فإن واحدا من كل 25 من المشاركين في مؤتمر المناخ (كوب 30) هو من جماعات الضغط المدافعة عن الوقود الأحفوري.
ووجد التحليل أن أكثر من 1600 من جماعات الضغط في مجال الوقود الأحفوري مُنِحوا حق الوصول إلى قمة الأمم المتحدة للمناخ في بيليم، متجاوزين بذلك عدد وفود معظم الدول المشاركة في المحادثات بشكل ملحوظ. وكانت البرازيل المضيفة، الدولة الوحيدة التي لها وفد أكبر، إذ بلغ عدده 3805 أشخاص.
ويقول التحالف إن هذا يمثل زيادة بنسبة 12% عن محادثات المناخ التي عقدت العام الماضي في باكو بأذربيجان، وهو أكبر تركيز لجماعات الضغط المعنية بالوقود الأحفوري في مؤتمر الأطراف منذ أن بدأ التحالف في تحليل الحضور عام 2021.
لتحليل معدل الحضور، يستخدم تحالف "اطردوا الملوثين الكبار" القائمة المؤقتة للمشاركين في مؤتمر الأطراف الـ30، التي نشرتها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. ويستخدم فقط المعلومات الواردة في هذه القائمة لتحديد إذا ما كان لدى أحد المندوبين روابط تؤهله ليكون من جماعات الضغط في مجال الوقود الأحفوري.
ويعرّف التحليل جماعة الضغط في مجال الوقود الأحفوري على أنها أي مندوب يمثل منظمة أو وفدا يهدف إلى التأثير على سياسة المناخ لصالح صناعة الوقود الأحفوري أو شركات وقود أحفوري محددة. ويشمل ذلك الممثلين الماليين للمؤسسات التي قدمت تمويلا كبيرا لشركات الوقود الأحفوري منذ توقيع اتفاق باريس للمناخ.
إعلانووجد التحليل أن عدد جماعات الضغط المدافعة عن الوقود الأحفوري يفوق عدد المندوبين الرسميين من الفلبين بنسبة 50 إلى 1، على الرغم من تعرض البلاد لأعاصير مدمرة قبل انعقاد مؤتمر المناخ وفي أثنائه.
ويقول عضو التحالف في الفلبين جاكس بونبون "بعد أيام قليلة من الفيضانات المدمرة والأعاصير الهائلة في الفلبين، نرى الشركات التي تقود هذه الأزمة تُمنح منصة لفرض الحلول الزائفة نفسها التي تدعم دوافعها الربحية، وتقوض أي أمل في معالجة حالة الطوارئ المناخية حقا".
وحسب التحليل، فإن عدد جماعات الضغط المؤيدة للوقود الأحفوري يفوق عدد الحضور من جامايكا بـ40 مرة، في حين لا تزال البلاد تعاني آثار إعصار ميليسا، الذي تفاقم بسبب تغير المناخ، الناجم عن انبعاثات الوقود الأحفوري بالأساس، حسب ما تشير إليه الدراسات العلمية.
وبشكل عام، حصلت جماعات الضغط المدافعة عن الوقود الأحفوري على عدد أكبر من التصاريح لحضور مؤتمر الأطراف الـ30 بنسبة الثلثين مقارنة بجميع الوفود من الدول الـ10 الأكثر عرضة لتغير المناخ مجتمعة.
وفقا لتحالف "اطردوا الملوثين الكبار"، لا تزال اتحادات التجارة الكبرى تُمثل أكبر أداة للتأثير في قطاع الوقود الأحفوري. وقد ضمت الرابطة الدولية لتجارة الانبعاثات 60 ممثلا، من بينهم مندوبون من شركات النفط والغاز العملاقة إكسون موبيل، وبريتش بترلويوم، وتوتال إنرجيز.
وغالبا ما يطلب مؤتمر الأطراف من جميع المشاركين غير الحكوميين الإفصاح علنا عن الجهة الممولة لمشاركتهم، والتأكيد على توافق أهدافهم الفردية مع أهداف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. مع ذلك، لا ينطبق الشرط الجديد على المشاركين الذين يحملون شارات حكومية.
ويشير التحليل إلى أن هذا "الإشراف مثير للقلق، بالنظر إلى أن 164 من جماعات الضغط في مجال الوقود الأحفوري تمكنت من الوصول إلى هناك من خلال شارات حكومية".
وكان بحث منفصل أجرته منظمة الشفافية الدولية قد أكد أن 54% من المشاركين في الوفود الوطنية إما لم يكشفوا عن نوع انتماءاتهم الحزبية، أو اختاروا فئة مبهمة مثل "ضيف" أو تسميات أخرى".
