جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@00:12:35 GMT

للأفكار حياة

تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT

للأفكار حياة

 

 

 

د. صالح بن ناصر القاسمي

لكل كائن حياة يمر من خلالها بمراحل زمنية، وهذه هي سنن الله في الكون، يكتسب من خلالها ذلك الكائن عوامل قوته واستمراريته، ليؤدي دوره المنوط به في هذه الحياة.

والكثير منا لا يلتفت إلى أن الأفكار التي ينتجها الإنسان من خلال ممارسته لأدواره تشبه الكائن الحي، لها مولدها، وتمر بمراحل أيضا، وهي معرضة للاندثار والممات حالها كحال الكائن البشري.

وقد جاء القرآن الكريم حاثا الإنسان على التدبر والتأمل اللذين من خلالهما تنتج الأفكار؛ فكثير من الآيات القرآنية اختتمت بقوله تعالى: "أفلا يتدبرون"، وكذلك حثت السنة النبوية على طلب العلم الذي هو وسيلة إنتاج الأفكار، فقد ورد عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، وعبارة من المهد إلى اللحد تدل دلالة لا لبس فيها على أن العلم ليس له فترة زمنية، وإنما الإنسان مطالب بالبحث والتقصي في جميع مراحل عمره، وهذا فيه تشجيع على تحصيل العلم والمعرفة والتفكير والتعلم.

والمجتمعات البشرية تعتمد في حياتها على نتاج الأفكار، وما نعيشه الآن من طفرة في كل المجالات ما هي إلا صناعة أفكار الإنسان. والأفكار إما أن تأتي للإصلاح والمحافظة على القيم والأخلاق والمبادئ، وإما أن تتجه مباشرة إلى إنتاج السلع والأدوات.

الكثير منا لا يعلم أن هناك علما قائما بذاته يسمى تاريخ الأفكار، وهو فرع من فروع علم التاريخ والفلسفة، يقوم هذا العلم بتتبع الأفكار التي أنتجها الإنسان خلال العصور كافة، وهو يهتم بدراسة تطور الأفكار والمفاهيم والمصطلحات، وتتبع معانيها، وما إذا كانت محافظة على أصولها أم أن التغيير لحق بها وتغير معناها.

عديد النظريات بدأت بفكرة، ثم تطورت هذه الفكرة لتصبح نظرية علمية أنتجت مفاهيم إنسانية ساعدت البشرية على تحسين أسلوب ونمط حياتها، ابتداء من الحاجات الضرورية مرورا بالكماليات.

وفي المقابل، سارع الإنسان بخلق أفكار أنتجت وسائل الدمار الشامل، التي بإمكانها القضاء على أسباب الحياة الإنسانية في لحظة واحدة فقط، فالصراع البشري مستمر منذ قصة قابيل وهابيل، غير أن الوسائل المستخدمة في تلك الصراعات تغيّرت.

والأفكار النظرية غالبًا ما تكون أخطر على المجتمعات من أدوات الدمار؛ فأحد أخطر الحروب هي تلك التي تستخدم نشر الأفكار في المجتمعات المستهدفة، وتكمن خطورتها في تبنيها من قبل أفراد المجتمع؛ مما يسرع في دمار المجتمعات من الداخل. لذلك يقع عبء الدفاع على عاتق المفكرين والباحثين الذين يناط بهم تقصّي حقائق الأفكار، والعمل على تنقيتها وتصحيح مسار انتشارها، والقضاء على سيّئها قبل استيطانها في العقول.

على المجتمعات أن تعمل على صناعة العقول القادرة على إنتاج الأفكار، وخلق طبقة أو شريحة كبيرة من المفكرين الأحرار الذين لا ينطلقون من أيديولوجيا معينة، بل يتمتعون بحرية إنتاج الأفكار، فكلما كثر عدد المفكرين في أي مجتمع، كان ذاك المجتمع قادرًا على الصمود في مواجهة أية أفكار سيئة تضر بالمجتمع. مع ملاحظة أن المفكرين لا يقتصرون على مجالٍ معين؛ بل لا بُد أن تكون تلك الفئة المفكرة متوزعة على جميع المجالات، فحياة المجتمعات تحتاج إلى تكاملٍ وتضافر في الجهود.

