قصة نجاح بحرينية خليجية
تاريخ النشر: 8th, November 2025 GMT
عبدالنبي الشعلة
هي قصة رؤيةٍ بعيدة المدى، وبصيرةٍ ثاقبةٍ لمُؤسس نهضة البحرين الحديثة المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة- طيب الله ثراه- الذي وجَّه في أواخر ستينات القرن الماضي بإطلاق برنامج وطني للتنمية الاقتصادية يهدف إلى تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل جديدة لأبناء الوطن.
ومن بين ثمار تلك الرؤية، وضمن ذلك البرنامج الطموح، وُلد مشروع شركة ألمنيوم البحرين "ألبا"، التي دشّنت إنتاجها في العام 1971 بطاقة بلغت 120 ألف طن سنويًا من الألمنيوم النقي، قبل أن تتوسع اليوم لتصل طاقتها الإنتاجية إلى 1.6 مليون طن سنويًا، مساهمةً بنسبة 12% من الناتج المحلي الإجمالي للبحرين، وموفرةً أكثر من ثلاثة آلاف وظيفة، يشكّل البحرينيون فيها نحو 87% من إجمالي القوى العاملة، وهي نسبة تسعى الشركة لرفعها إلى 90% خلال السنوات المقبلة.
هذه القصة البحرينية الملهمة، رواها بتفاصيلها الرئيس التنفيذي لشركة "ألبا" علي البقالي، خلال مشاركته الأسبوع الماضي في مؤتمر ومعرض (عربال 2025 لصناعة الألمنيوم) الذي استضافته مدينة دبي، بمشاركة أكثر من 500 من كبار المسؤولين والخبراء من مختلف أنحاء العالم.
وفي عرضه أمام الحضور، أعلن البقالي بفخر عن إنجاز عالمي غير مسبوق تمثّل في حصول "ألبا" على تصنيف خمس نجوم من مجلس السلامة البريطاني، لتصبح أول مصهر للألمنيوم في العالم ينال هذا التصنيف خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وقد جاء هذا التتويج بعد عملية تدقيق صارمة جرت في أكتوبر الماضي، ليُتوّج استراتيجية الشركة التي تقوم على ركائز أساسية في مقدمتها: السلامة أولًا، ورفاهية العاملين، والالتزام الصارم بالمعايير البيئية، وجودة الإنتاج، وحماية مصالح المساهمين، والمواصلة في مبادرات التطوير والتحديث والتوسع.
وفي هذا الإطار، تعمل "ألبا" حاليًا على إعداد خطة لإنشاء خط إنتاج سابع، أو بديل، يحل محل الخطوط الثلاثة الأولى التي شُيّدت في بدايات الشركة، لتُستبدل بتقنيات أكثر تطورًا وكفاءة وأقل كلفة، وأكثر توافقًا مع معايير البيئة الحديثة.
إن تدشين "ألبا" لم يكن مجرد مشروع صناعي واعد، بل تحوّل إلى نموذجٍ رائدٍ ألهم دول الخليج في توجهها لتنويع اقتصاداتها وتأسيس صناعات تحويلية متقدمة.
ففي العام 1979 بدأت شركة دبي للألمنيوم "دوبال" إنتاجها بطاقة 50 ألف طن سنويًا، قبل أن تتوسع لاحقًا لتصبح جزءًا من شركة الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA). بطاقة تبلغ 2.5 مليون طن.
وفي العام 2008 دشّنت سلطنة عُمان مصهر شركة "صحار للألمنيوم"، تلتها قطر في العام التالي بافتتاح شركة "قطر للألمنيوم"، ثم المملكة العربية السعودية في 2012 بإطلاق "شركة معادن" من مجمعها الصناعي في رأس الخير بالمنطقة الشرقية.
