ختام أعمال المؤتمر الإقليمي لمكافحة الإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
"عمان": اختتمت وزارة التراث والسياحة أعمال المؤتمر الإقليمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية الذي تم انعقاده بالتعاون مع اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم، وبمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين من الدول العربية والمنظمات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، حيث ناقش المؤتمر التحديات الراهنة التي تواجه حماية الممتلكات الثقافية في ظل تصاعد جرائم النهب والتهريب، واستعرض أفضل الممارسات لتعزيز الأطر القانونية والتقنية، وتفعيل التعاون بين الجهات الحكومية والأمنية والثقافية.
وركز البيان الختامي للمؤتمر على اعتماد مجموعة من التوصيات العملية التي تهدف إلى تعزيز حماية التراث الثقافي والحد من الاتجار غير المشروع به أبرزها تحديث التشريعات الوطنية بما يتوافق مع اتفاقية اليونسكو 1970 واتفاقية لاهاي 1954، مع إدراج عقوبات رادعة لجرائم الاتجار غير المشروع، وإعداد لوائح تنفيذية واضحة تحدد إجراءات الاسترداد والتعاون القضائي، وكذلك إدراج مبدأ العناية الواجبة في سياسات المتاحف وفق مدونة أخلاقيات ICOM، وتفعيل الأدوات القضائية الدولية لاسترداد القطع المهربة بالتنسيق مع السلطات القضائية في الدول المستقبلة.
كما دعى المؤتمر إلى إنشاء آلية دائمة للتنسيق العربي لتبادل المعلومات حول القطع المسروقة عبر منصة مشتركة وتوقيع اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف لمنع استيراد الممتلكات الثقافية، وتوسيع نطاقها لتشمل الاتحاد الأوروبي ودول الخليج وتعزيز التعاون مع الإنتربول عبر إدراج جميع القطع المسروقة في قاعدة بياناته وتدريب فرق وطنية على استخدامها بالإضافة إلى إعداد قواعد بيانات وطنية وإقليمية للقطع الأثرية المسروقة وربطها بمنصات دولية واعتماد تقنيات التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد لحماية التراث في حالات الأزمات وتطوير بروتوكولات الطوارئ لحماية المواقع الأثرية أثناء النزاعات والكوارث الطبيعية بالتعاون مع الجهات الأمنية.
وفي محور التوعية والتعليم والبحث العلمي أوصى المؤتمر إلى إدراج موضوع حماية التراث في المناهج التعليمية لتعزيز الوعي لدى الأجيال القادمة. وتنظيم برامج تدريبية متخصصة للشركة المتخصصة والباحثين في مجالات التحقيق الجنائي والتوثيق وإطلاق حملات توعية مجتمعية للتعريف بمخاطر التنقيب العشوائي والاتجار غير المشروع. إلى جانب استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تتبع القطع الأثرية عبر المزادات الإلكترونية ومنصات البيع وإنشاء منصات رقمية مشتركة لتبادل البيانات وربطها بتطبيقات الهواتف لتسهيل الإبلاغ عن القطع المشبوهة وإعداد ضوابط قانونية لاستخدام التقنيات الحديثة لضمان عدم استغلالها في تزوير الممتلكات الثقافية. وأكد المشاركون على أهمية استمرار التعاون الإقليمي والدولي، وتكثيف الجهود المشتركة لحماية التراث الثقافي باعتباره إرثًا إنسانيًا مشتركًا، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لضمان تنفيذ هذه التوصيات على أرض الواقع.
وذكر الدكتور محمود بن عبد الله العبري أمين اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم إن هذا المؤتمر الإقليمي البارز، يُشكل مناسبة عالمية مهمة لتسليط الضوء على أهمية حماية التراث الثقافي وصون الهُوية الثقافية، وتعزيز الجهود الوطنية والدولية في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية بمختلف الوسائل، فضلا عن تشجيع التعاون الإقليمي والدولي لضمان الحفاظ على الإرث الثقافي للإنسانية وحمايته للأجيال القادمة ، لذلك فإن مخرجات هذا المؤتمر ستؤخذ بعين الاعتبار لما لها من أهمية بالغة في صون الممتلكات الثقافية والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في ذلك .