إن المتتبع لتاريخ الحضارات والشعوب يلاحظ أن أكثر الحضارات عمرًا هي تلك التي أعطت مساحةً أكبر لإنتاج الأفكار، بل إن أكثرها رسوخا وتداولا في الثقافات، ولا زالت حتى الآن، هي تلك التي أنتجت أفكارًا، مثل الحضارة اليونانية التي اشتهرت باحتضان فلاسفة كبار أثروا الساحة الثقافية والفكرية بتراثهم الكبير، ولا زالت الساحة الثقافية العالمية تناقش تراثهم في كل المحافل. وكذلك فإن النهضة الأوروبية إنما قامت ونهضت نتيجة الإنتاج الفكري الذي عمل عليه فلاسفة كبار ومفكرون استطاعوا أن يغيّروا بأفكارهم المفاهيم القديمة، ويُحلّوا محلها مفاهيم أخرى ساهمت بشكل متسارع في قيام نهضة يعيش العالم حاليا في ظلال ما صنعته.

واليوم، لم تعد الأفكار حكرًا على النخب أو المفكرين الكبار؛ بل أصبحت متاحة للجميع عبر التكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، مما جعل العالم بأسره يعيش في سباق محموم لإنتاج الأفكار وتبنيها ونشرها. وأصبح التميز الفكري أحد عناصر القوة الناعمة التي تتسابق عليها الدول؛ إذ لم يعد التفوق يقاس فقط بالاقتصاد أو السلاح؛ بل بقدرة الشعوب على الإبداع والابتكار وصناعة الفكرة التي تحدث الفرق. وكل فكرة خلاقة قد تكون بذرة لمشروع، أو نواة لنهضة جديدة، أو حتى شرارة لتغييرٍ عالمي شامل.

كذلك.. فإن للأفكار جانبًا روحيًا عميقًا لا يقل أهمية عن جانبها العلمي أو الحضاري؛ فالفكرة الصالحة حين تغرس في النفس وتسقى بالقيم والأخلاق تصبح رسالة سامية تُثمر سلوكًا راقيًا وأثرًا مُمتدًا في المجتمع. ومسؤولية الإنسان لا تقتصر على حماية فكرته من الزوال فحسب؛ بل على تنقيتها من شوائب الهوى والمصلحة، وتوجيهها نحو ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، كما قال تعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" (الرعد: 17). وبهذه الروح تتجدد حياة الفكر، ويستمر عطاؤه مهما تغيّرت الأزمنة والوجوه.

وفي المقابل، اختفت حضارات وشعوب ولم تعد تذكر؛ لأنها أخفقت في إنتاج أفكار تمكنها من الاستمرارية، أو لأنها اعتمدت على فكر أحادي ولم تسمح بتعدد الأفكار. لذلك على المجتمعات إن أرادت السير في طريق التقدم والنمو والازدهار أن تسمح بتعدد الأفكار، فالتدافع هو السبيل إلى تحقيق ذلك، وهذا ما أكده القرآن الكريم بقوله تعالى: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" (الحج: 40).

إنَّ حياة الشعوب واستمرار نهضتها وتطورها مرهون بشكل مباشر بإنتاج الأفكار؛ بل بالسماح بتعدد مجالاتها التي يحتاجها كل مجتمع، فهو السبيل إلى النمو والازدهار.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الصين تسعى للتحول إلى "قوة طاقة عالمية" عبر الابتكار الأخضر وأمن الإمدادات

أفادت وكالة أنباء "شينخوا" الصينية، بأن الصين نجحت في تحقيق استقرار أسواق الطاقة المحلية وحماية صناعاتها التكنولوجية الناشئة، من خلال صياغة مسار متميز للتحول نحو الطاقة الخضراء وسط تصاعد النزاعات الجيوسياسية والتقلبات الحادة في الأسواق العالمية، مشيرة إلى أن ملامح الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030) تقترح لأول مرة بناء الصين كـ"قوة طاقة عالمية".

وبحسب وكالة شينخوا، فإن نظام الطاقة في البلاد صمد أمام الضغوط الخارجية خلال الأشهر الأخيرة، مع الحفاظ على استقرار السوق والأسعار ومستويات عالية من الاكتفاء الذاتي، حيث تجاوز إجمالي إنتاج الطاقة خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021-2025) ما يعادل 5 مليارات طن من الفحم القياسي، وهو ما يمثل خمس الإجمالي العالمي، مع الحفاظ على نسبة اكتفاء ذاتي تتجاوز 80%.

