التحوّل الرّقمي يعزّز كفاءة القطاع المصرفي في سلطنة عُمان
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
العُمانية: يشهد القطاع المصرفي في سلطنة عُمان تحولًا نوعيًّا نحو الرقمنة مدفوعًا برؤية وطنيّة طموحة تسعى إلى تعزيز الكفاءة التشغيليّة وتحسين جودة الخدمات المصرفيّة وتوسيع قاعدة الشّمول الماليّ، بما يواكب مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في بناء اقتصاد رقميّ متكامل قائم على المعرفة والتّقنية.
ويأتي هذا التحول استجابةً للتغيّرات العالميّة المتسارعة في مجال التكنولوجيا المالية، وتأكيدًا لدور القطاع المصرفي كأحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي، إذ تجاوزت الرقمنة كونها مجرد تحديث للأنظمة إلى خطوة استراتيجية تعيد رسم العلاقة بين المؤسسات المالية والعملاء، وتعزز كفاءة الأداء والشفافية في المعاملات.
وقال إسحاق بن هلال الشرياني خبير اقتصادي إن التحول الرقمي أصبح إحدى الركائز الأساسية في القطاع المصرفي العُماني، حيث أسهم في تعزيز الكفاءة التشغيلية وتسهيل العمليات البنكية ما انعكس إيجابًا على تحفيز بيئة الاستثمار ورفع مستوى الشفافية وسرعة تدفّق المعلومات المالية، وهذا الأمر يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حدٍّ سواء.
وأضاف لوكالة الأنباء العُمانية أن التحول الرقمي مكّن البنوك العُمانية من تقديم خدمات مالية مبتكرة تدعم نموّ قطاع الأعمال، وتسهل على الشركات الناشئة الوصول إلى حلول تمويليّة رقميّة مرنة بما يعزّز التنافسيّة والاستدامة في القطاع المصرفي.
وأشار إلى أن أبرز العوامل المحفزة لهذه الإسهامات تضمنت دعم البنك المركزي العُماني لبرامج التحول الرقمي من خلال مبادرات الدفع الإلكتروني، وترخيص شركات التكنولوجيا المالية، وتنفيذ استراتيجية التحول المالي 2021–2025، إلى جانب تطوير البنية الأساسية الرقمية على مستوى القطاعين العام والخاص، وارتفاع الوعي التقني لدى المستخدمين والعملاء، ما سرع من تقبل الحلول المصرفية الحديثة وأسهم في ترسيخ التحول نحو اقتصاد رقمي مستدام.
من جانبه، قال فيصل بن ناصر العزيزي خبير ومستشار مالي، إن القطاع المصرفي في سلطنة عُمان يشهد تحولًا متسارعًا مدفوعًا بالتطورات التقنية المتسارعة، ويعد هذا التحول من أبرز روافد التقدم الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد مجرد تحسين تقني أو تحديث للأنظمة، بل أصبح محورًا لإعادة هيكلة منظومة العمل المصرفي سواء من حيث تقديم الخدمات أو تنظيم العمليات أو الإدارة.
ووضح لوكالة الأنباء العُمانية أن تحليلات الأداء المصرفي ومتابعة تطورات السوق تشير إلى أن البنوك العُمانية قطعت شوطًا كبيرًا نحو تحويل تجربة العميل إلى تجربة رقمية متكاملة، تمكنه من إجراء معاملاته اليومية بسهولة عبر تطبيقات ذكية ومنصّات مؤتمتة تعمل على مدار الساعة، وقد أسهمت هذه التحولات في تعزيز كفاءة العمليات وخفض التكاليف التشغيلية ورفع مستوى الرضا العملاء، لاسيما مع تنامي الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل السلوك المالي والمساعدات الافتراضية، كما ساعدت المحافظ الرقمية وخدمات الدفع الإلكترونية في إيجاد بيئة مالية أكثر مرونة وشمولية تدعم النشاط الاقتصادي وتعزز التجارة الإلكترونية.
وأكد على أن التطور الرقمي يتطلب أطرًا تنظيميّة مرنة قادرة على استيعاب النماذج المستجدة مثل البنوك الرقميّة وشركات التكنولوجيا المالية، مشيرًا إلى أن هناك توجهًا نحو تطوير بيئة رقابيّة ذكيّة تعتمد على التحليل البياني والتقارير الفورية بما يعزز كفاءة إدارة المخاطر والامتثال للمعايير الدولية دون الإضرار بوتيرة الابتكار.
وبيّن أن ما يشهده القطاع المصرفي العُماني اليوم ليس مجرد تحوّل مرحليّ، بل يمثّل بداية لمنظومة ماليّة جديدة تعتمد على الذكاء الرقمي كمرتكز أساسي، وتمنح سلطنة عُمان موقعًا متقدّمًا في خارطة الاقتصاد الإقليمي، ومع استمرار الاستثمار في البنية الأساسية الرقمية ورفع جاهزية الكفاءات الوطنية، فإن القطاع المصرفي مقبل على مرحلة أكثر تطورًا وتكاملًا مع الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأشار إلى أن التحول الرقمي في القطاع المالي تجاوز البعد الاقتصادي والتقني ليلامس عمق البنية الاجتماعية من حيث إعادة تشكيل العلاقة بين الأفراد والنظام المالي، وتعزيز ثقافة الشمول المالي والعدالة في الوصول إلى الخدمات المصرفية والفرص الاقتصادية لمختلف فئات المجتمع، إذ أظهرت التحليلات الدورية أن التحول الرقمي أزال العديد من الحواجز التقليدية التي كانت تمنع شريحة واسعة من المجتمع خاصة في المناطق النائية والفئات ذات الدخل المحدود من التفاعل مع النظام المالي الرسمي ليصبح اليوم بإمكان أي فرد يفتح حسابًا رقميًّا ويتلقّى التحويلات ويدير مدخّراته دون الحاجة إلى الإجراءات التقليدية، وهذا أسهم في إيجاد وعي مالي جديد لدى الشرائح المجتمعية التي كانت سابقا خارج المعادلة المصرفية.
