جحيم الخيام... ومستنقعات الأوبئة
تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT
هروب السودانيين من محارق الدعم السريع بالفاشر وكردفان200 ألف مفقود.. و23 مليونًا فى مهب الفقر.. والجنائية تدعو لتوثيق الجرائم
«الجرائم التى ارتكبت فى الفاشر تفوق بكثير ما شاهدناه، وهى من أبشع جرائم عصرنا الحالى. سنبدأ التحقيق فورا».. لم تكن تلك الجملة لكبير محامى مكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية كافية لوصف الفظائع التى ترتكبها ميليشيا الدعم السريع بإقليم شمال دارفور فى الوقت الذى كشف فيه مسئول بحكومة دارفور عن دفن جثامين أعدمتها الميليشيا نهاية أكتوبر الماضى فيما لا يزال مصير أكثر من 200 ألف شخص مجهولًا بالمدينة.
تزامن ذلك مع طوفان النزوح المر لآلاف السودانيين الهاربين من جحيم الدعم السريع التى تلاحقهم بالموت على الطرقات فيما شيدت الخرطوم عشرات المئات من الخيام بالولاية الشمالية لإيواء الضحايا وسط ظروف قاسية.
وأعرب مكتب المدعى العام فى المحكمة الجنائية الدولية عن قلقه البالغ من الجرائم التى يزعم ارتكابها فى مدينة الفاشر بشمال دارفور، والتى تعد ضمن الجرائم المنصوص عليها فى نظام روما الأساسى. وتأتى هذه الدعوة فى سياق استمرار الانتهاكات ضد المدنيين فى دارفور، حيث وثقت تقارير حقوقية محلية ودولية عمليات قتل ونهب واستهداف للمدنيين، ما يشكل تهديدًا متواصلا للأمن الإنسانى فى المنطقة.
وناشد مكتب المدعى العام جميع الجهات والأفراد تقديم المعلومات والأدلة المتعلقة بهذه الأحداث، فى خطوة تهدف إلى تعزيز التحقيقات وضمان محاسبة المسئولين عن الانتهاكات. وأكد المكتب أن التعاون الدولى أساسى لتحقيق العدالة ومنع إفلات مرتكبى الجرائم من العقاب.
كما تأتى هذه الخطوات فى ظل إدانة دولية واسعة من مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بينما لم تصدر المحكمة حتى الآن أوامر اعتقال محددة تتعلق بالأحداث الراهنة، لكن التحقيق مستمر بنشاط لضمان عدم إفلات مرتكبى الجرائم من العقاب. ووثقت منظمات حقوقية محلية ودولية انتشار المجازر والاعتداءات المباشرة على السكان المحاصرين، ما يزيد من حجم المأساة الإنسانية ويعقد جهود الاستجابة الطارئة والمساعدات الإنسانية.
وكشف تقرير بريطانى عن ارتكاب ميليشيا الدعم السريع مجازر بحق المدنيين فى السودان فى كردفان بعد سيطرتها على مدينة الفاشر. وقالت صحيفة «تليجراف» البريطانية، فى تقرير لها، إن الميليشيا ارهابية وبعد استيلائها على آخر معقل للجيش السودانى فى دارفور، شنت هجوما دمويا على بلدات ومدن فى إقليم كردفان وسط السودان.
وأوضحت الصحيفة أنه كما هو الحال فى الفاشر، كشفت التقارير عن أن مقاتلى الدعم السريع نفذوا عمليات إعدام بإجراءات موجزة، واستخدموا أساليب التجويع فى سعيهم لاستعادة زخم الحرب الأهلية الدائرة منذ عامين ونصف العام، والتى عاثت فسادا فى إحدى أكثر ولايات إفريقيا اضطرابًا.
وبحسب الصحيفة من المرجح أن يؤدى التقدم نحو كردفان الذى سيقرب الدعم السريع من الخرطوم، إلى تعميق أزمة شردت الملايين من ديارهم، وربما أودت بحياة مئات الملايين، مشيرة إلى أن التقدم نحو كردفان سيقرّب قوات الدعم السريع من الخرطوم، عاصمة السودان.