وأشار البحث إلى أن عديدا من الوفود الوطنية، بما في ذلك روسيا وتنزانيا وجنوب أفريقيا والمكسيك، لم تكشف عن انتماء أي من مندوبيها الحاملين لشارة حزبية.
وفي مؤتمر الأطراف الـ29 (كوب 29) في أذربيجان أظهر التحليل أن 1 من كل 6 مشاركين -على الأقل- لم يكشف عن تفاصيل انتماءاته، مع ارتباط عديد منهم بمصالح الوقود الأحفوري، حسب توضيح مايرا مارتيني، الرئيسة التنفيذية لمنظمة الشفافية الدولية.
وتشير إلى أن "هذا النمط يتكرر في مؤتمر الأطراف الـ30 الجاري في بيليم، حيث يحجب أكثر من نصف أعضاء الوفود انتماءاتهم أو يخفونها، مما يهدد بتقويض الثقة وتوجيه القرارات بعيدا عن احتياجات الناس والكوكب".
وكانت رسالة مفتوحة من منظمة "السياسة الخالية من الوقود الأحفوري" إلى مفوض المناخ ووبكي هوكسترا قد دعت في وقت سابق من هذا العام الاتحاد الأوروبي إلى حماية محادثات المناخ التابعة للأمم المتحدة من تأثير صناعة الوقود الأحفوري وعدم إحضار أي جماعات ضغط منها إلى مؤتمر الأطراف الـ30.
إعلانوتعهدت بعض الدول، منها ألمانيا والنمسا أيضا قبل انعقاد مؤتمر الأطراف الـ30 في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ بعدم إحضار جماعات الضغط المدافعة عن الوقود الأحفوري إلى المحادثات.
ومع ذلك أشار تقرير مفصل للمنظمة أن دولا في الاتحاد الأوروبي أحضرت 84 من جماعات الضغط إلى مؤتمر المناخ التابع للأمم المتحدة في وفودها الرسمية، وجلبت فرنسا 22 مرشحا، 5 منهم من شركة توتال إنرجيز، بما في ذلك الرئيس التنفيذي باتريك بويانيه.
وكانت محكمة في باريس قضت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بأن شركة توتال إنرجيز ضللت المستهلكين في إعلاناتها من خلال إعطاء الانطباع بأنها جزء من الحل لتغير المناخ، وذلك رغم استمرارها في الترويج للوقود الأحفوري وبيع المزيد منه.
وكان لدى السويد ثاني أكبر وفد من الوقود الأحفوري بواقع 18 عضوا، في حين أحضرت إيطاليا 12 من جماعات الضغط. ومن بين وفود الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي، شاركت الدانمارك بـ11 ممثلا لجماعات الضغط، بينما شاركت كل من بلجيكا والبرتغال بـ8 ممثلين، وفنلندا بممثلين، وهولندا واليونان بممثل واحد لكل منهما.
وفي وقت سابق من هذا العام، تناول تقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية كيفية تأثير الجهات الفاعلة في مجال الوقود الأحفوري على عملية التفاوض بشأن المناخ في الأمم المتحدة.
واستندت الدراسة إلى 39 مقابلة مع مفاوضي المناخ ومراقبي اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ والباحثين، إلى جانب الملاحظات الميدانية.
وخلص التقرير إلى أن هذه المصالح تشكل كل شيء بدءا من القواعد الأساسية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ إلى نتائج اجتماعات مؤتمر الأطراف، مما يضعف الجهود العالمية الرامية إلى معالجة أزمة المناخ.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات تلوث اتفاقیة الأمم المتحدة الإطاریة بشأن تغیر المناخ فی مؤتمر الأطراف جماعات الضغط فی إلى أن
إقرأ أيضاً:
القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
د. علي موسى الكناني
في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الأمن السيبراني عاملا ثانويا، أو مكمّلا؛ بل تحوّل إلى أحد المحرّكات الخفيّة التي أثّرت بشكل مباشر على مسار الأحداث؛ سواء في الميدان أو داخل بنية الدولة. ما جرى في هذا المجال لم يكن حدثا واحدا واضحا؛ بل سلسلة من العمليات المتداخلة التي تراكم تأثيرها مع الوقت.
أول ما يمكن ملاحظته هو أن الهجمات السيبرانية أدّت إلى إرباك مستمر في إدارة البنى التحتية الحيوية. لم يكن الهدف دائما التدمير الكامل؛ بل خلق حالة من الضغط المتواصل عبر اختراقات محدودة، أو محاولات تعطيل جزئية؛ شبكات الكهرباء، أنظمة الاتصالات، وبعض المرافق المرتبطة بالطاقة، تعرّضت لمحاولات اختراق أو تشويش، ما فرض على المؤسسات المعنية العمل في حالة استنفار دائم. هذا الاستنزاف الفني والتقني انعكس على كفاءة الأداء العام، وأجبر الدول على تخصيص موارد إضافية للحماية بدلا من توجيهها بالكامل إلى الجهد العسكري التقليدي.
