كيف أدت القضية المرفوعة ضد ساركوزي إلى انقسام حاد في فرنسا؟
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
نشرت صحيفة "إزفيستيا" الروسية تقريرا يسلط الضوء على تداعيات الحكم بالسجن على الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، واحتمالات عودته إلى الساحة السياسية بعد انقضاء الحكم.
وقالت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن إيداع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي السجن في 21 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري أثار الكثير من الجدل في فرنسا وأحدث انقسامًا حادًا داخل المجتمع على أسس أيديولوجية.
وأضافت أنه وفقًا لاستطلاع أجراه معهد "إيلاب" عقب صدور الحكم في 25 أيلول/ سبتمبر، أعرب 40 بالمئة من الفرنسيين عن رضاهم عن الحكم، فيما أبدى 21 بالمئة استياءهم، بينما عبّر 39 بالمئة عن عدم اهتمامهم بالقضية.
وقد رحّب التيار اليساري بالحكم، إذ أعرب 71 بالمئة عن رضاهم، معتبرين القرار انتصارًا للعدالة على حساب الامتيازات السياسية. في المقابل، رأى اليمين الفرنسي في الإدانة شكلًا من الاضطهاد السياسي.
ويُظهر الاستطلاع أيضًا أن 61 بالمئة من الفرنسيين إجمالاً يعتبرون تنفيذ الحكم الفوري خطوة عادلة، إلا أن هذا التأييد يتراجع بوضوح في صفوف اليمين، إذ لا يتعدى 29 بالمئة بين أنصار حزب "الجمهوريون"، و38 بالمئة بين مؤيدي حزب "التجمع الوطني".
وتعكس هذه المعطيات -وفقا للصحيفة- اتساع الفجوة بين الفرنسيين في نظرتهم إلى القضاء، في مشهد يعيد تسليط الضوء على عمق الانقسام السياسي داخل البلاد.
دعم من اليمين
وقالت الصحيفة إن الحكم الصادر بحق الرئيس الفرنسي الأسبق أثار ردود فعل حادة ومتباينة داخل الأوساط السياسية، كاشفًا عن انقسامات عميقة في النظرة إلى دور السلطة القضائية ومكانتها في النظام الديمقراطي الفرنسي.
وأكدت أن التيار اليميني عبّر عن تضامنه الكامل مع ساركوزي، حيث عبّر لوران فوكييه، زعيم حزب "الجمهوريون"، عن دعمه وامتنانه لـ"رجل الدولة"، بينما وصف رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه، الوضع بأنه "محزن"، مشيدًا بـ"شجاعة ساركوزي".
وترى الصحيفة أن هذه المواقف تعكس رغبة اليمين في الالتفاف حول شخصية رمزية يُنظر إليها باعتبارها ضحية لملاحقة قضائية ذات أبعاد سياسية.
وأشارت الصحيفة إلى أن إعلان وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان نيّته زيارة ساركوزي في السجن أثار انتقادات حادة من اتحاد القضاة، الذي اتهمه بـ"الخلط بين السلطات" و"المساس باستقلال القضاء".
كما أثار اللقاء الذي جمع الرئيس إيمانويل ماكرون بساركوزي في قصر الإليزيه عشية صدور الحكم موجة من الجدل، إذ وصفه السكرتير الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور، بأنه "سلوك غير طبيعي" و"محاولة للتأثير على القضاء".
في المقابل، دافع مؤيدو اللقاء عن الخطوة، ورأوا فيها تعبيرًا عن تقليد جمهوري يفرض احترام رؤساء الدولة السابقين بصرف النظر عن وضعهم القانوني.
وانتقدت مارين لوبان، زعيمة حزب "التجمع الوطني"، التي أُدينت مؤخرًا بحكم نافذ يقضي بعدم أهليتها للترشح للانتخابات لمدة 5 سنوات، ما وصفته بـ"الاستخدام المفرط لإجراء التنفيذ الفوري للأحكام"، معتبرة أنه يمثل تهديدًا لمبدأ قرينة البراءة.
وتُجسّد هذه المواقف -حسب الصحيفة- استراتيجية اليمين المتطرف الرامية إلى نزع الشرعية عن السلطة القضائية واتهامها بالتسييس واستخدامها كأداة في معاركها السياسية.
شعبية ساركوزي
تضيف الصحيفة أن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مازال يحتفظ بشعبية كبيرة لدى شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي رغم كل الملاحقات والأحكام القضائية الصادرة ضده، وهي مفارقة سياسية لافتة تعبّر عن ظاهرة جديرة بالدراسة.
وحسب مقياس معهد "إيفوب" لشهر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، يحتل ساركوزي المركز الرابع بين الشخصيات السياسية الفرنسية، بنسبة 39 بالمئة من التقييمات الإيجابية، بتراجع طفيف قدره ثلاث نقاط فقط مقارنة بشهر أيلول/ سبتمبر رغم الضجة التي أثارها الحكم القضائي ضده. ويتصدر القائمة رئيس الوزراء الأسبق جان لوي بورلو بنسبة 42 بالمئة، يليه دومينيك دو فيلبان بـ41 بالمئة، ثم إدوار فيليب بنسبة 40 بالمئة.
