كشفت إفصاحات حديثة صدرت السبت 15 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري في واشنطن عن قيام أدريانا دي. كوغلار، العضوة السابقة بمجلس محافظي بنك الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأميركي)، بعدة عمليات شراء وبيع لأسهم فردية لشركات مثل "آبل" و"ساوث ويست إيرلاينز" و"كافا"، والأخيرة هي شركة مطاعم، خلال ما يُعرف بفترة الحظر التي تسبق اجتماعات السياسة النقدية، والتي يُمنع خلالها المسؤولون من التعامل في سوق الأسهم والسندات.

وكتبت كوغلار في استمارات الإفصاح أن العمليات المشار إليها أُجريت من قبل زوجها دون علمها، مشيرة إلى أن زوجها إغناسيو دونوسو- وهو محامٍ مختص بقضايا الهجرة- لم يتعمد مخالفة أي قواعد أو سياسات.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي تخالف فيها كوغلار قواعد التداول، إذ كانت قد ذكرت في إفصاح مالي قدمته العام الماضي أن "أربع صفقات بأسهم شركات فردية نُفذت من قبل زوجها دون علمها"، مؤكدة أن زوجها لم يتعمد انتهاك القواعد.

وكانت كوغلار قد استقالت بشكل مفاجئ من منصبها في البنك الفدرالي في أغسطس/آب الماضي، وقبل أشهر قليلة من انتهاء ولايتها في يناير/كانون الثاني المقبل، وأشارت وقتها إلى أنها تنوي العودة إلى جامعة جورج تاون للتدريس، رغم أن الاستقالة جاءت في وقت العطلة الدراسية الصيفية!

وزاد من غموض ظروف استقالة كوغلار أنها جاءت في وقت مضطرب بالنسبة للبنك الفدرالي، إذ كان يواجه محاولات متكررة من الرئيس دونالد ترامب لزيادة عدد مؤيدي سياساته الاقتصادية داخل لجنة السوق الفدرالية المفتوحة، التي تحدد السياسة النقدية في الاقتصاد الأكبر في العالم.

استغلال غير مشروع

وتحظر القواعد في أميركا على كبار مسؤولي البنك الفدرالي، وعلى أزواجهم وأطفالهم، التداول في أسهم الشركات الفردية، بينما تسمح لهم بالاستثمار في صناديق الاستثمار المشتركة، وغيرها من الأدوات المتنوعة. ومنذ فترة طويلة، يُمنع إجراء أي معاملات خلال الأسبوعين السابقين لاجتماعات تحديد أسعار الفائدة.

إعلان

ويمتلك مسؤولو البنك الفدرالي معلومات داخلية لا تتوفر عادة للمتعاملين في الأسواق المالية، وتشمل بيانات اقتصادية غير منشورة، ونقاشات حول اتجاهات أسعار الفائدة، وتوقيت وحجم برامج شراء البنك الفدرالي للسندات.

وعندما يُسمح لهؤلاء الأفراد بالتداول في الأسواق التي تتأثر مباشرة بقراراتهم، فإنهم يحولون منصب الثقة العامة إلى فرصة للكسب الشخصي. وتعد فترة الأسبوعين التي تسبق اجتماعات اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة (FOMC)، والمعروفة بفترة الحظر، هي الأكثر خطورة، حيث تشوب عمليات التداول وقتها شبهة استغلال غير مشروع للمعلومات.

وكان البنك الفدرالي قد شدد قواعد التداول في عام 2022 بعد أن تبين أن عددا من محافظيه المشاركين في اتخاذ قرار أسعار الفائدة، قد أجروا عدة صفقات في الأسواق المالية، في الوقت الذي كان البنك فيه يتخذ خطوات حازمة لدعم الاقتصاد مع بداية جائحة كورونا.

واستقال رئيسا فرعي البنك الفدرالي في بوسطن ودالاس عام 2021؛ بسبب تلك الفضيحة، كما أُثيرت شبهات حول صفقات ريتشارد كلاريدا، نائب رئيس البنك آنذاك، الذي استقال في يناير/كانون الثاني 2022.

وخالف رافائيل بوستيك، رئيس فرع البنك الفدرالي في أتلانتا، القواعد أيضا، واضطر في وقت لاحق لتصحيح بيانات إفصاحه المالي. وأعلن بوستيك الأربعاء الماضي، أنه سيتقاعد في نهاية فبراير/شباط القادم.