وأكد على أن الرقمنة المالية لم تكن مجرد تسهيل للمعاملات اليومية، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء قاعدة بيانات مالية موثوقة تساعد على تتبع مصادر الأموال ومآلاتها، وتسهم في استقرار السوق والحماية من التعاملات غير المشروعة.
وفيما يتعلق بريادة الأعمال، وضح أن الرقمنة المالية فتحت آفاقًا غير مسبوقة للتمكين الاقتصادي لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال تسهيل الوصول إلى حلول الدفع وإمكانية الحصول على تمويل رقمي، وتوفير بيانات تحليليّة تساعد على اتخاذ القرار، ورصدت قاعدة البيانات الاقتصادية نموًّا في نشاطات الأعمال الفردية والمبادرات النسائية والمشروعات الناشئة التي استفادت بشكل مباشر من البيئة الرقمية الجديدة.
وأضاف أنه من أبرز الانعكاسات الإيجابية للتحول الرقمي الإسهام في رفع مستوى الشفافية والامتثال لدى الشركات، وإيجاد بيئة أعمال أكثر تنظيمًا وعدالة، وأصبحت جزءًا تكامليًّا من منظومة الضرائب في سلطنة عُمان، ودعم جهود التحصيل الضريبي وتعزيز العدالة الضريبية عبر تتبع الإيرادات والتكاليف ورفع مستوى الإفصاح المالي.
وختم فيصل بن ناصر العزيزي خبير ومستشار مالي حديثه بالتأكيد على أن التحول الرقمي للقطاع المالي ليس مجرد خيار تقنيّ أو اقتصاديّ، بل هو خيارٌ تنمويٌّ واجتماعيٌّ يحمل في طيّاته القدرة على إحداث تغير حقيقي في حياة الناس ويدعم الأهداف الاقتصادية لرؤية "عُمان 2040".
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: القطاع المصرفی الع مانیة إلى أن
إقرأ أيضاً:
العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط
في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة ملايين الأشخاص حول العالم، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذا الحضور الرقمي المكثف على الصحة النفسية والسلوكية للأفراد.
ولم تعد منصات التواصل مجرد أدوات للتفاعل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت إلى بيئات رقمية متكاملة تؤثر في أنماط التفكير واتخاذ القرار وبناء العلاقات الاجتماعية، خاصة لدى الأجيال الشابة التي نشأت داخل العصر الرقمي.
معدلات استخدام الإنترنت
ومع الارتفاع الكبير في معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، بدأت مؤسسات بحثية وطبية في التحذير من التداعيات المحتملة للإفراط في استخدام الشاشات، في ظل مؤشرات متزايدة تربط بين الاستخدام المفرط وظهور اضطرابات نفسية وسلوكية ومعرفية تؤثر على جودة الحياة اليومية.
كما اتسع الجدل عالميًا حول مدى مسؤولية شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي عن تصميم تطبيقات تستهدف إبقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة داخلها، وهو ما دفع جهات تعليمية وقانونية للمطالبة بإعادة النظر في هذه السياسات ووضع ضوابط تحد من آثارها السلبية.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور أحمد هارون، استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان، من التأثيرات المتصاعدة لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والسلوكية، مؤكدًا أن العالم بات أكثر إدراكًا للمخاطر المرتبطة بالاستخدام المفرط لهذه المنصات، خصوصًا بين الأطفال والمراهقين الأكثر تأثرًا بالمحتوى الرقمي.
وأوضح هارون أن هناك عددًا متزايدًا من الدعاوى القضائية المرفوعة ضد شركات ومنصات التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها يتعلق بتداعيات هذه المنصات على الصحة النفسية للنشء والشباب، إضافة إلى اتهامات تتعلق بآليات تصميم تشجع على الإدمان الرقمي وزيادة زمن الاستخدام.
وأضاف أن الجمعية الأمريكية لعلم النفس أشارت إلى مفهوم «تعفن الدماغ» أو Brain Rot، والذي يصف مجموعة من التأثيرات المعرفية الناتجة عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي والتعرض المستمر للشاشات، بما قد يؤدي إلى تراجع بعض القدرات الذهنية والإدراكية.
وبيّن أن هذه الحالة قد ترتبط بضعف الذاكرة وتشتت الانتباه وصعوبة التركيز، إلى جانب الشرود الذهني واضطرابات النوم وزيادة العصبية وتغيرات الشهية وانخفاض الدافعية لإنجاز المهام اليومية.
وأكد استشاري الصحة النفسية أن تأثير الاستخدام المفرط لا يقتصر على الجانب الذهني فقط، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع، حيث يقلل الانشغال المستمر بالهواتف من جودة التواصل المباشر بين الأفراد.
واختتم بالتأكيد على أن الاستخدام المتوازن والواعي للتكنولوجيا أصبح ضرورة أساسية، داعيًا إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتشجيع الأنشطة الاجتماعية والرياضية والثقافية، لتحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية والحفاظ على الصحة النفسية وجودة العلاقات الإنسانية.