جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@07:23:10 GMT

حين يصبح السلام ضرورة لا خيارًا

تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT

حين يصبح السلام ضرورة لا خيارًا

 

 

 

 

عبدالنبي الشعلة **

 

بعد نشر مقالي، قبل بضعة أيام، بعنوان "إسرائيل بين الانهيار وإعادة التموضع" وذلك بعد توقيع "اتفاقية شرم الشيخ لوقف إطلاق النار"، تلقيت تعليقات وملاحظات كثيرة من القرّاء، كان معظمها مشيدًا، وقليل منها ناقدًا بشدة.

وقد ركّزت معظم الانتقادات على ما اعتبره البعض تغافلًا مني عن الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني منذ قيامها، وبالأخص خلال العامين الماضيين بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023؛ بل ذهب بعضهم إلى القول بأنني بدعوتي إلى إدماج إسرائيل في منظومة التعاون الإقليمي، أقدّم نوعًا من «المكافأة» لمن ارتكبوا المذابح والجرائم بحق الفلسطينيين والعرب.

ولأولئك أقول: إن السلام ليس غفرانًا للجرائم ولا نسيانًا للحقوق؛ بل هو وعيٌ بالتاريخ ودرسٌ مستفاد من تجاربه المرة. إنني أُفرِّق بوضوح بين الدولة والنظام، وبين الشعوب والحكومات؛ فالشعوب لا تُؤخذ بجريرة أنظمتها، ولا يمكن معاقبتها على سياسات متطرفة لم تصنعها. إسرائيل اليوم، شئنا أم أبينا، دولة قائمة، عضو في الأمم المتحدة، وتحظى بدعم أقوى قوة على وجه الأرض: الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب دعم واسع من دول أوروبا التي لا تزال حتى اليوم تحاول، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، التكفير عن ماضيها الدموي تجاه اليهود، من مذابح القرون الوسطى إلى أفران الغاز النازية. هذا الدعم منح إسرائيل حصانة سياسية واقتصادية وعسكرية غير مسبوقة، وجعلها حقيقة واقعة في النظام الدولي.

بل إن الفلسطينيين أنفسهم، من خلال اتفاقيات أوسلو وغيرها، اعترفوا بإسرائيل كدولة ذات سيادة ضمن حدود ما قبل عام 1967، ومعظم الدول العربية والإسلامية اليوم ترتبط بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة معها. فهل يبقى مجديًا أن ندفن رؤوسنا في الرمال، وأن نطالب بالقضاء على دولة يعترف بها العالم، ويقيم معها علاقاتٍ سياسية واقتصادية وأمنية؟

إن التمسك بالشعارات القديمة ورفض الاعتراف بالواقع لا يخدم القضية الفلسطينية، بل يطيل أمد معاناة الشعب الفلسطيني. فالقضية اليوم ليست في حاجة إلى خطابٍ تعبويٍّ عاطفي، بل إلى موقفٍ عقلاني واقعي يختار من الوسائل ما يحقق الممكن من الحقوق بأقل قدرٍ من الخسائر، ومن دون أن يتنازل عن المبدأ أو الهدف.

لقد علمنا التاريخ أن السلام ليس ضعفًا؛ بل هو ذروة القوة. وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تُعاقَب الشعوب الألمانية واليابانية على جرائم قادتها؛ بل عوقب المسؤولون وحُوسبوا، ثم ساعد المجتمع الدولي تلك الشعوب على النهوض من رماد الحرب، حتى أصبحت ألمانيا واليابان نموذجين في التنمية والازدهار. الدرس هنا واضح: المحاسبة شيء، وبناء المستقبل شيء آخر.

إن استمرار الصراع المسلح لا يخدم إلّا المتطرفين في الجانبين؛ فالحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بقيادة نتنياهو وحلفائه، تستمد شرعيتها من استمرار التوتر والعداء، وتختنق كلما اقتربت فرص السلام.

السلام الحقيقي يُضعف دُعاة الكراهية في كل طرف؛ لأنه يُسقط ذرائعهم، ويعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي: باحثًا عن الأمن والحياة لا عن الموت والانتقام.

