كتبت - مريم البلوشية

اختتمت فارسات المركز الأولمبي لتدريب الفروسية مشاركتهن في الدورة التدريبية الدولية التي أقيمت في المعهد الوطني للفرس بالمملكة المغربية، وهدفت الدورة إلى تعزيز مهارات الفارسات في مختلف جوانب رياضة الفروسية، من خلال برنامج تدريبي مكثف يجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، تحت إشراف نخبة من المدربين والمختصين.

وتناول البرنامج محاور متعددة، من أبرزها: فنون الفروسية، الترويض، القفز، العناية بالخيل وإعدادها، مبادئ البيطرة، والتسيير العام للإسطبلات، وتأتي هذه المبادرة ضمن جهود المركز الأولمبي الرامية إلى توفير فرص تدريب دولية للفارسات، وتنمية قدراتهن بما يؤهلهن للمنافسة والمشاركة الفاعلة في الساحة الرياضية على المستويين المحلي والدولي، من خلال تمكينهن من الإلمام بجميع جوانب العناية وامتلاك الخيول، إلى جانب تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في المجال الرياضي، ودعم الفارسات العمانيات في مسيرتهن نحو التميز والتمثيل المشرف لسلطنة عُمان.

ومثل المركز الأولمبي لتدريب الفروسية في هذه الدورة كل من الفارسات: سارة بنت حسين اللواتية، أمل بنت المقداد اللواتية، ميثاق بنت خليفة الإسماعيلية، ماريا بنت ناصر الراشدية، إيمان بنت ناصر الراشدية، أبرار بنت إبراهيم البكرية، انتصار بنت شامس البلوشية، وشارة ماريش، ورافقت الفارسات في الدورة المدربة فنيدة شهبون، خريجة المعهد الوطني للفرس.

تطوير الفروسية النسائية

وخلال زيارته للمعهد الوطني للفرس بالمملكة المغربية، قال سعادة السفير خالد بن سالم بن أحمد بامخالف، سفير سلطنة عُمان المعتمد لدى المملكة المغربية: سعدت كثيرا بزيارتي للمعهد الوطني للفرس لولي العهد، والذي يعد من أبرز الصروح التدريبية المتخصصة في رياضة الفروسية على مستوى المملكة المغربية، وقد أذهلني ما استمعت إليه من مدير المعهد من إنجازات نوعية ومتميزة، تعكس مدى التطور الكبير الذي يشهده المعهد، لا سيما في اهتمامه العميق والعلمي بالفرس وتدريب الفارسات والفرسان وفق أحدث الأساليب، وما أسعدني أكثر، بل أشعرني بالفخر والاعتزاز، هو وجود متدربات من سلطنة عُمان يشاركن في هذه الدورة التدريبية، وقد كانت مشاركتهن مشرفة، لقد انبهرت فعليًا بمدى إتقانهن ومهاراتهن العالية في مختلف جوانب الفروسية، رغم أن مدة الدورة كانت قصيرة نسبيا ولم تتجاوز الأسبوعين، إلا أن بمستواهن المتقدم وخبراتهن العملية أظهرن جدارة واستعدادًا عاليا للاستفادة من هذه الفرصة التدريبية بأفضل صورة ممكنة.

وأضاف سعادته: هذه المشاركة تعد دافعًا كبيرًا لمواصلة العمل على تدريب وتأهيل المزيد من الفارسات العمانيات مستقبلا، وفتح المجال أمامهن لاكتساب الخبرات الدولية وتطوير مهاراتهن بما يعزز حضورهن في الساحة الرياضية، إقليميًا ودوليًا، وأغتنم هذه المناسبة لأتوجه بجزيل الشكر والتقدير لمالك المركز الأولمبي للفروسية بسلطنة عُمان حمود بن سلطان الطوقي، على مبادرته المميزة وحرصه الكبير على تطوير مستويات الفارسات العُمانيات، بما يساهم في تحقيق نقلة نوعية في رياضة الفروسية النسائية في سلطنة عُمان.

مواهب واعدة

من جانبه، قال حمود بن سلطان الطوقي، مالك المركز الأولمبي للفروسية: احتفت مدينة الرباط في المملكة المغربية بتخريج الفارسات العُمانيات من الدورة التدريبية الدولية المتخصصة في المهارات الفنية لرياضة الفروسية، والتي تميزت ببرنامج تدريبي مكثف يجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، وخلال هذه الدورة، أثبتت الفارسات العُمانيات إمكانياتهن العالية وتميزهن في مختلف جوانب الفروسية، وهو ما عكس مدى الجدية والالتزام الذي أبدينه طوال فترة التدريب.