وضربت الحرب البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتوقفت المستشفيات، وانقطع توفير المياه والكهرباء، ما زاد من تفشى الأمراض، بما فى ذلك الكوليرا وحمى الضنك خاصة فى ولايات دارفور.
وأعلن نائب منسق الشئون الإنسانية للأمم المتحدة فى السودان، «أنطوان جرير» عن أن البلد الذى تضربه الصراعات الدموية تواجه منذ شهرين موجة جديدة من تفشى الكوليرا فى عدد من المناطق، من بينها دارفور، مشيرا إلى أن منظمتى يونيسف والصحة العالمية تعملان بالتعاون مع شركاء محليين لمواجهة هذا الوباء والحد من انتشاره. وأكد «جرير»، أن انتشار الأمراض يزيد معاناة السكان الذين يعانون أصلا من تداعيات الحرب والعنف، مشيرا إلى أن الأمم المتحدة تبذل جهودا مكثفة لتأمين المدنيين ومنع الاعتداءات ضدهم.
وأشار نائب منسق الشئون الإنسانية إلى أن مقاطع الفيديو التى توثق العنف ضد سكان الفاشر تعكس جانبا من حجم المأساة الإنسانية، مشددا على ضرورة جمع الأطراف السودانية على طاولة مفاوضات شاملة لوقف الانتهاكات المتكررة، وإنهاء معاناة المدنيين عبر حل سياسى دائم يحفظ أرواحهم وكرامتهم.
وارتفعت نسبة الفقر فى السودان إلى 71% من السكان، أى ما يعادل نحو 23 مليون شخص، وفق ما أعلن وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، «معتصم آدم صالح».
وأوضح أن الحرب المستمرة وما تبعها من أزمات اقتصادية وسياسية أدت إلى قفزة كبيرة فى معدلات الفقر التى كانت لا تتجاوز 21% قبل اندلاعها، مشيرا إلى أن الوضع يتطلب تنسيقا واسعا بين الحكومة والمجتمع المدنى والمؤسسات الإعلامية للحد من تداعيات الأزمة على الضحايا.
وأضاف أن خطة «المائة يوم» التى أطلقتها حكومة الأمل تشمل التحول الرقمى وتوسيع الخدمات الصحية والاجتماعية. وتتضمن إنشاء تسعة مراكز صحية نموذجية وستة مخيمات علاجية استفاد منها نحو 180 ألف سودانى.
ووصف «صالح» ما يجرى فى مدينة الفاشر بالكارثة الإنسانية بسبب جرائم الدعم السريع ضد المدنيين، مؤكدا أن حكومته ستعمل على تحقيق العدالة والقصاص للضحايا. وشدد على أن المتمردين غير مؤهلين لأى دور فى مستقبل بلاده، مجددا التزام الحكومة بمواصلة المقاومة وتحرير كل شبر من الأراضى السودانية.
وقال الوزير السودانى إن نحو 50 ألف نازح من الفاشر والخوى بحاجة إلى دعم اجتماعى عاجل وأوضح أن أكثر من 100 ألف نازح عادوا إلى مناطقهم الأصلية بفضل هذه الجهود، وأن ألف مشروع يجرى إعدادها فى الخرطوم لتشغيل الشباب الباحثين عن عمل. وتشمل برامج الوزارة أيضا تعزيز التغذية المدرسية، وإدخال 300 ألف أسرة جديدة فى التأمين الصحى، وتوحيد السجل الاجتماعى، واستمرار برامج العودة الطوعية، وتشغيل 150 ألف سودانى.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الطرقات لآلاف السودانيين
إقرأ أيضاً:
خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
ناقشت حلقة جديدة من برنامج «محور السودان» على قناة «DW» الألمانية (دويتشه فيله) التحركات الدبلوماسية الأخيرة لمصر والمملكة العربية السعودية، في عدد من دول المنطقة، بينها السودان وليبيا وإثيوبيا والصومال، وما إذا كانت تعكس تحولًا في مقاربة البلدين للحرب في السودان، خاصة فيما يتعلق بتضييق مسارات الدعم اللوجستي والتمويل لقوات «الدعم السريع».
