لم يعد ممكنا التعامل مع عمليات القتل والتدمير المتزايدة التي تقوم بها إسرائيل في قطاع غزة على أنها مجرد خروقات لوقف إطلاق النار بعدما أصبحت نسقا عاما يقول محللون إنه يرسخ مواصلة الحرب تحت مظلة خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فقد قتلت إسرائيل فلسطينيين اثنين في حي السلاطين شمال غزة مساء الأربعاء رغم إعلانها العودة إلى وقف إطلاق النار بعد 12 ساعة من الغارات العنيفة التي شنتها ليل الثلاثاء وقتلت خلالها 104 فلسطينيين وأصابت 153 آخرين.

كما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي الأربعاء أنه يعمل في منطقة أنفاق بمدينة خان يونس جنوبا، في حين أكد مسؤول أميركي للجزيرة استئناف العمل بالاتفاق في غزة.

وقال المسؤول إن واشنطن تتابع الوضع عن كثب، وإنها سترسل وفدا إلى إسرائيل، في حين اتهمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الجانب الإسرائيلي بإفشال الاتفاق، ودعت الوسطاء إلى الضغط من أجل الالتزام به.

لكن ترامب قال الثلاثاء إن إسرائيل لم تنتهك الاتفاق، وإنها تدافع عن نفسها، وإن على حماس التصرف بشكل جيد حتى لا يتم القضاء عليها.

أميركا بعيدة عن الواقع

ويعكس هذا الموقف الأميركي عدم تعامل إدارة ترامب مع الحقائق الماثلة على الأرض وتبنيها الرواية الإسرائيلية لتبرير قتل الفلسطينيين الذين يتعرضون للقتل الجماعي والإعدامات الميدانية كما تقول أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأميركية دلال عريقات.

فالحرب -كما قالت عريقات في برنامج مسار الأحداث- لا تزال متواصلة في غزة تحت مظلة وقف إطلاق النار، في حين الأميركيون يقومون برحلات مكوكية إلى إسرائيل دون زيارة الأراضي المحتلة للوقوف على ما تقوم به إسرائيل.

والمطلوب من ترامب حاليا -برأي عريقات- أن يعود إلى المنطقة ويزور فلسطين إذا كان راغبا في لعب دور رجل السلام كما يقول، لا أن يكتفي من الاتفاق كله باستعادة الأسرى الإسرائيليين.

إعلان

كما أن الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا مطالبة بمراقبة تنفيذ الاتفاق الذي وقّعت عليه، والتثبت مما يقوم به الطرفان على الأرض حتى لا يواصل الاحتلال توقيع العقاب الجماعي على الفلسطينيين تحت مظلة وقف إطلاق النار غير الموجود فعليا، حسب تعبير الأكاديمية الفلسطينية.

وإذا كانت الولايات المتحدة تريد ربط الاتفاق بجثامين أسرى الاحتلال فإنها مطالبة أيضا بالنظر في جثامين مئات الفلسطينيين التي تحتجزها إسرائيل منذ سنوات ضمن سياسة تقول عريقات إنها "إجرامية وممنهجة".

فليس من المقبول أن يتم قتل أكثر من 100 فلسطيني -بينهم 46 طفلا و20 امرأة- فضلا عن نسف مربعات سكنية كاملة ردا على قتل جندي إسرائيلي لم يقدم الإعلام الإسرائيلي دليلا واحدا على أن فلسطينيا هو من قتله كما يقول الخبير في الشأن الإسرائيلي الدكتور محمود يزبك.

ترامب هو المسؤول

وهذه هي المرة الثانية التي تتهم فيها إسرائيل المقاومة بقتل جندي في منطقة رفح الخاضعة تماما لقوات الاحتلال دون تقديم دليل، مما يعني -حسب يزبك- أنها تحمّل المدنيين الفلسطينيين مسؤولية فشلها في بسط سيطرتها.

واللافت في هذه المرة -كما يقول يزبك- أن ترامب تبنى الرواية الإسرائيلية التي تقول إن مقاتلا خرج من أحد الأنفاق ثم قتل جنديا، رغم أنه رفض تبني نفس الرواية الأسبوع الماضي، وقال إنه لا يستطيع تحميل الفلسطينيين مسؤولية الهجوم.