وأوضح الطوقي قائلا: ساهمت الدورة في الكشف عن مواهب واعدة لدى عدد من الفارسات في رياضة الجمباز على الخيل، وهي إحدى الرياضات المعترف بها ضمن الألعاب الأولمبية، الأمر الذي يفتح أمامنا آفاقًا مستقبلية لتشكيل فريق نسائي من هذه المجموعة للمشاركة في البطولات والمحافل العالمية، وتطرقت الدورة إلى محاور متنوعة، كان من أبرزها: فنيات ركوب الخيل، إدارة وتربية الخيول، والعلوم البيطرة المرتبطة بها، مما وفر للفارسات خبرة متكاملة وشاملة. وتابع الطوقي قائلا: تشرفنا بحضور سعادة سفير سلطنة عُمان المعتمد لدى المملكة المغربية حفل تخريج الفارسات، وهو ما أضفى طابعًا رسميًا وداعمًا لهذا الإنجاز، ونأمل في أن تشهد السنوات القادمة مزيدًا من التعاون المشترك والمثمر بين المركز الأولمبي للفروسية والمعهد الوطني للفرس بالمغرب، بما يعزز من مستوى رياضة الفروسية النسائية ويخدم أهدافنا في تمكين الفارسات العُمانيات على الساحة الدولية.

تجربة ثرية

بينما أكدت فنيدة شهبون، المدربة بالمركز الأولمبي للفروسية قائلة : إن مشاركة الفارسات العمانيات في الدورة التدريبية الدولية في المعهد الوطني للفرس لولي العهد مولاي الحسن بالمملكة المغربية، شكل تجربة ثرية ومميزة للفارسات، مشيرة إلى أن هذا المعهد يحمل مكانة خاصة لديها، حيث درست فيه لمدة أربع سنوات وتأهلت من خلاله للعمل في مجال الفروسية.

وقالت إنها بدأت مسيرتها المهنية في هذا المجال من المملكة العربية السعودية، وتواصلت بعد ذلك في سلطنة عُمان، حيث أكملت حتى الآن خمس سنوات في العمل والتدريب. وأضافت شهبون أن مشاركة الفارسات العمانيات في هذا المعهد كانت مصدر سعادة وفخر، خاصة وأن الدورة التدريبية الدولية اشتملت على برنامج مكثف يجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، ما مكن الفارسات من اكتساب معارف ومهارات جديدة في مجال الفروسية والعناية بالخيل.

وأوضحت أن الدورة أسهمت كذلك في تعريف الفارسات العمانيات برياضة الجمباز على ظهر الحصان، وهي إحدى الرياضات الأولمبية التي لا تزال غير منتشرة في الدول العربية، مشيرة إلى أن الفارسات العمانيات يعتبرن من أوائل الفتيات العربيات اللواتي خضن هذه التجربة، ما يعد خطوة رائدة ومبشرة. وأعربت شهبون عن أملها في أن تحظى هذه الرياضة باهتمام أكبر على مستوى العالم العربي، وأن يتم تشكيل منتخبات وطنية قادرة على تمثيل دولها في البطولات العالمية مستقبلا.

كما شكرت جميع الطواقم التي ساهمت في إنجاح الدورة التدريبية، وأشادت بالتزام الفارسات العمانيات بالحضور والمشاركة رغم الجدول المكثف للدورة التي امتدت لمدة أسبوعين، وقدمت شكرًا خاصًا للمعهد الوطني للفرس بالمغرب على إتاحة هذه الفرصة القيمة، مؤكدة أن هذا التعاون يمثل إضافة حقيقية لمسيرة الفارسات. وختمت شهبون حديثها بتوجيه الشكر والتقدير لمالك المركز الأولمبي للفروسية، حمود بن سلطان الطوقي، على ثقته الكبيرة، مشيرة إلى أن تدريب فتيات صغيرات في أعمار تتراوح بين 13 و14 سنة مسؤولية كبيرة، وستستمر في تقديم الدعم والتدريب لهن، والمشاركة في المزيد من المعسكرات في المستقبل لتطوير قدراتهن وتمكينهن من تحقيق إنجازات رياضية جديدة.

التعرف على جمباز الخيل

قالت الفارسة إيمان بنت ناصر الراشدية إنها استمتعت كثيرا بمشاركتها في الدورة التدريبية الدولية، ووصفت التجربة بأنها كانت ثرية وممتعة، مؤكدة أنها قضت وقتًا رائعًا برفقة باقي المشاركات في الأجواء التدريبية. وأضافت أنها تعرفت خلال الدورة على المعهد الوطني للفرس في المغرب، مشيرة إلى أنه يعد من أفضل معاهد الفروسية التي زارتها على الإطلاق، لما يمتلكه من إمكانيات تدريبية متقدمة وبيئة محفزة لتطوير المهارات.