ومن هنا، فإنَّ المطلوب اليوم من الفلسطينيين والعرب هو التمسك بوسائل النضال السلمي، وتوحيد الصف الفلسطيني المنقسم على ذاته منذ سنوات طويلة؛ فالانقسام أضعف الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية، وسمح للخصوم بالتلاعب بأوراق الخلاف الداخلي. كما إن تحويل القضية إلى صراعٍ دينيٍّ لا يخدمها؛ بل يضرّ بها. القضية الفلسطينية ليست قضية إسلامية ضد اليهودية أو المسيحية؛ بل قضية شعبٍ يُطالب بحقوقه المشروعة وفق القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة. إدخال الدين في الصراع يمنح إسرائيل الفرصة لتصوير نفسها ضحيةً لـ«صراعٍ ديني»، فتستجلب دعم الصهاينة المسيحيين وتُحرّك مشاعر الغرب الدينية بدلًا من ضميره الإنساني.

القضية الفلسطينية أقوى من أن تُختزل في الشعارات أو الأيديولوجيات. إنها قضية أخلاقية وإنسانية وقانونية قبل أن تكون دينية. وكلما كان خطابها عقلانيًا، ازدادت مساحة التعاطف الدولي معها. لقد تغيّر العالم، ولم يعد الرأي العام يُستثار بالشعارات، بل يُقنع بالحقائق والبرهان والإنسانية المشتركة.

إن السلام، في جوهره، ليس تنازلًا عن الحق؛ بل وسيلةٌ لاستعادته. فالسلام الممكن خيرٌ من الحرب المستحيلة، والاتفاق الجزئي خيرٌ من القطيعة الشاملة، والحوار مهما طال خيرٌ من طلقة واحدة تُزهق بها الأرواح وتُدمر بها الأوطان.

ولا يعني ذلك القبول بالإملاءات أو التغاضي عن العدوان؛ بل اختيار الطريق الأكثر نجاعة لإنهاء المأساة. الطريق الذي يحفظ الدماء ويعيد الحقوق بوسائل القانون والسياسة، لا بالانتقام الذي يورّث الحقد جيلًا بعد جيل.

لقد جرّب العالم مرارة الحروب، ثم تعلّم أن السلام، مهما بدا صعبًا، هو الطريق الوحيد للحياة. أوروبا التي تقاتلت قرونًا، وحُرقت مدنها في الحربين العالميتين، أصبحت اليوم قارةً واحدة بلا حدود داخلية، لأن شعوبها أدركت أن الأمن الجماعي أهم من الكبرياء القومي. وكذلك يمكن للمنطقة العربية أن تنتقل من دوائر الصراع إلى فضاء التعايش إذا امتلكت الشجاعة للمصارحة والمصالحة.

إن السلام ليس خيارًا بين بدائل متعددة؛ بل هو البديل الوحيد المتبقي أمامنا جميعًا: الفلسطينيين، والعرب، والإسرائيليين، والعالم أجمع. فكل الطرق الأخرى تؤدي إلى مزيدٍ من الخراب وسفك الدماء.

وحين يصبح السلام ضرورةً لا خيارًا، علينا أن نمتلك الشجاعة للسير فيه، وأن نفهم أنه لا ينقص من كرامتنا؛ بل يضيف إلى إنسانيتنا، ويُمهّد لأجيالنا المقبلة طريقًا نحو حياةٍ تستحق أن تُعاش.

** كاتب بحريني

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الرئيس اللبناني: لا خيار أمامنا غير التفاوض لإنهاء العدوان الإسرائيلي

قال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن كل من يغذي الفتنة يقدم خدمة لإسرائيل، مشدد على أن السلم الأهلي لا يمكن المساس به، وأن اللبنانيين باتوا على قناعة تامة بأنه لا عودة إلى الوراء.

 

وخلال استقباله وفد نقباء المهن الحرة، أشار إلى أن الطبقة السياسية تعمل عبر خطاب واضح وموحد على إبعاد شبح الفتنة وتأثيرها الكارثي.