وبذلك بلغ الإنتاج الخليجي الإجمالي نحو 7 ملايين طن سنويًا؛ أي ما يعادل 10% من إجمالي الإنتاج العالمي من الألمنيوم، وهو رقم يعكس المكانة التي بلغتها هذه الصناعة في اقتصادات المنطقة.
وعندما بدأت صناعة الألمنيوم في الخليج في سبعينيات القرن الماضي، كانت تُدار بمعرفة خبراء أجانب. وقد عاصرتُ بنفسي تلك المرحلة، وربطتني علاقة وثيقة بأول رئيس تنفيذي لشركة "ألبا"، إيان ليفنغستون، الذي انتقل لاحقًا لإدارة شركة "دوبال".
أما اليوم، فقد تغيّرت الصورة جذريًا؛ إذ تقود هذه الصناعة كفاءات خليجية متميزة، من بينهم علي البقالي في البحرين كما ذكرنا، ونذكر بالقدر نفسه من الفخر والاعتزاز عبدالناصر بن كلبان في الإمارات، وسعيد المسعودي في سلطنة عُمان، وخالد محمد لرم في قطر، وعلي القحطاني في المملكة العربية السعودية، وجميعهم يشكلون نخبة من القيادات الخليجية التي أثبتت كفاءتها في إدارة واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية في المنطقة.
ومعهم المئات من المهندسين والفنيين والإداريين الخليجيين الذين يشكّلون رصيدًا بشريًا ومعرفيًا يفخر به كل بيت خليجي.
وفي بدايات الصناعة، كانت التكنولوجيا والتقنيات التشغيلية مستوردة بالكامل من الولايات المتحدة وأوروبا. أما اليوم فقد أصبح الخليجيون روادًا في تطوير التكنولوجيا الصناعية.
فقد حققت (شركة الإمارات العالمية للألمنيوم) إنجازًا نوعيًا عندما طوّرت تقنية (DX+ Ultra) التي ضاعفت كفاءة خلايا الاختزال وخفّضت استهلاك الطاقة بنسبة 37.5% مقارنة بالتقنيات السابقة، لتصبح أول شركة خليجية تصدّر تقنيتها الصناعية إلى الخارج.
وفي خطوة لافتة، استحوذت الشركة ذاتها العام الماضي على 80% من أسهم شركة "سبيكترو ألويز" الأمريكية لإعادة تدوير الألمنيوم في ولاية مينيسوتا، كما تخطط لإنشاء مصنع ضخم في الولايات المتحدة بطاقة 600 ألف طن سنويًا من الألمنيوم الأولي؛ أي ما يعادل ضعف الإنتاج المحلي الأمريكي الحالي من هذه المادة الحيوية.
ويُعدّ التعاون بين شركات الألمنيوم الخليجية مثالًا يُحتذى في التكامل الصناعي والاقتصادي، بفضل الدور المحوري الذي يقوم به مجلس الألمنيوم الخليجي بقيادة أمينه العام السيد محمود الديلمي، الذي يسهم في تعزيز التنسيق والتعاون في مختلف المجالات بين الشركات المنتجة في دول المجلس، إلى جانب تنظيم مؤتمر ومعرض "عربال" السنوي، وتنظيم حفل العشاء الخليجي السنوي الذي يجمع المنتجين والموردين والمستهلكين الدوليين، في إطارٍ من التفاهم والشراكة المهنية المتينة.
إن قصة "ألبا" ليست مجرد قصة نجاح شركة وطنية؛ بل قصة تحوّل اقتصادي شامل جعل من البحرين أول دولة خليجية تدخل عالم الصناعات الثقيلة الحديثة بثقة واقتدار.
ومن رحم هذه التجربة وُلدت مشاريع مشابهة في دول الجوار الشقيقة، لترسم معًا ملامح نهضة خليجية صناعية متكاملة، تُثبت أن الرؤية البعيدة والحكمة القيادية يمكن أن تُحوّل الأفكار إلى مؤسسات، والأحلام إلى واقع، والطموح إلى إنجازٍ عالميٍّ مشهود.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.