وأكدت أنها استفادت بشكل كبير من محاور الدورة، خاصة في ما يتعلق بالاهتمام بالخيل ورعايته، حيث اكتسبت المزيد من الخبرة والمعرفة العملية في هذا المجال، وأشارت إلى أن المدربين القائمين على الدورة كانوا في غاية التعاون، وحرصوا على توصيل المعلومات بشكل سلس وفعّال، مما ساعدهن كمتدربات على استيعاب المحتوى التدريبي والاستفادة القصوى منه، كما أوضحت الراشدية أن المحاضرات النظرية لم تكن مملة، بل كانت ممتعة وسريعة الإيقاع، نظرًا للمحتوى الغني والمكثف الذي طرح فيها، إضافة إلى الأسلوب التفاعلي الذي اتبعه المدربون في الشرح.

ولفتت الراشدية إلى أن المدربين عملوا جاهدين على اكتشاف الأخطاء التي تقع فيها الفارسات، وسعوا لتصحيحها، مع التركيز على تعزيز جوانب القوة وتطوير نقاط الضعف، الأمر الذي انعكس إيجابًا على أدائهن العملي، وأشارت إلى أنها تعرفت من خلال هذه الدورة على رياضة جمباز الخيل، وهي رياضة لم تكن تملك عنها أي خلفية سابقة، لكنها أحبتها كثيرًا بعد التجربة، مؤكدة أن المدربين سهلوا عليهن تعلم هذه الرياضة بشكل صحيح، ما شجعها على الاستمرار فيها والعمل على تطوير مهاراتها فيها مستقبلا.

دورة مميزة

قالت الفارسة انتصار بنت شامس البلوشية: إن مشاركتها في الدورة التدريبية الدولية بالمغرب أضافت لها خبرة كبيرة، ووصفت التجربة بأنها كانت رائعة بكل المقاييس، حيث أقيمت في المعهد الوطني للفرس الذي يعد من أبرز المؤسسات المتخصصة في هذا المجال.

وأشارت إلى أن الدورة تميزت بتنوعها وثراء محاورها، إذ جمعت بين المحاضرات النظرية والتطبيقات العملية، ما ساهم في تعزيز مهارات الفارسات الفنية وتمكينهن من اكتساب معارف جديدة ومهمة في عالم الخيل والفروسية. وأضافت أن الجانب العملي للدورة كان غنيًا ومكثفًا، وتضمن تطبيقًا لمهارات جديدة، بالإضافة إلى خوض تجربة رياضة جمباز الخيل، التي تعد جديدة بالنسبة لهن، لكنها فتحت لهن آفاقا مختلفة في رياضات الفروسية المتقدمة.

وقدمت البلوشية شكرها لمالك المركز الأولمبي للفروسية، حمود بن سلطان الطوقي، على منحه الفرصة لهن للمشاركة في هذه الدورة، ودعمه المتواصل للفارسات العمانيات في مسيرتهن الرياضية. كما عبرت عن امتنانها العميق للمدربة فنيدة شهبون، على تدريبها المتميز وتشجيعها المستمر للفارسات على تقديم أفضل ما لديهن خلال الدورة. واختتمت البلوشية حديثها بقولها: أتمنى أننا تركنا انطباعًا جيدًا لدى المدربين في المعهد الوطني للفرس بالمغرب، ونفخر بتمثيل سلطنة عُمان في هذا المحفل التدريبي الدولي.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی الدورة التدریبیة الدولیة المرکز الأولمبی للفروسیة المملکة المغربیة ریاضة الفروسیة مشیرة إلى أن هذه الدورة من خلال فی هذا

إقرأ أيضاً:

هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق

لا شكّ في أنّ المنصّات الرقمية والخوارزميات تعيد تشكيل علاقة الجمهور بالموسيقى وتحديدا الطرب، خاصّة وأنّها قد غيّرت معايير الانتشار في ظلّ هيمنة الثّقافة الاستهلاكيّة وظهور أنماط موسيقيّة أخرى أكثر انسجاما مع منطق المنصّات و"التّرند".