 

وأوضح أن العمود الفقري لمنع الفتنة هو الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، الذين يتعرضون أحياناً للانتقاد والتهجم رغم تضحياتهم الكبيرة واستشهاد العديد منهم، وتصديهم لواجبهم على أكمل وجه رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة.

وكشف عون عن حجم الخسائر المأساوي الذي تكبده لبنان جراء الحرب، قائلا إن البلاد فقدت أكثر من 3 آلاف شهيد، وأكثر من مليون نازح، وآلاف المنازل المهدومة، مع عدم وجود أفق لانتهاء هذا الوضع المأساوي.

وأضاف: "كان لزاماً عليّ كرئيس للجمهورية القيام بما يفرضه عليّ ضميري وواجبي تجاه بلدي وشعبي، ولا خيار آخر أمامنا غير التفاوض".

من جهة أخرى، تحدثت تقارير إعلامية داخل إيران، عن أن "النص الإيراني النهائي لمذكرة التفاهم المحتملة بين إيران والولايات المتحدة، والهادفة إلى إنهاء الحرب، لا يزال قيد المناقشة والمراجعة داخل طهران"، مؤكداً أنه لم يتم إرسال أي رد رسمي حتى الآن.

وأوضح المصدر، في تصريحات لوكالة "مهر"، أن "إيران تتعامل مع المقترحات المطروحة بحذر شديد"، مشيراً إلى أن سجل الولايات المتحدة في عدم الالتزام بالاتفاقات السابقة والتجارب التاريخية بين الطرفين يدفع صناع القرار الإيرانيين إلى التدقيق في جميع التفاصيل قبل اتخاذ أي خطوة.

وأضاف أن "فريق التفاوض الإيراني يركز على ضمان تحقيق مكاسب عملية وملموسة لإيران، مستنداً في ذلك إلى الخبرات والتجارب السابقة في مسار المفاوضات مع واشنطن".

في وقت سابق، قال سعيد أجرلو عضو الفريق الإعلامي للهيئة التفاوضية في إيران، إن زيارة محمد باقر قاليباف إلى قطر، تطرقت إلى نقاشات بشأن الأموال الإيرانية المجمدة.

وأوضح أجرلو أن الفريق التفاوضي الإيراني يصر على أن يكون 12 مليار دولار تحت تصرفه فور توقيع الاتفاق.

وأضاف أجرلو أن المفاوضات جرت على أساس أنه إذا واجهت إيران أي اضطراب في الوصول إلى الأصول المجمدة، فيمكنها الانسحاب من الاتفاق، مشيرا إلى أن هذا المبلغ يجب أن يستخدم بطريقة تضمن تنفيذ الاتفاق.

وأوضح أن 6 مليارات دولار من هذا المبلغ هي أموال إيرانية مجمدة سابقا، بينما تمثل الـ6 مليارات الأخرى المبلغ الذي ينبغي تحريره في هذه المرحلة، لافتا إلى أن قطر تواصل دورها كوسيط لمحاولة حل هذه المسألة.

في سياق آخر، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، إنه "لا شيء يمكن أن يبرر" استمرار العمليات العسكرية واحتلالا إسرائيليا مطوّلا في لبنان، في وقت تواصلت المواجهات ليلا بين إسرائيل وحزب الله رغم إعلان واشنطن عن هدنة.

وقال وزير الخارجية الفرنسي في حديث تلفزيوني عبر فرانس تي في "من غير الوارد إطلاقا أن يُضحّى بلبنان تكفيرا نوعا ما عن تعثّر التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنه تحدث مساء الاثنين مع نظيره الأميركي ماركو روبيو.

وقال بارو "ما نريده هو أن تُعقد المحادثات المقررة هذا الأسبوع بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية في أفضل الظروف الممكنة".

ترامب يوبخ نتنياهو بسبب لبنان

كشفت مصادر أمريكية لموقع أكسيوس أن الرئيس دونالد ترامب شن هجوما حادا على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو خلال اتصال هاتفي يوم الاثنين على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

وبحسب المصادر، وبخ الرئيس ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان خلال مكالمة مليئة بالألفاظ النابية يوم الاثنين، وفق ما أفاد به مسؤولان أمريكيان ومصدر ثالث مطلع على المكالمة لموقع "أكسيوس".