وفي صفوف مؤيدي حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، فقد ارتفعت نسبة التأييد لساركوزي بست نقاط مئوية لتصل إلى 39 بالمائة بعد إدانته، في مؤشر واضح على توحّد المعسكر اليميني في مواجهة ما يعتبره "ملاحقة قضائية مسيّسة".
وحسب الصحيفة، ما يزال ساركوزي مؤثرا داخل الأوساط المحافظة رغم ابتعاده رسميًا عن العمل السياسي، حيث التقى به رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بعد مرور 48 ساعة فقط على تعيينه، في إشارة إلى استمرار تأثيره في دوائر صنع القرار العليا.
المستقبل السياسي
تؤكد الصحيفة أن إدانة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي تشكل عمليًا نهاية لاحتمالات عودته رسميا إلى الحياة السياسية الفرنسية.
فالحكم الصادر بحقه يتضمن الحرمان من الترشح للانتخابات لمدة 5 سنوات، إضافة إلى سحب حقوقه المدنية والسياسية.
وحتى في حال نجاح الاستئناف وتخفيف العقوبة أو تعليق تنفيذها، فإن الأضرار المعنوية التي لحقت بسمعته، إلى جانب تقدمه في السن تجعل من الصعب تصور عودته إلى المناصب العامة أو المشاركة الفاعلة في الساحة السياسية، وفقا للصحيفة.
وترى "إزفيستيا" أن مستقبل ساركوزي يمكن أن يتخذ ثلاثة مسارات رئيسية. أولاً، الإفراج المبكر واستمرار النفوذ من وراء الكواليس، حيث يُعوّل محامو ساركوزي على خروجه من السجن بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع من تقديم طلب رسمي، استنادًا إلى القوانين الفرنسية التي تسمح للمحكوم عليه بقضاء ثلث مدة العقوبة داخل السجن وإمكانية تحويلها إلى إقامة جبرية.
ضمن هذا السيناريو، يُتوقع أن يواصل ساركوزي تأثيره غير المباشر في المعسكر اليميني من خلال العلاقات الشخصية والظهور الإعلامي والكتابة، دون أي منصب رسمي.
يتمثل السيناريو الثاني في أن يتحوّل ساركوزي إلى رمز لـ"الاضطهاد السياسي" لليمين الفرنسي، إذ ترى بعض الشخصيات اليمينية، مثل الوزيرة السابقة نادين مورانو أنهم "سيجعلون منه بطلاً وشخصية رومانسية.. سيصبح أسطورة".
ويتمثل السيناريو الثالث وفقا للصحيفة، في تراجع تأثير نيكولا ساركوزي السياسي على المدى الطويل وتهميشه داخل معسكر اليمين.
ويشير المحللون إلى أنه فقد تأثيره منذ خسارة الانتخابات التمهيدية لحزب "الجمهوريون" عام 2016، قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2017، لصالح فرانسوا فيون. كما أن الأعضاء الشباب في الحزب الذين انتُخبوا بعد فترة رئاسته نادرًا ما شغلوا مناصب وزارية، ولا يحملون ولاءً شخصيًا له.
إلى جانب ذلك، فإن تعدد القضايا التي تورط فيها - من قضية التمويلات الليبية، إلى إدانته عام 2021 بتهم فساد واستغلال نفوذ في قضية "بيغماليون" - رسخ صورته كسياسي غارق في الفضائح، مما يجعل إعادة تأهيله سياسيا أمرا صعبا للغاية، على حد تعبير الصحيفة.
تغطية واسعة عالميا
تضيف الصحيفة أن الحكم بسجن الرئيس الفرنسي الأسبق حظي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام العالمية، باعتباره حدثًا غير مسبوق في تاريخ الديمقراطيات الغربية الحديثة.
فقد أشارت وكالتا "رويترز" و"بي بي سي" إلى الرمزية التاريخية للحظة، وذكّرتا بأن آخر زعيم فرنسي دخل السجن كان المارشال فيليب بيتان، والذي أُدين بالخيانة العظمى عام 1945 بسبب تعاونه مع ألمانيا النازية.
أما صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد حذّرت من أن يأخذ "الخطاب السياسي في فرنسا منحى ترامبيا كارثيا" في إشارة إلى الاتجاه المتزايد نحو تسييس العدالة وتقويض الثقة في القضاء، مقتبسة من افتتاحية بصحيفة "لوموند" عبّرت عن القلق من أن هجوم بعض السياسيين على المؤسسة القضائية يهدد أسس دولة القانون.
أزمة هيكلية
ترى الصحيفة أن قضية ساركوزي تكشف أزمة هيكلية في النظام السياسي الفرنسي، تتجلى في انهيار الثقة بالأحزاب التقليدية وتصاعد الشعبوية يمينًا ويسارًا، وتآكل الرابط بين النخب السياسية والمجتمع.
والمفارقة -حسب الصحيفة- أن هذا الحدث يمكن قراءته في اتجاهين متناقضين. فمن جهة، يُعد انتصارًا لمبدأ سيادة القانون الذي لا يستثني أحدًا. ومن جهة أخرى، تنظر إليه شريحة من المجتمع بوصفه دليلًا على تسييس القضاء وفقدانه للشرعية.
