أشار تقرير لشبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية واستنادا إلى صور الأقمار الصناعية وبعض التقارير إلى إحراق مئات البلدات والقرى في السودان عمدا على الأرجح، في مؤشر واضح على تغوّل الحرب الأهلية، التي تعصف بهذا البلد منذ أكثر من عام.

اعلان

أشار تقرير لشبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية واستنادا إلى صور الأقمار الصناعية وبعض التقارير إلى إحراق مئات البلدات والقرى في السودان عمدا على الأرجح، في مؤشر واضح على تغوّل الحرب الأهلية، التي تعصف بهذا البلد منذ أكثر من عام.

ويضع الصراع قوات جنرالين في مواجهة بعضهما البعض، مما تسبب في مقتل الآلاف وتشريد عشرة ملايين شخص، إضافة إلى الدمار الشامل، الذي خلق أكبر أزمة نزوح في العالم، وفقًا لوكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة.

قال المحقق الاستقصائي مارك سنوك لشبكة "إن بي سي نيوز": "عندما نرى تقارير عن قتال يتزامن مع مجموعة من الحرائق فهذا يشير إلى أنه ربما يتم استخدام النار كسلاح حرب".

وأضاف سنوك الذي كان يتتبع مع زملائه الحرائق عبر الأقمار الصناعية في مركز مرونة المعلومات وهي منظمة غير ربحية مكرسة لفضح انتهاكات حقوق الإنسان، أن أكثر من 50 قرية احترقت بشكل متكرر، وهو ما يشير إلى "نية" التهجير القسري المحتمل وارتكاب جرائم حرب.

السودان-أرشيفAP

بالاعتماد جزئيًا على أقمار استشعار الحرارة التي طورتها وكالة ناسا لرصد حرائق الغابات في أنحاء العالم، قام سنوك وفريق الباحثين من مشروع "شهود السودان" التابع لمركز مرونة المعلومات بتوثيق أكثر من 235 حريقًا اندلعت في البلدات والقرى في جميع أنحاء السودان منذ بداية الحرب في أبريل-نيسان 2023.

صراع على السلطة

ومن خلال الجمع بين ذلك والتقارير والتحقق من محتوى وسائل التواصل الاجتماعي والخرائط، وغيرها من البيانات المتاحة للجمهور، تم تحديد نطاق الدمار في جميع أنحاء البلاد التي تقع على مفترق الطرق بين أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط.

قرار أممي يطالب قوات الدعم السريع بوقف فوري لحصار مدينة الفاشر السودانيةوكالات أممية تحذر من الوضع المأساوي الذي يهدد أرواح أطفال السودان

وتدمر الحرائق، المتعمدة في كثير من الأحيان، المنازل ومخيمات المساعدات، إذ احترقت أكثر من 50 منطقة عدة مرات، مما يشير إلى الرغبة في النزوح القسري. ويستخدم مركز مرونة المعلومات بيانات الأقمار الصناعية والتقارير توثيق هذه الأحداث وخصوصا في منطقة دارفور.

السودان-أرشيفMarwan Ali/Copyright 2023 The AP. All rights reserved.

وقد أصبحت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بؤرة محورية للصراع، لتعرضها للهجمات من القوات شبه العسكرية التابعة لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو ضد جيش اللواء عبد الفتاح البرهان.

وبدأ الصراع في أبريل-نيسان 2023، بعد فشل التحالف بين الجنرالين بشأن الانتقال إلى حكومة مدنية. ومنذ ذلك الحين، قُتل ما لا يقل عن 15 ألف شخص، ويواجه 18 مليونًا جوعًا حادًا. ويمثل العدد الإجمالي للنازحين واللاجئين أكثر من ربع سكان السودان.

لا طعام ولا رعاية صحية

في الفاشر، لا يوجد طعام في الأسواق، ولا توجد هناك إمكانية للوصول إلى الرعاية الصحية أو مراكز التغذية، كما أوضحت الدكتورة جيليان بوركهارت، طبيبة النساء والتوليد الأمريكية التي تعمل مع منظمة "أطباء بلا حدود". وقال زوجها بول كلارك رئيس الشؤون اللوجستية في منظمة "أطباء بلا حدود" أن توصيل الإمدادات الإنسانية أمر صعب للغاية حيث يستغرق وصول الشاحنات من تشاد المجاورة شهرًا وأحيانا أكثر.

السودان-أرشيفAP

تم تعليق أنشطة منظمة "أطباء بلا حدود" في مستشفى الفاشر الجنوبي بعد أعمال النهب التي قام بها جنود قوات الدعم السريع. وقد تمّت الإشارة إلى أن قوات الدعم السريع، المنبثقة عن ميليشيا الجنجويد، المتهمة بالتطهير العرقي في دارفور، مسؤولة عن التدمير المنهجي لمنازل المدنيين، وخاصة الأقليات العرقية مثل الزغاوة، وفقًا لتقرير صادر عن مختبر ييل للأبحاث الإنسانية.

كما تتهم التقارير الواردة من الأمم المتحدة و"هيومن رايتس ووتش" قوات الدعم السريع باستهداف أقلية المساليت عبر عمليات إعدام منهجية وعنف جنسي.

وسلط وزير الخارجية السوداني السابق بالنيابة في الحكومة الانتقالية السودانية قبل الانقلاب العسكري، عمر إسماعيل، الضوء على الضراوة غير المسبوقة لهذا الصراع، وأعرب عن أسفه للعرقلة المنهجية للمساعدات الإنسانية من طرف القوات المسلحة السودانية، وهو ما نددت به السفيرة الأمريكية ليندا توماس غرينفيلد.