ووفق المصادر، وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون" واتهمه بـ"نكران الجميل"، كما أوقف خطة إسرائيلية كانت تستهدف تنفيذ ضربات على بيروت.

وقال مسؤول أمريكي إن "ترامب أبلغ نتنياهو أن تنفيذ تهديداته بقصف العاصمة اللبنانية سيؤدي إلى مزيد من عزلة إسرائيل دوليا".

وأضافت المصادر أن ترامب ذكّر نتنياهو بدعمه له خلال محاكمته في قضايا الفساد، قائلا: "أنت مجنون.. كنت ستدخل السجن لولا دعمي لك.. أنا أنقذك والجميع يكرهك الآن.. والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".

كما نقل مصدر آخر أن ترامب صرخ بوجه نتنياهو قائلا: "ماذا تفعل بحق الجحيم؟".

ووفق المسؤولين الأمريكيين، فإن ترامب يدرك أن حزب الله يطلق النار على إسرائيل، لكنه اعتبر أن رد نتنياهو في الأيام الأخيرة كان "غير متناسب" خصوصا مع توسيع العملية البرية في جنوب لبنان وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

وأشار مسؤول أمريكي آخر إلى أن ترامب اعترض أيضا على سياسة تدمير المباني لاستهداف قائد واحد من حزب الله.

وفي أعقاب الاتصال، أفاد مسؤول إسرائيلي لموقع "أكسيوس" بأن إسرائيل لم تعد تخطط لضرب أهداف لحزب الله في بيروت.

ورغم التوتر، أكد نتنياهو بعد الاتصال أن إسرائيل ستواصل عملياتها في جنوب لبنان، وقال: "موقفنا لم يتغير".

لكن مسؤولا أمريكيا آخر اعتبر أن ترامب فرض موقفه بالكامل خلال الاتصال، مضيفا أن نتنياهو أنهى المكالمة بالقول: "حسنا، حسنا.. فقط تأكدوا من معالجة كل شيء".

وكانت هيئة البث العبرية الرسمية قد أفادت بأن إسرائيل خططت لمهاجمة الضاحية الجنوبية صباح الاثنين ولكن في الساعات القليلة الماضية وبسبب التدخل الأمريكي، تم تأجيل الهجوم.

وأشارت إلى أنه ومع تصاعد وتيرة هجمات حزب الله، من غير الواضح في هذه المرحلة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح بهجوم على بيروت في ظل التهديدات الإيرانية بما فيها شن هجوم مباشر على إسرائيل.

كما تأتي التطورات عقب إعلان وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية بأن طهران اتخذت قرارا بتعليق تبادل الرسائل غير المباشرة مع واشنطن، نتيجة تواصل الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، واشترطت لاستئناف هذه المحادثات أن توقف إسرائيل هجماتها على لبنان وتنسحب بالكامل من المناطق التي احتلتها.

جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أنه أجرى مكالمة جيدة جدا مع حزب الله وأن الحزب وافق على وقف كافة عمليات إطلاق النار بحيث يتوقف تبادل الهجمات بين الطرفين.

كما أشار إلى أنه أجرى اتصالا مثمرا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مؤكدا أن إسرائيل لن تهاجم حزب الله والحزب لن يهاجم إسرائيل.

 

مقالات مشابهة

  • تركيا: القضية الفلسطينية تمثل مأساة مستمرة ويجب وقف الإبادة بغزة
  • انتهاء محادثات اليوم الأول بين إسرائيل ولبنان في واشنطن واستئنافها الأربعاء
  • الهلال الأحمر المصري يستقبل الدفعة 45 من المصابين الفلسطينيين
  • قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
  • القضية الفلسطينية تتصدر لقاء السيسي ووفد مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية (فيديو)
  • الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
  • الرئيس اللبناني: لا خيار أمامنا غير التفاوض لإنهاء العدوان الإسرائيلي
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 206 لدعم الأشقاء الفلسطينيين
  • الرئيس اللبناني: لا خيار آخر غير التفاوض مع إسرائيل
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 204 لدعم الأشقاء الفلسطينيين