وتختم بأنه مع دخول فرنسا مرحلة من الاضطرابات السياسية، تلوح الانتخابات الرئاسية لعام 2027 بالغة التعقيد، وقد تلعب فيها فقضية ساركوزي دورا محوريا، سواء عبر إعادة تشكيل خطاب اليمين، أو التأثير على ثقة الناخبين في القضاء، أو تغذية النقاش حول الفساد والمساءلة السياسية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة إسرائيلية ساركوزي السجن فرنسا فرنسا السجن ساركوزي انقسام حاد سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الرئیس الفرنسی الأسبق نیکولا سارکوزی الصحیفة أن
إقرأ أيضاً:
باحث سياسي: الإدارة الأمريكية تواجه تحديات كبيرة في تقييم طبيعة القرار السياسي داخل إيران
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قال نعمان أبو عيسى الكاتب والباحث السياسي، أن الإدارة الأمريكية تواجه تحديات كبيرة في تقييم طبيعة القرار السياسي داخل إيران، خاصة في ظل تعقيد المشهد الداخلي الإيراني وتعدد مراكز التأثير وصنع القرار، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مسار المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
وأضاف عيسى، خلال مداخلة على فضائية القاهرة الإخبارية، أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي، تعكس حجم الصعوبات التي تواجهها واشنطن في التوصل إلى تفاهمات نهائية مع الجانب الإيراني، مشيرًا إلى أن المفاوضات لا تزال تمر بمراحل معقدة وحساسة رغم استمرار الاتصالات بين الطرفين.
وأشار الباحث السياسي، إلى أن أحد أبرز أسباب تعثر المفاوضات يتمثل في وجود تيارات متعددة داخل إيران تتباين رؤيتها تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة، حيث تضم الساحة السياسية الإيرانية أطرافًا متشددة ترفض تقديم تنازلات كبيرة، في مقابل تيارات أخرى ترى أن الحلول التفاوضية قد تكون الخيار الأنسب لتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية، وهذا التباين في المواقف داخل المؤسسات الإيرانية ينعكس على سرعة اتخاذ القرار، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير الردود الرسمية على المقترحات الأمريكية، وهو ما يفسر حالة البطء التي تشهدها جولات التفاوض خلال الفترة الأخيرة.
وأكد أن الفجوة بين المطالب الأمريكية والرؤية الإيرانية لا تزال قائمة رغم وجود بعض المؤشرات التي توحي بحدوث تقارب نسبي في بعض الملفات، موضحًا أن هذا التقارب لم يصل بعد إلى المستوى الكافي الذي يسمح بإبرام اتفاق شامل أو تحقيق اختراق سياسي حقيقي.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحصول على ضمانات وتنازلات تراها ضرورية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، بينما تتمسك إيران بمجموعة من الشروط التي تعتبرها أساسية للحفاظ على مصالحها وسيادتها، وهو ما يجعل الوصول إلى نقطة التقاء أمراً بالغ الصعوبة حتى الآن.
ولفت الباحث السياسي إلى أن استمرار النظام الإيراني وقدرته على الحفاظ على تماسك مؤسساته رغم الضغوط والعقوبات والتوترات الإقليمية يمثل أحد العوامل المؤثرة في حسابات الإدارة الأمريكية، موضحًا أن واشنطن كانت تراهن في مراحل سابقة على أن تؤدي الضغوط المتراكمة إلى تغيير في سلوك طهران أو دفعها نحو تقديم تنازلات أكبر، إلا أن استمرار النظام الإيراني في إدارة الأوضاع الداخلية والخارجية منح القيادة الإيرانية مساحة أوسع للمناورة خلال المفاوضات.
وأشار إلى أن إسرائيل لا تنظر بإيجابية إلى احتمالات التوصل إلى اتفاق تفاوضي شامل بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرًا أن أي تقارب بين الطرفين قد ينعكس على التوازنات الإقليمية بصورة لا تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، كما أن تل أبيب تحاول التأثير على أجواء المفاوضات بشكل غير مباشر من خلال التصعيد في بعض الملفات الإقليمية، مشيرًا إلى أن التوترات والحروب الدائرة في المنطقة تسهم في زيادة تعقيد المشهد السياسي وتؤثر على فرص تحقيق تقدم سريع في المباحثات.
وفي ختام حديثه، أكد على أن مستقبل المفاوضات سيظل مرتبطًا بقدرة الطرفين على تقليص هوة الخلافات القائمة والتوصل إلى صيغة توازن بين المصالح المتعارضة، مشيرًا إلى أن أي تقدم حقيقي يتطلب توافقًا داخليًا داخل إيران من جهة، ومرونة سياسية أمريكية من جهة أخرى، حيث أن المشهد لا يزال مفتوحًا على عدة احتمالات، في ظل استمرار التباينات السياسية والإقليمية التي تجعل الوصول إلى اتفاق نهائي مهمة شديدة التعقيد، رغم استمرار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تجنب مزيد من التصعيد في المنطقة.