ورغم دفن الجندي الذي تحدّث الاحتلال عن مقتله فإنه لا دليل واحدا على تورط أي فلسطيني في قتله، بحسب يزبك الذي قال إن رد الفعل الإسرائيلي المبالغ فيه يعكس أن أكبر أدوات القتل في العالم موضوعة بيد جيش ضعيف لا يمكنه حماية نفسه في مناطق يسيطر عليها بشكل كامل.

وحتى لو كان الهدف من الغارات الإسرائيلية قتل 7 أو 8 قادة من حماس كما تقول إسرائيل فإن قتل هذا العدد الهائل من الفلسطينيين حولهم "ليس سوى محاولة لإرضاء بنيامين نتنياهو الذي ظهر غاضبا جدا"، كما يقول المحلل الفلسطيني.

فنتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية "يريد إثبات أنه في موقف قوة، لأن الجميع يعرفون أنه في موقف ضعف، وأنه يحمّل الفلسطينيين العزل فاتورة هذه الضعف"، حسب يزبك.

وأضاف أن المسؤول عن هذا العدد الكبير من الضحايا هو ترامب "لأنه لم يتحقق مما جرى، وأعطى ضوءا أخضر للانتقام دون تثبّت"، وفق يزبك.

إصرار على تخريب الاتفاق

أما مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون فيرى أن إسرائيل تواصل اختلاق ذرائع لتخريب الاتفاق، وأن على الوسطاء والولايات المتحدة اتخاذ موقف حاسم من هذا السلوك.

فإسرائيل تتذرع بأمور لا يمكن التحقق منها لقتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم في ظل سريان الاتفاق، في حين الولايات المتحدة تمنحها فرصة تثبت قواعد اشتباك جديدة يقول المدهون إنها "ستبقي الاتفاق في مرحلته الأولى دون الانتقال إلى بقية المراحل، أي فشل الاتفاق".

فما حدث من قتل وتدمير لا يمكن اعتباره رد فعل على قتل جندي إسرائيلي حتى لو كانت الرواية الإسرائيلية صحيحة، وسيمثل هذا السلوك مشكلة كبيرة برأي المدهون إذا لم يتخذ الوسطاء موقفا منه.

فنتنياهو يحاول الهروب من مشاكله الداخلية بقتل الفلسطينيين، فضلا عن سعيه إلى رفض الاتفاق عمليا بعدما عجز عن إقناع ترامب بمواصلة الحرب التي يرى المدهون أنها لم تنته من الناحية العملية.

إعلان

في المقابل، يقول المسؤول السابق في الخارجية الأميركية توماس واريك إن ما قامت به إسرائيل كان منسقا مع الولايات المتحدة التي تدعم حق تل أبيب في الدفاع عن نفسها والرد على أي هجوم دون العودة إلى الحرب.

وهذا ما جعل إسرائيل تشن هجمات سريعة على أهداف حددتها مسبقا بالتنسيق مع الأميركيين لكي تضربها في حال تعرضها لأي هجوم من جانب حماس، كما يقول واريك.

وحمّل واريك حماس مسؤولية قتل المدنيين بقوله إن قادتها "يعيشون في بيوتهم وبين عائلاتهم، فضلا عن أنها لا تفصل مقاتليها عن المدنيين".

واعترف المسؤول الأميركي السابق بصعوبة التحقق من الجهة التي استهدفت القوات الإسرائيلية، لكنه قال إن تل أبيب تحمّل حماس مسؤولية خرق الاتفاق، وتقوم بالرد على هذا الأساس.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الولایات المتحدة قتل الفلسطینیین وقف إطلاق النار ل الفلسطینیین تحت مظلة کما یقول فی حین

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • الحرب على إيران وسعت العلاقة بين إسرائيل والإمارات.. مسؤول رفيع يكشف التفاصيل
  • وزارة الخزانة: أميركا تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران
  • ترامب ينفي تقارير إيرانية تحدثت عن توقف الاتصالات والمفاوضات.. وقت الاتفاق قد حان
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
  • أميركا أولاً في بغداد.. ماذا يخطط توم باراك لعراق الأزمات المترابطة؟
  • ترامب يفرض تعديلات أكثر تشددا على مقترح الاتفاق مع إيران
  • خلافات جديدة تعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.. طهران تطلب تعديلات وترامب يتمسك بالتشدد