ولكن هذا التحوّل لا يعني بالضّرورة أنّ الأغنية الطّربيّة قد فقدت قدرتها على استقطاب الجمهور. فيوجد دائما التّجارب الاستثناء التي يمكن أن تكون مرجعا في صمود الطرب والمحافظة على مكانته وفي مقدّمتها تجربة الفنان التونسي لطفي بوشناق: أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالذاكرة الغنائية العربيّة. وهي تجربة جديرة بالتأمّل لنفهم كيف يمكن للفنّان المحافظة على مكانته وجماهيريته في عصر تعيد فيه الخوارزميات تشكيل الذائقة الموسيقية وتفرض معايير جديدة للانتشار؟

اللاّمرئي في تجربة لطفي بوشناق

لا يُختزل شغف لطفي بوشناق بالموسيقى في حضوره الآسر على المسرح، حيث يمسرح الكلمة ويمنحها بعدا دراميا يجعل الأغنية تبدو وكأنها قضيته الشخصية بل يتجلّى أيضا في ذلك الفضاء الخفيّ الذي تتشكّل فيه أعماله قبل أن تصل إلى الجمهور. في خلوته الإبداعية، حيث ترافقه آلاته الموسيقية ونوتاته ومسودات أغان جديدة وتسجيلات لأعمال لم ترَ النور بعد. هناك نرى صورة أخرى للفنان. وهناك أدركنا أنّنا لا نزور مكتب موسيقي فحسب بل أرشيفا حيّا لتجربة امتدت أكثر من أربعة عقود. في كل زاوية تتراكم الكؤوس والدروع والشهادات والجوائز، حتى يخال الزائر أنه في متحف صغير. غير أنّ أكثر ما يلفت الانتباه ليس هذا الرصيد من التكريمات، وإنما ذلك العدد الكبير من الأغاني المسجّلة والمصوّرة التي بقيت حبيسة الأدراج، رغم اكتمالها الفني.

استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.لا يعود ذلك إلى تراجع في الإنتاج أو فتور في الإبداع، بل إلى اختلالات في منظومة الإنتاج والتوزيع والبث وإلى خيارات إعلامية انحازت منذ سنوات إلى أنماط موسيقية أكثر انسجاما مع منطق السوق والمنصات على حساب الأغنية الطربية. ومع ذلك، كان بوشناق يتحدث عن كل مشروع جديد بالحماسة نفسها التي يتحدث بها فنان في بداية الطريق، لا صاحب تجربة تجاوزت أربعين عاما.

وربما يكمن هنا أحد أسرار استمرارية هذه التجربة: فالعلاقة التي تربط بوشناق بالموسيقى ليست علاقة مهنة بفن، وإنما علاقة وجودية تجعل الغناء جزءا من إيقاع حياته اليومية لا مجرّد منتج يقدّمه إلى الجمهور. لذلك يبدو شغفه متجدّدا، غير خاضع لحسابات السوق أو لمنطق الانتشار السّريع وهو ما يفسّر، في المقابل، ذلك الوفاء النادر الذي يحظى به من جمهوره. فالفن الذي يمارس بالشغف له قدرة لا حدّ لها على بناء علاقة طويلة الأمد مع المتلقّي حتى في زمن تتبدّل فيه الأذواق بسرعة وتعيد فيه المنصات الرقمية رسم خرائط النجاح والانتشار.

الكلمة قضيّة..!

لم يتعامل لطفي بوشناق مع الأغنية بوصفها "سلعة" تخضع لمنطق السوق، بل بوصفها رسالة فنية وإنسانية تقوم على التّكامل بين الكلمة واللحن والأداء. لذلك يصعب أن نعثر في رصيده على أعمال تقوم على عبارات مستهلكة أو كلمات أُنتجت فقط لإرضاء ذائقة عابرة أو لمجاراة ما تفرضه الخوارزميات. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار تداول أغانيه عبر الأجيال، في الوقت الذي تختفي فيه عشرات الأغنيات حققت ملايين المشاهدات وذلك بمجرد انتهاء موجة "الترند". فتستطيع الخوارزميّة نشر أغنية لكنّها لا تستطيع أن تضمن لها مكانا في الذاكرة. وتستطيع نسب المشاهدات ان تفرضها على المتلقي ولكنها لا تستطيع أن تضفي عليها قيمة تخلّدها.