الخرطوم ــ التغيير
وشارك في الحلقة رئيس تحرير صحيفة «التيار» عثمان ميرغني، والكاتب والمحلل المتخصص في الشأن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، والخبير الاستراتيجي الدكتور أمية يوسف، حيث تناولوا التطورات الإقليمية وانعكاساتها المحتملة على مسار الصراع في السودان.
تحركات دبلوماسية
ورأى المشاركون أن الأشهر الأخيرة شهدت نشاطًا دبلوماسيًا سعوديًا ومصريًا لافتًا تجاه الملف السوداني، معتبرين أن هذا الحراك قد يعكس اهتمامًا أكبر بتقليص خطوط الإمداد التي تعتمد عليها قوات «الدعم السريع».
وقال الدكتور أمية يوسف إن السعودية أبدت، خلال الفترة الماضية، اهتمامًا متزايدًا بالأزمة السودانية مقارنة بالمراحل السابقة، مشيرًا إلى أن هذا التحول يرتبط بحسابات أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم.
وأضاف أن مصر حافظت على موقفها الداعم للجيش السوداني منذ اندلاع الحرب، لكنها أجرت، بحسب تقديره، تعديلات في أساليب إدارة الملف بما يتناسب مع التطورات الميدانية.
ليبيا وخطوط الإمداد
كما ناقشت الحلقة تقارير إعلامية تحدثت عن ضغوط مصرية وسعودية على قائد القوات المسيطرة على شرق ليبيا، خليفة حفتر، لوقف أي دعم عسكري أو لوجستي يصل إلى قوات «الدعم السريع» عبر الحدود الليبية.
وأشار عثمان ميرغني إلى أن القاهرة كثفت اتصالاتها مع الجانب الليبي عقب تداول تقارير عن استمرار تدفق شحنات أسلحة عبر الأراضي الليبية، بينما رأى عبد المنعم أبو إدريس أن هذه التحركات تستهدف إغلاق أحد أهم منافذ الإمداد المؤثرة في مسار الحرب.
إثيوبيا والقرن الأفريقي
وتطرقت الحلقة إلى العلاقات بين السعودية وإثيوبيا، وما تردد عن وجود تباينات في وجهات النظر بشأن الأزمة السودانية والعلاقات الإثيوبية مع الإمارات.
واعتبر الدكتور أمية يوسف أن الرياض تسعى إلى تعزيز حضورها في منطقة القرن الأفريقي، مشيرًا إلى أن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السعودي إلى أديس أبابا حملت رسائل تتعلق بالملف السوداني، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى، من بينها سد النهضة.
في المقابل، رأى عبد المنعم أبو إدريس أن التحديات الداخلية التي تواجهها إثيوبيا قد تحد من قدرتها على المناورة في ملفات المنطقة، بما في ذلك الأزمة السودانية.
الدور التركي والتطورات الميدانية
وتوقفت الحلقة عند تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز بشأن استخدام طائرات مسيّرة تركية في السودان، وهو ما لم تؤكده رسميًا القاهرة أو أنقرة.
ورأى عثمان ميرغني أن الجيش السوداني تمكن خلال الأشهر الماضية من تحقيق تقدم ميداني أسهم في تقليص بعض خطوط إمداد قوات «الدعم السريع»، مشددًا على أن استمرار دعم قدرات الجيش سيظل عاملًا مؤثرًا في مسار العمليات العسكرية.
الوسومإعادة رسم مسار الحرب المملكة العربية السعودية برنامج «محور السودان» تحركات إقليمية خبراء مصر