وأضاف العبري بأن مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية يمثل حجر الزاوية في حماية الذاكرة الجمعية للأمم، وصون شواهد التاريخ والإبداع الإنساني، وهي مسؤولية دولية لا تحتمل التهاون ، لا سيما
في عصرنا الحالي بوجود تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تبرز أهمية توظيف التقانات الحديثة من أنظمة التتبع الرقمية، وحفظ البيانات الموثقة، وأدوات التحليل الذكي ، للكشف المبكر عن مسارات التهريب، وتعزيز الشفافية، وضمان عودة القطع المسروقة إلى موطنها الطبيعي، وقد أولت سلطنة عُمان اهتمامًا بالغا بمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وحماية تراثها الثقافي، من خلال تطوير التشريعات الوطنية المتوافقة مع الاتفاقيات الدولية، واعتماد التقنيات الحديثة في تسجيل ومراقبة الممتلكات الثقافية.
الجلسة الأولى
تضمنت مناشط اليوم الثاني إقامة 3 جلسات نُوقش فيها 11 ورقة عمل، جاءت الجلسة الأولى بعنوان تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في حماية التراث الثقافي المادي ومكافحة الاتجار غير المشروع به وتضمنت طرح 4 أوراق عمل كانت الأولى من تقديم مكسيم نصرة رئيس مكتب الصيانة والحفظ بمكتبة قطر الوطنية حول دور مكتبة قطر الوطنية في حماية التراث الوثائقي.
وتناولت الورقة الثانية الاتفاقيات الثنائية والإقليمية في مكافحة تهريب التراث الثقافي المادي من خلال تجربة جمهورية مصر العربية قدمها الدكتور شعبان أحمد عبد الجواد حسنين مدير عام إدارة استرداد الآثار بوزارة السياحة والآثار بجمهورية مصر العربية.
وسلطت الورقة الثالثة الضوء على التراث الثقافي المغمور بالمياه في سلطنة عُمان قدمها أيوب بن نغموش البوسعيدي مدير دائرة الآثار المغمورة بالمياه بوزارة التراث والسياحة، حيث تم استعراض جهود سلطنة عمان ممثلة بوزارة التراث والسياحة في تنفيذ برامج علمية لدراسة الآثار المغمورة بالمياه ومسح المكتشفات البحرية.
أما الورقة الأخيرة في الجلسة الأولى فكانت بعنوان آليات تبادل المعلومات بين الدول والمؤسسات الدولية في قضايا الاتجار غير المشروع "أدوات التعاون مع الإنتربول" قدمها المقدم سرحان بن سليمان المحرزي من الإدارة العامة للتحريات والبحث الجنائي بشرطة عمان السلطانية.
الجلسة الثانية
وكانت الجلسة الثانية للمؤتمر بعنوان تحديات وتجارب في استرداد الممتلكات الثقافية لموطنها الأصلي، حيث افتتح أوراقها المهندس أبو بكر عبد إبراهيم مدير المركز الوطني لتوثيق الثقافة العراقية بجمهورية العراق وتمحورت حول تجربة جمهورية العراق في استرداد الممتلكات الثقافية من خلال إجراءات الحماية المتبعة.
أما الورقة الثانية فتحدثت عن تجربة دولة ليبيا في استرداد الممتلكات الثقافية قدمها سيف الدين حسناوي مدير مكتب استرجاع الآثار المسروقة بمصلحة الآثار الليبية، فتطرقت إلى تهريب الآثار الليبية إلى الخارج.
وقدم خليل بن مسعود الندابي رئيس قسم حفظ وصون الممتلكات الثقافية بوزارة التراث والسياحة
الورقة الثالثة حول الوعي المجتمعي اتجاه الممتلكات الثقافية الواقع والتحدي، حيث تحدث عن دور فئات المجتمع في حفظ الممتلكات الثقافية، ومدى إلمامها بالقوانين والتشريعات، واستعراض نماذج من أعمال تفاعل المجتمع في المجال.