تحظر القواعد في أميركا على كبار مسؤولي البنك الفدرالي، وعلى أزواجهم وأطفالهم، التداول في أسهم الشركات الفردية، بينما تسمح لهم بالاستثمار في صناديق الاستثمار المشتركة، وغيرها من الأدوات المتنوعة. ومنذ فترة طويلة، يُمنع إجراء أي معاملات خلال الأسبوعين السابقين لاجتماعات تحديد أسعار الفائدة

قواعد مستقرة 

ومع الاعتراف بوجود حالات تعارض مصالح بين بعض مسؤولي البنك الفدرالي في الولايات المتحدة، يتميز النظام الأميركي بقدرة مؤسساته على الكشف عن هذه الممارسات والتحقيق فيها بشكل علني ومتدرج.

فعندما تظهر مؤشرات على تعاملات مالية غير مناسبة أو إفصاحات غير مكتملة قد تمس حياد صانعي السياسة النقدية، تبدأ الجهات الرقابية، وعلى رأسها مكتب المفتش العام، بمراجعة الملفات وتدقيق البيانات المالية، سواء الواردة في تقارير دورية، أو التي تكشف عنها وسائل الإعلام الموثوق بها.

وفي معظم الحالات، لا يستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن يعلن المسؤول المتهم مغادرة منصبه، إدراكا منه بأن استمرار الجدل قد يضر بسمعة البنك وبثقة الأسواق في حياده واستقلاليته.

وأصبحت الاستقالة خطوة شبه تلقائية في العديد من القضايا، حتى قبل صدور النتائج النهائية للتحقيقات، الأمر الذي يعكس حساسية البنك تجاه أي شبهات يمكن أن تقدم صورة خاطئة عن نزاهة عملية اتخاذ قرار السياسة النقدية، الذي يؤثر في حياة ملايين الأميركيين، وفي أرباح آلاف الشركات العاملة في أميركا.

وتسهم القواعد المستقرة من الرقابة والإفصاح والاستقالة الطوعية عند اللزوم في حماية مصداقية البنك الفدرالي والحفاظ على استقلاليته أمام الرأي العام والأسواق المالية، كما تعزز رسوخ ثقة المستثمرين في حيادية السياسات، رغم أي تجاوزات قد تحدث من حين إلى آخر.

تواطؤ صامت وغياب الردع

وعلى النقيض، وفي الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تمر حالات تضارب المصالح في أغلب الأحوال بلا محاسبة أو حتى تحقيق شكلي، وكأنها جزء طبيعي من المشهد العام.

وفي العديد من البلدان النامية والناشئة، يمتلك المسؤولون نفوذا يسمح لهم باستخدام مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية، دون خوف من الرقابة أو القانون، فيتحول تضارب المصالح من استثناء إلى قاعدة غير معلنة.

إعلان

ولا يعكس الغياب الواضح للردع مجرد ضعف في مؤسسات الرقابة، بل يشير في كثير من الأحيان إلى حالة من التواطؤ الصامت أو الرضا الضمني عن الفساد، سواء من قبل النخب السياسية أو حتى بعض فئات المجتمع التي اعتادت رؤية هذه الممارسات كأمر طبيعي لا جدوى من مقاومته.

ومع الوقت، تصبح منظومة الحكم نفسها مبنية على تبادل المنافع، فيتراجع دور القانون ويتضخم دور الولاءات والعلاقات الشخصية.

وتؤدي هذه الديناميكية إلى تشويه المنافسة الاقتصادية، وإضعاف الخدمات العامة، وضرب ثقة الناس في أي حديث عن الإصلاح.

ولا يوفر غياب المحاسبة في مثل هذه السياقات حصانة للمسؤولين فحسب، بل يرسخ ثقافة فساد يصعب اقتلاعها، لأن جذورها تمتد إلى داخل المؤسسات، وإلى الوعي العام برمته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات البنک الفدرالی فی السیاسة النقدیة التداول فی

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • علماء يحددون مكمل غذائي طبيعي يحمي من السمنة وتراكم الدهون في الكبد
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • رحاب طه مشرفا على قطاع التمويل المالي غير المصرفي بالرقابة المالية
  • أمن المدية يُطيح بـ3 شبكات إجرامية للإتجار بالمخدرات
  • عمومية "السلع السياحية": الموافقة على الميزانية الختامية للعام المالي الحالي
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • الفيفا يعلن 6 تغييرات جوهرية في قوانين التحكيم لمونديال 2026
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • باحثة سياسية: مفاوضات الولايات المتحدة وإيران تخضع لحسابات المصالح والمكاسب المتبادلة