ولذلك ظلّ بوشناق حريصا على التعاون مع شعراء هم بدورهم أصحاب مشاريع فنية ثقافيّة من بينهم آدم فتحي وصلاح الدين بوزيان وفيصل الشريف وغيرهم في دلالة على أنّ بحثه كان دائما عن الكلمو قبل البحث عن الأغنية. ولنتأمّل مثلا أغنية "أنا المواطن"، من كلمات آدم فتحي، التي يقول فيها:" فأنا مواطن ينام جائعًا حتى يطعم الوطن.. أنا المواطن المنسي في الدفاتر، المقتول في المقابر."لقد تحوّلت هذه الكلمات إلى شهادة فنية على مرحلة كاملة من التاريخ التونسي، حتى إنّ بوشناق لم يتمالك نفسه أثناء أدائها في إحدى الحفلات وبكي وأبكى معه الجمهور. لتتحوّل لحظة الغناء إلى لحظة وجدانية جماعية امتزج فيها صوت الفنان بمشاعر الجمهور. فأصبحت الأغنية ذاكرة مشتركة تعبّر عن وجدان الناس.

وحتى في أغاني الحب، لا ينفصل الغزل عند بوشناق عن الانتماء. ففي أعمال مثل "إنت شمسي إنت" و"ريتك ما نعرف وين" تمتزج صورة المرأة بصورة الوطن ويصبح الحنين إلى الحبيبة امتدادا للحنين إلى الأرض. فلا يقدر المستمع لها الفصل بين الحب الفردي والانتماء الجمعي وكأنّ الوطن هو الشرط الأول لاكتمال تجربة الحب ذاتها.

والمثير للانتباه أنّ هذا الحرص على اختيار الكلمة المعبّرة الحاملة لمعنى لا يغيب حتى في الأغنية الشعبية كما في كلمات أغنيته:"كيف شبحت خيالك... لا وسع لا بالك... قلبي نقز مالضلوع مشالك."إنها لغة بسيطة لكنها مشحونة بصورة شعرية تمنحها قدرة على النفاذ إلى ذاكرة المستمع.

أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة.ويمتد هذا الاختيار الواعي للكلمة إلى القضايا القومية والإنسانية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي حضرت في أعمال مثل "وأمّتاه" من كلمات الشاعر الليبي فيصل الشريف، و"نشيد القدس" و"سهول فلسطين" و"من تونس للقدس" و"خليك صامد يا فلسطيني" فالفنان هنا لا يكتفي بالتعبير عن مشاعره الشخصية، بل يجعل من الأغنية خطابا يتجاوز الذات ليعبّر عن همّ جماعي وهو ما يمنح العمل قابلية للاستمرار خارج زمن إنتاجه.يصنع التّرند شهرة مؤقتة، أما المعنى فيصنع ذاكرة.

اللّحن جزء من هويّة فنيّة

إذا كانت الكلمة هي الحامل الأوّل للمعنى في تجربة لطفي بوشناق، فإن اللّحن هو الوسيط الذي يفعّل ذلك المعنى. وقد أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة. وتنوّع الملحنين هو جزء من مشروع موسيقي يقوم على تطوير اللغة اللحنية دون التفريط في الهوية الطربية.

ولذلك استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.

يتبيّن من خلال  تجربة لطفي بوشناق أنّ ما يصمد ليس ما نجحت الخوارزمية في الترويج له، بل ما نجح في أن يصبح جزءا من الوجدان الجمعي.فلهذا السبب لا يزال بوشناق، بعد أكثر من أربعة عقود، قادرا على ملء المسارح واستقطاب أجيال لم تعاصر بداياته. ففي عصر تتنافس فيه الأغاني على خطف ثوان من انتباه المتلقي يخلد من ينجح في مخاطبة الانسان وليس من يتقن منطق الخوارزمية.

مقالات مشابهة

  • 1377 ميدالية حصاد إنجازات المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي 2026 - 2025
  • بطل ليبي يحقق «المركز الثالث عالمياً» في بطولة الكاراتيه
  • هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق
  • إنجاز تاريخي.. مصر تحصد المركز الأول في ترتيب الناشئات بالبطولة الأفريقية للجودو
  • إنجاز تاريخي.. ناشئات مصر يحصدن المركز الأول في البطولة الإفريقية للجودو بالمغرب
  • إنقاذ عضو بحمام السباحة الأولمبي من الغرق.. وقرار عاجل من وزير الشباب
  • البنك المركزي : ارتفاع المركز المالي للبنوك بـ25.4 تريليون
  • الكشف عن تصديق الاحتلال على مصادرة 6 آلاف دونم لصالح مخطط استيطاني ببيت لحم
  • تحت شعار تعزيز النزاهة من أجل التعافي في اليمن : انطلاق الدورة التدريبية الوطنية في ” إدارة مخاطر الفساد القطاعية
  • دولة عربية في المركز الثاني!.. دراسة أمريكية تصنف الدول حسب النرجسية