الجلسة الثالثة
عُقدت الجلسة الثالثة للمؤتمر تحت عنوان التثقيف والتوعية المجتمعية ركيزة الاستدامة في الحماية الثقافية وقُدمت فيها 4 أوراق عمل، جاءت الورقة الأولى بعنوان استخدام تقنيات الإشعاع النووي في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية قدمها الدكتور حسن أشكناني أستاذ مساعد الأنثروبولوجيا وعلم الآثار بجامعة الكويت بدولة الكويت.
فيما تضمنت الورقة الثانية دور البحث العلمي في حماية الممتلكات الثقافية للدكتورة هبة عبد العزيز مديرة كرسي اليونسكو للتراث العالمي والسياحة الثقافية بالجامعة الألمانية. وقدمت الدكتورة هدى بنت مبارك الدايرية من اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم الورقة الثالثة متحدثة عن دور التعليم في ترسيخ حماية الممتلكات الثقافية.
واختتمت الجلسة بالورقة الرابعة "الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في ظل الذكاء الاصطناعي" للدكتورة غادة عبد المنعم الجميعي، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: مکافحة الاتجار غیر المشروع بالممتلکات الثقافیة حمایة التراث الثقافی الممتلکات الثقافیة التراث والسیاحة التعاون مع فی حمایة
إقرأ أيضاً:
تحترق المكتبات وترحل المرويات!
كنت أستمع إلى خبر أوردته وكالة الأنباء العُمانية يشير إلى أن فريقاً مختصاً من التاريخ الشفوي يواصل زياراته الميدانية لمختلف المحافظات ضمن جهود وطنية تهدف إلى توثيق الروايات الشفوية، وصون الموروث الثقافي.
وفي اليوم نفسه شاهدت على شاشة قناة عُمان الفضائية مقابلات ولقاءات تجرى مع كبار السن. وقبل ذلك أحرص على متابعة برنامج (مناشدة) الذي يقدم عددا من اللقاءات مع كبار السن يستجدي أخبارهم عن الماضي وحوادثه.
أستعيد ذلك الخبر الآن وتلك المشاهد، وتحضر في بالي مقولة سيدنا الجاحظ «إن المعاني ملقاة على قوارع الطريق»، فأقول: إذا كانت المعاني والكلمات ملقاة على قوارع الطرقات، فيحق لنا أن نقول كذلك: إن المرويات والحكايات ملقاة على شفاه آبائنا وأجدادنا كبار السن والشيوخ، تنتظر من يحررها وينتشلها، وينزلها من علوها قبل أن تطير وترحل.
أن يروي لك كبير في السن حكاية أو قصة أو حكمة فتلك هي عصارة الحياة ورحيقها، فكلامه ليس كلاماً يومياً عابراً، بل كلام يستند إلى أساس ومنهج وبناء وحبكة، ويخضع لمعان ثابتة وخالدة.
لكبار السن قيمة معرفية تتجلى في درايتهم، وقدرتهم على استحضار الماضي وحيويتهم وخبرتهم فيه، لماض عايشوه أو شاركوا فيه أو شاهدوه، أو حتى سمعوا شيئا عنه، وكانوا قريبا منه. هؤلاء هم الذخيرة والكنز الذي لا ينضب معينه. وبوجودهم يتلألأ الحكي وتزدهر الحكاية، وبفقدانهم ورحيلهم تنكفي الحكاية، وتتلاشى إلى أن ترحل.
وصف ذلك الفيلسوف والمفكر المالي (أمادو همباتي با) بعبارة أطلقها عام ١٩٦٠ في مؤتمر اليونسكو قائلا: (عندما يموت شيخ مسن في أفريقيا فإن موته يكون بمثابة احتراق مكتبة)، وفي مراكش يموت حكاؤو ساحة جامع الفنا فتموت مكتبة.