تقرير: حرب إيران تهدد ذروة الموسم السياحي في آسياhttps://t.co/mbwMclFAup pic.twitter.com/UMSYnGJ1q5

— 24.ae (@20fourMedia) May 31, 2026 مرونة الطاقة والاعتماد على الذات

ذكرت "شينخوا" أن الصين نفذت استراتيجية متوسطة وطويلة الأجل للحفاظ على إنتاج سنوي من النفط الخام يبلغ حوالي 200 مليون طن، مع نمو مطرد في إنتاج الغاز الطبيعي.

وتوضح الوكالة أن شبكة أنابيب النفط والغاز تمتد الآن لأكثر من 200 ألف كيلومتر، بينما تتجاوز قدرة استقبال الغاز الطبيعي المسال 120 مليون طن سنوياً، بالإضافة إلى بناء نظام استيراد متنوع يشمل التجارة مع ما يقرب من 50 دولة.

ووفقاً لبيانات الإدارة الوطنية للطاقة التي نقلتها شينخوا، ارتفع إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي الصناعي في الربع الأول بنسبة 1.3% و3% على التوالي، بينما زادت واردات النفط الخام بنسبة 8.9%، مما يعزز قدرة البلاد على تلبية الطلب الأساسي وبناء نظام إمداد أكثر مرونة وتكاملاً.

الطفرة الخضراء والتحول الهيكلي

أشارت الوكالة إلى أن بكين تمتلك الآن أكبر نظام للطاقة المتجددة وأسرعه نمواً في العالم، حيث بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة بنهاية مارس (آذار) الماضي 2.395 مليار كيلووات، بزيادة 22% عن العام السابق، وهو ما يمثل 60.4% من إجمالي قدرة توليد الكهرباء المركبة.

وتشير شينخوا إلى أن الخطة الخمسية القادمة تدعو إلى تسريع بناء نظام طاقة جديد نظيف ومنخفض الكربون، مع خطة لمضاعفة إنتاج الطاقة غير الأحفورية خلال عقد من الزمن، ويتوقع الخبراء أنه بحلول عام 2030، سيتجاوز توليد الكهرباء من الوقود غير الأحفوري نسبة 50%، لتصبح الطاقة الجديدة المحرك الرئيسي لزيادة إمدادات الكهرباء.

#روسيا تحظر تصدير وقود الطائرات حتى نهاية نوفمبر https://t.co/Q5M0k5sNJQ pic.twitter.com/g6o7Ks4hqt

— 24.ae (@20fourMedia) June 1, 2026 الطاقة كأساس لقوى الإنتاج الجديدة

أفادت "شينخوا" بأن استقرار إمدادات الطاقة يظل شرطاً أساسياً لنمو الصناعات الناشئة وقوى الإنتاج النوعية الجديدة، خاصة مع التطور السريع لصناعة الذكاء الاصطناعي وزيادة الطلب على الكهرباء للحوسبة، وتدعو الخطة الجديدة إلى تنسيق نشر الكهرباء الخضراء مع قدرات الحوسبة، كما هو الحال في مقاطعتي تشينغهاي وغويتشو، حيث يتم ربط مراكز البيانات بمحطات الطاقة النظيفة.

وخلصت الوكالة إلى أن الهيدروجين الأخضر يمثل محركاً رئيسياً للنمو في الصناعات الجديدة، مشيرة إلى نجاح الصين في تصدير أول شحنة تجارية من الأمونيا الخضراء إلى كوريا، وأكد الخبراء أن التحول من "دولة طاقة كبيرة" إلى "قوة طاقة عالمية" يعتمد على القدرة النظامية في تخصيص الموارد بكفاءة والتشغيل الذكي للطاقة لكسب اليد العليا في ثورة الطاقة العالمية.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكولاجين الطبيعي.. أطعمة تعيد شباب البشرة وتبطئ علامات التقدم في العمر
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • الصين تسعى للتحول إلى "قوة طاقة عالمية" عبر الابتكار الأخضر وأمن الإمدادات
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش