يدخل الإغلاق الحكومي الأمريكي أسبوعه السادس في أطول شلل مؤسسي تشهده الولايات المتحدة، وسط خسائر مالية متراكمة وصراع سياسي يكشف عن خلل أعمق من مجرد عجز في الموازنة، ورغم أن الخلاف المعلن يدور حول أولويات الإنفاق والضرائب، فإن الأزمة الراهنة تُظهر انقساماً حاداً داخل المؤسسة الأمريكية بين نموذجين متناقضين للدولة: الأول نيوليبرالي يُطالب بتقليص حجم الدولة وتخفيض النفقات الاجتماعية، والثاني اجتماعي تقدّمي يرى أن استمرار برامج الرعاية والخدمات العامة شرط للحفاظ على التماسك الداخلي، والنتيجة جمود تشريعي تجاوز 39 يوماً دون اتفاق، مع خسائر تُقدَّر بأكثر من 14 مليار دولار حتى مطلع نوفمبر، وفق تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس.

وتُشير البيانات إلى أن استمرار الإغلاق قد يخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الأخير بين 1 و2 نقطة مئوية، الى جانب ذلك فإن أكثر من 700 ألف موظف فدرالي يعملون دون أجر، وقرابة 4.5 مليار دولار من قروض المشروعات الصغيرة ما زالت معلّقة، حيث تتوقف برامج المساعدات الغذائية المؤقتة، ويُصاب الطلب المحلي بالركود، فيما تُضطر إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) إلى إلغاء رحلات بسبب نقص الموظفين.

تلك المؤشرات تعكس مفارقة صارخة: اقتصاد مالي مزدهر في وول ستريت، واقتصاد حقيقي متآكل في الشارع الأمريكي لقد تحوّل المركز الرأسمالي العالمي إلى نموذج لما كان يتّهم به العالم النامي سابقاً كاقتصاد قائم على المضاربات المالية أكثر من قيامه على الإنتاج الحقيقي.

الأهم أن الأزمة قد انعكست سريعاً على الدولار الأمريكي وسوق السندات، مع اتساع فروقات العائد وتزايد القلق من خفض محتمل للتصنيف الائتماني إذا طال الجمود السياسي.

في المقابل، ارتفع الطلب على الذهب كملاذ آمن، مع توقعات باختبار المقاومة عند 4، 080 دولارًا للأوقية خلال الأسبوع المقبل، فالمستثمرون لم يعودوا ينظرون إلى الولايات المتحدة كملاذ مستقر، بل كاقتصاد يواجه اختبارًا صعباً في قدرته على إدارة مؤسساته وتوازنه المالي.

إن ما يجري لم يعد أزمة تقنية، بل اختبار اجتماعي حقيقي، فأكثر من 40 مليون أمريكي مهددون بانقطاع دعم الغذاء، وعشرات الآلاف من الأسر لم تتسلّم رواتبها منذ أسابيع، مع تصاعد شعور بعدم الثقة بالمؤسسات، وتتسع الفجوة بين الطبقة السياسية العليا والمجتمع، وتزداد النزعات الشعبوية والانعزالية في ظل قناعة تتعمق بأن الدولة لم تعد تحمي مواطنيها من تقلبات السوق.

بهذا المعنى، يُجسّد الإغلاق انقسام أمريكا الداخلي بين دولة رأسمالية فائقة الثراء ومجتمع يعاني هشاشة معيشية حقيقية.

إن اهتزاز المركز المالي الأمريكي لا يبقى داخل حدوده، بل يُعيد تشكيل خريطة الثقة في النظام المالي العالمي. فالأسواق تتجه تدريجيًا لتنويع أدواتها بعيداً عن الدولار، سواء عبر الذهب أو العملات الإقليمية. ومن منظور محلي، يُعيد هذا المشهد التأكيد على أن الاستقرار المالي والاجتماعي الداخلي هو جوهر القوة الحقيقية. فبينما تتعثر واشنطن في تمرير ميزانيتها، تحافظ مصر مثلاً على انتظام مؤسساتها العامة رغم ضغوط التمويل العالمي وتقلبات السلع الأولية. إنها لحظة تستدعي تفكيرًا جديدًا في بناء نموذج تنموي مستقل، يستند إلى الإنتاج والميزة النسبية لا إلى تدفقات رأس المال الأجنبي السريعة التقلب.

في كل الأحوال فإن الإغلاق الحكومي الأمريكي لم يعد مجرد خلاف حزبي أو أزمة تمويل، إنه علامة على أزمة نظام فقد توازنه بين السوق والدولة، بين المركز المالي والمجتمع. ومع كل يوم من الشلل، تتكشف هشاشة النموذج الأمريكي الذي طالما اعتُبر معياراً للحكم الرشيد.في المقابل، تبرز فرصة للدول الصاعدة، لإعادة تموضعها في النظام الاقتصادي العالمي على أساس من السيادة الإنتاجية والاستقلال المالي، مستفيدة من اهتزاز المركز الذي طالما احتكر تعريف القوة والنجاح.

اقرأ أيضاًالإغلاق الحكومي الأمريكي يتخطى 36 يومًا ويحطم الرقم القياسي

الإغلاق الحكومي في أمريكا.. من يتحمل شلل المؤسسات الفيدرالية؟

شبح الإغلاق الحكومي.. أزمة مالية داخلية أم مؤشر على تراجع النموذج الأمريكي؟

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الدولار الأمريكي النظام المالي العالمي الإغلاق الحكومي الأمريكي الإغلاق الحكومي المؤسسة الأمريكية الإغلاق الحکومی الأمریکی

إقرأ أيضاً:

«تمويل ورشوة وتزوير».. تفاصيل صادمة في محاكمة «الهيكل الإداري بالتجمع»

تستكمل الدائرة الأولى إرهاب المنعقدة بمجمع محاكم بدر، برئاسة المستشار محمد السعيد الشربيني، اليوم السبت، محاكمة 43 متهمًا في القضية رقم 2106 لسنة 2025، جنايات مدينة نصر أول، والمعروفة إعلاميًا بـ «الهيكل الإداري بالتجمع» لجلسة 2 أغسطس المقبل.

وكشف أمر الإحالة أن المتهم الأول تولى قيادة جماعة إرهابية الغرض منها الدعوة للإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وآمنة للخطر، وتعطيل أحكام الدستور والقانون، ومن مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، والاعتداء على الحريات الشخصية للمواطنين، والاضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.

ووجهت النيابة العامة للمتهمين من الثاني وحتى الحادي والعشرين تهم الانضمام لجماعة إرهابية مع علمهم بأغراضها، ووجه للمتهمين من الثاني والعشرين وحتى الأخير تهم مشاركة جماعة إرهابية، فيما وجه للمتهمين جميعا تهم تمويل الإرهاب.

كما وجه للمتهمة الثانية والعشرين تهم طلب رشوة لتمرير جواز سفر المتهمة الثالثة، ووجهة للمتهمين الأول والثالثة تهم تقديم رشوة لموظف عمومي، ووجه للمتهمة الثانية والعشرين تهم المشاركة في تزوير محرر رسمي، ووجه لمتهمين تهم الاشتراك في تزوير محررات رسمية.

اقرأ أيضاًمأساة في الصحراء الغربية.. مصرع شاب من المنوفية غرقاً داخل حوض مياه بالمنيا

بعد اتهامها بالسرقة.. القبض على المتهم باللجوء لـ "البشعة" لكشف صدق سيدة بالإسماعيلية

مقالات مشابهة

  • خبير: الاحتياطي النفطي الأمريكي يواجه اختبارا صعبا مع استمرار أزمة هرمز
  • صناديق نظافة بكل محافظة.. كيف وفر القانون مصادر تمويل مستدامة للمخلفات؟
  • برلمانية: إنشاء المركز اللوجستي العالمي بقناة السويس يعزز قدرة مصر على قيادة حركة التجارة
  • «تمويل ورشوة وتزوير».. تفاصيل صادمة في محاكمة «الهيكل الإداري بالتجمع»
  • برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في لبنان
  • متحدثة برنامج الأغذية العالمي: لبنان يعاني أزمة أمن غذائي كبرى
  • متحدثة برنامج الأغذية العالمي في لبنان: لبنان يعاني أزمة أمن غذائي كبرى
  • الدولار مع الإغلاق .. بغداد بلا تغيير وانخفاض في أربيل
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • البهواشي: استمرار أزمة هرمز يضغط على المخزونات الاستراتيجية ويزيد التعقيد الاقتصادي العالمي