نقول بكل حسرة: كم من كبار السن والحكائين الذين رحلوا ورحلت معهم حكاياتهم وقصصهم! ولم تدرك أهميتهم في حينه، لكنهم يرحلون بصمت، وتحترق في دواخلهم مكتبات زاخرة من المرويات الشفهية وتندثر، ولم يجدوا في زمنهم من يستنطق صمتهم، وينبش حضورهم ويستجدي تلك الدرر من الحكايات منهم. يموتوا يوميا دون أن نفكر تسجيل ذاكرتهم التي ترحل معهم، لا نفعل لهم إلا ثلاثة أيام حزناً، وتمضي، ثم تعود الحياة إلى مجرها ونهرها المتسارع. كل ذلك دون أن ندرك مدى الخسارة التي لحقتنا بموت ذلك الشيخ الكبير.
إنها بالأحرى موت ذاكرة ورحيل مكتبة ذات رفرف من الحكايات والقصص التي لم ترو أو التي رويت وتناثرت في الفضاء. بكلمة أخرى تكمن فلسفة الرحيل في الفقد من فقد عزيز إلى فقدان ذاكرة، لكن الفرق بينهما هو أن الذاكرة قد لا ترحل إذا لقيت من يحافظ عليها، ونعيدها للحياة من جديد، حتى لو رحل الجسد وصعدت الروح. نقول: من منا لم تعلق في ذاكرته رواية أو قصة قصيرة أو مثلاً أو حكمة سمعها وهو صغير من جد أو جدة، أو من شخص كبير في السن في الحارة؟ تلك المرويات التي غادرت أجساد راويها، ولم تغادرنا نحن، حكايات بقيت في ذاكرتنا، لكنها ذات يوم ربما تغادر وتسبقنا إلى دار الخلود. الحكاية المعلقة على شفاه كبار السن تظل حية تؤرق أخضرا، لكنها قد تذبل وتسقط وتتوارى عندما لا يوجد من يرويها ويعتني بها ليعيدها إلى تألقها الأول.
ليس الموت وحده من يهدد ذاكرة هؤلاء الحكائين كبار السن، أو الرواة، بل النسيان وفقدان الذاكرة، وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع أدوارهم في المجتمع. وقد تكون بعض العادات والتقاليد تشكل عائقاً تمنع الراوي من الإدلاء بما لديه، ويفضل كتمها وعدم الإفصاح بها لمحاذير دينية أو مجتمعية، أو لأسباب قد يراها تخدش الحياة، أو تمس مجموعة أو فرداً معيناً.
لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.
تاريخنا العُماني زاخر بالتراث الشفوي؛ مرويات قصص، والشعر، الحكم، أمثال، الرقصات، والأناشيد، والأهازيج، والفولكلور الشعبي، الملابس، والطبخ، والأساطير، النكت والألغاز، والغناء، ومجموعة من العادات والتقاليد، ومن الأحداث والمعارف والآراء وعادات، وممارسات سلوكية دينية وأخلاقية، وأخبار السحرة والمغيبين والأساطير الخارقة. ولا يزال بعض سارديها على قيد الحياة. ولا تزال ذاكرتهم متقدة تنتظر من يشعلها.
إن التراث بمجمله المدون منه والشفوي هو هوية ثقافية مختومة في حياة الشعوب وذاكرتها، والعلاقة بينهما، علاقة تكاملية تعادلية. (قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر) هكذا ينبغي أن تكون. وما من شيء يحفظ هذه الذاكرة أكثر من الاهتمام بها وتوثيقها وحفظها من الاندثار، وبالرغم من تزاحم التقانة ووسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها لجأت بعض الدول إلى انتشال ذلك الموروث.
يتحسر المرء، ويقول: لو فكرنا في ذلك منذ سنوات طويلة لكانت الحصيلة كبيرة جداً، ولكانت لدينا الآن مكتبات ومجلدات من الكتب والمراجع.
لكن دون ريب خطوة تدوين التراث الشفوي هي خطوة رائدة متسقة مع أهمية هذا التراث، وضرورة استنهاضه وبث الروح فيه من جديدة، وذلك ما يجب أن يكون لحمايته من الاندثار والانهزام وتدوينه وتصنيفه وتدريسه.
التراث الشفوي ذو أهمية قصوى في إبراز جزء مهم وأصيل من الثقافة العُمانية ورافد مهم ومكون في المحافظة على الهوية الوطنية.
وتتعدد أشكال المحافظة على ذلك التراث الشفوي كالاستفادة من المرويات والأساطير وحكايات السحرة والمغيبين في الإنتاج الأدبي في الشعر والإنتاج القصصي والروائي كتلك الحكايات التي تضمنتها الكثير من الكتب، خصوصا التراثية منها، وحكاية مسحورة نزوى التي دُوِّنَت لاحقا على شكل شعر، واسْتُفِيد منها في السرد والروايات، وكذلك ما تقدمه قناة عمان الثقافية كجزء من هذه المهمة. وفي المستقبل ربما يأتي يوما نشاهد فيه قناة تلفزيونية وثائقية خاصة بالتراث العُماني.
في مراكش مثلاً تجوب الحكاية ساحة جامع الفنا حيث الحكاؤون الذين يجدون ضالتهم في الساحة يطرحون فيها حكاياتهم، وينسجون أساطيرهم على إيقاعات ممسرحة مطرزة بالأغاني والأهازيج، يتمايلون في رقصات تطاول الفضاءات. وفي فلسطين أطلقت الجهات المختصة (مشروع الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني) توثق فيه الشهادات التي يدلي بها الأجيال، والحكايات والمرويات، ويسعى إلى رقمنة هذه الشهادات وحفظها وتأمين الوصول إليها.
وفي جنوب أفريقيا عمدت لجنة الحقيقة والمصالحة التي تشكلت بعد مرحلة الفصل العنصري في عام ١٩٩٥ إلى اعتبار تلك الفترة ضمن التراث الشفوي، فعمدت إلى توثيق شهادات ضحايا العنف ومرتكبيه، وسمحت لهم أن يعبروا عن شهاداتهم.
هل علينا أن نعيد قراءة التراث الشفوي وتشذيبه؟
هناك رأيان في المحافظة على التراث الشفهيّ؛ الأول: أن نأخذ هذا التراث غير المادي كما هو، وننقله بحذافيره دون تدخل بينما يقول الرأي الآخر بضرورة تشذيب هذا الموروث وغربلته وتنقيته من الشوائب، وإخراجه بشكل مع الاحتفاظ بأركانه الرئيسية، وهذا ما أيده بعض المؤرخين والباحثين الذين يرون أهمية التراث الشفوي مع ضرورة تنقية الروايات الشفوية وتصفيتها من الكثير من المغالطات مثل ابن خلدون والطبري وغيرهم. وذكر ابن خلدون أن الرواية الشفوية جزء من التاريخ ومكمل له رغم أنه يضع شروطا لنقلها وصحتها.
الشيء الآخر الذي يهدد التراث المادي منه وغير المادي الشفوي بالخصوص هو السطو عليه وتبنيه من قبل دول ونسبه لها، فتعمل على توثيقه وتسجيله وكأنه تراث ملك لها. دول تجد نفسها بلا تاريخ ولا موروث، فتلجأ للسرقة والاستحواذ على تراث الدول الأخرى، كما فعلته وتفعله إسرائيل وبعض الدول التي تنسب بعض المأثورات الشعبية لها، وتسارع إلى تسجيلها في المنظمات الدولية. ولتجنب ذلك تقوم الدول والجماعات المضطهدة، أو التي تتعرض للاستعمار بحفظ تراثها الشفوي عن طريق تدوينه وترحيله لحفظه في مراجع دولية موثوقة خوفا من الطمس والضياع.
وهناك رواية المستعمر أو القوي، وهي غالبا ما يتم ترويجها وبثها عكس رواية المستضعف أو الضعيف المضطهد التي تتوارى، ولا يستطيع تدوينها نتيجة للاضطهاد والقهر الذي يتعرض له.