كما لعبت الهجمات السيبرانية دورًا واضحًا في تعزيز القدرة الاستخبارية للأطراف المتصارعة. عمليات الاختراق لم تكن تهدف فقط إلى التعطيل؛ بل إلى جمع معلومات دقيقة حول التحركات، والاتصالات، والبنية التنظيمية. هذا النوع من المعلومات وفر أفضلية نسبية في اتخاذ القرار، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. في بعض الحالات، أدى تسريب أو الوصول إلى بيانات حساسة إلى تغيير تكتيكات ميدانية أو إعادة ترتيب أولويات.
وكان هناك تأثير ملحوظ في القطاع الاقتصادي والمالي؛ فالهجمات التي استهدفت أنظمة مصرفية أو خدمات إلكترونية لم تؤدّ بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنها خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. المستخدمون واجهوا صعوبات مؤقتة في الوصول إلى خدماتهم، والشركات اضطرّت إلى تعليق بعض العمليات أو تعزيز إجراءاتها الأمنية بشكل مكلف. هذه الأجواء أثّرت على ثقة السوق، خاصة في ظل تزامنها مع توترات عسكرية، ما جعل الاقتصاد جزءا من دائرة الضغط.
ومن أبرز ما حدث أيضًا هو تصاعد الحرب الإعلامية الرقمية. الفضاء السيبراني تحوّل إلى ساحة لنشر الروايات المتضاربة، سواء عبر منصّات التواصل أو من خلال اختراق حسابات أو مواقع. هذا الأمر أدّى إلى تشويش في تدفّق المعلومات، وصعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مضلل. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام هدفا مباشرا، حيث تسعى كل جهة إلى التأثير عليه أو توجيهه بما يخدم مصالحها.
إضافة إلى ذلك، شهدت الحرب استهدافًا للأنظمة اللوجستية وسلاسل الإمداد. بعض العمليات ركّزت على تعطيل منصات إدارة النقل أو الشحن، أو إرباك الأنظمة المرتبطة بتوزيع الموارد. ورغم أن هذه الهجمات غالبا ما تكون محدودة زمنيا، إلّا أن تأثيرها التراكمي يؤدي إلى بطء في الحركة الاقتصادية وخلل في توفر بعض الخدمات أو المواد.
ومن الجوانب المهمة أيضا التأثير النفسي والاجتماعي؛ فمجرد الإعلان عن هجوم سيبراني أو حتى احتمال حدوثه كان كفيلًا بإثارة القلق داخل المجتمع. الخوف من فقدان خدمات أساسية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الأنظمة الصحية الرقمية خلق حالة من التوتر، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. هذا الضغط النفسي يشكل بحد ذاته أحد أهداف الهجمات، لأنه يؤثّر على الاستقرار الداخلي.
في الوقت نفسه، أجبرت هذه التطورات الدول على إعادة توزيع أولوياتها ومواردها. لم يعد التركيز منصبّا فقط على الجبهات العسكرية؛ بل أصبح من الضروري تعزيز الدفاعات الرقمية، وتأمين الشبكات، وتدريب الكوادر. هذا التحول يعني أن جزءًا من الجهد والميزانية يتم توجيهه نحو مواجهة تهديد غير مرئي، لكنه مؤثر.
كما برزت مسألة صعوبة تحديد المسؤولية كعامل معقد في هذه الحرب. في كثير من الحالات، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بمن يقف وراء الهجوم، بسبب استخدام تقنيات إخفاء المصدر، أو الاعتماد على أطراف وسيطة. هذا الغموض يقلل من فرص الرد المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، لأن كل طرف قد يفسر الهجمات بطريقته.
ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتجارب سابقة، مثل هجوم "ستوكسنت"، الذي أظهر مبكرًا كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تنتقل من مجرد تعطيل أنظمة إلى التأثير على منشآت مادية حساسة. هذا النموذج أصبح مرجعا ضمنيا لما يجري حاليًا، لكن بأدوات أكثر تطورًا وانتشارًا.
في المحصلة.. ما حدث بسبب الأمن السيبراني في هذه الحرب لم يكن حدثًا حاسمًا واحدًا؛ بل تراكم تأثيرات متعدّدة غير مباشرة. هذه التأثيرات شملت إرباك البنى التحتية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، الضغط على الاقتصاد، التأثير على الرأي العام، واستنزاف الموارد. وبذلك، أصبح الأمن السيبراني عاملًا يحدّد إيقاع الصراع ويضيف إليه بُعدًا مُعقدًا، يجعل من الحرب أكثر تشابكا وأقل قابلية للتنبؤ بنتائجها.