جهود دولية محدودة لوقف القتال

ودعا مجلس الأمن الدولي إلى وقف الأعمال العدائية ورفع الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على الفاشر حيث أطلق المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان حملة جديدة لجمع الأدلة على الفظائع المستمرة في دارفور. وقال "إنني أشعر بقلق بالغ إزاء مزاعم ارتكاب جرائم دولية واسعة النطاق في الفاشر والمناطق المحيطة بها بينما أتحدث"، دون أن يحدد الجهة التي يحقق فيها.

السودان-أرشيفMarwan Ali/Copyright 2023 The AP. All rights reserved.

وتحث الولايات المتحدة الجانبين على المشاركة في محادثات وقف إطلاق النار وقد وضعت العديد من الأفراد والشركات التي تدعم كلا الجانبين تحت العقوبات.

ولم تستجب الحكومة السودانية والجيش وقوات الدعم السريع لطلبات شبكة "إن بي سي نيوز" للتعليق. ومع استمرار المعارك في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، لا تظهر أي علامات تذكر على تراجع القتال. ومع ذلك، يبقى إسماعيل متفائلاً بالنسبة لوطنه حيث قال: "أنا متأكد من أن السودان سيتجاوز هذه الأزمة. آمل فقط أن تكون هذه الأيام المظلمة قصيرة، وأن تنتهي هذه الحرب قريبًا، وأن يساعدنا العالم".

المصادر الإضافية • إن بي سي نيوز

شارك هذا المقالمحادثة مواضيع إضافية برنامج الأغذية العالمي يدق ناقوس الخطر.. اليأس يدفع سكان السودان إلى تناول العشب وأوراق الشجر الأمم المتحدة: 5 ملايين شخص إضافي بحاجة ماسة للمساعدات الغذائية المنقذة للحياة في السودان الأمم المتحدة في نداء كارثي: 25 مليون شخص في السودان بحاجة إلى مساعدات إنسانية عبد الفتاح البرهان جمهورية السودان حرب أهلية قوات الدعم السريع - السودان نزوح اعلاناخترنا لك يعرض الآن Next عاجل. الحرب في غزة| قصف متواصل على وسط وجنوب القطاع ونتنياهو يحل مجلس الحرب الإسرائيلي يعرض الآن Next مباشر. اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي لمناقشة توزيع المناصب العليا في الاتحاد يعرض الآن Next تحقيق حديث وأرقام صادمة.. عائلات فلسطينية فقدت العشرات من أفرادها في القصف الإسرائيلي على غزة يعرض الآن Next لأول مرة منذ 24 عاما.. بوتين في زيارة مرتقبة لكوريا الشمالية يعرض الآن Next شاهد: دول آسيوية تحتفل بعيد الأضحى وسط دعوات لنهاية الحرب في غزة اعلانالاكثر قراءة وفاة 14 حاجا أردنيا أثناء أداء مناسك الحج بسبب الحر الشديد وفقدان 17 آخرين قوات الأمن الروسية تقتحم مركز اعتقال وتقتل سجناء احتجزوا ضابطين في روستوف أون دون جنوب البلاد من حفر حفرة لغريمه وقع فيها.. ترامب يخطئ باسم الطبيب لدى مطالبته بايدن بالخضوع لاختبار معرفي شاهد: الجنود المثليون في أوكرانيا يتظاهرون تحت المطر للمطالبة بحقوقهم آملين في تغير الموقف حيالهم إعلان مؤتمر سويسرا: 80 دولة تتفق على وحدة أراضي أوكرانيا كأساس لأي عملية سلام مع روسيا اعلان

LoaderSearchابحث مفاتيح اليوم الانتخابات الأوروبية 2024 عيد الأضحى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني روسيا غزة إسرائيل الإسلام منوعات كرة القدم رياضة ضحايا قتل Themes My Europeالعالمأعمالالسياسة الأوروبيةGreenNextالصحةسفرثقافةفيديوبرامج Services مباشرنشرة الأخبارالطقسجدول زمنيتابعوناAppsMessaging appsWidgets & ServicesAfricanews Job offers from Amply عرض المزيد About EuronewsCommercial Servicesتقارير أوروبيةTerms and ConditionsCookie Policyتعديل خيارات ملفات الارتباطسياسة الخصوصيةContactPress OfficeWork at Euronewsتابعوناالنشرة الإخباريةCopyright © euronews 2024 - العربية EnglishFrançaisDeutschItalianoEspañolPortuguêsРусскийTürkçeΕλληνικάMagyarفارسیالعربيةShqipRomânăქართულიбългарскиSrpski

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: الانتخابات الأوروبية 2024 عيد الأضحى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني روسيا غزة إسرائيل الانتخابات الأوروبية 2024 عيد الأضحى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني روسيا غزة إسرائيل عبد الفتاح البرهان جمهورية السودان حرب أهلية قوات الدعم السريع السودان نزوح الانتخابات الأوروبية 2024 عيد الأضحى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني روسيا غزة إسرائيل الإسلام منوعات كرة القدم رياضة ضحايا قتل السياسة الأوروبية قوات الدعم السریع الأقمار الصناعیة إن بی سی نیوز یعرض الآن Next فی السودان أکثر من

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • الاحتلال يطلق النار صوب شاب عند حاجز مخيم شعفاط
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • أزمة غاز خانقة في غزة تدفع النازحين لـحرق الكرتون والبلاستيك لإعداد الطعام
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية