اتفاق هش لإنهاء الإغلاق الحكومى الأمريكى وسط انقسام حاد حول الرعاية الصحية
تاريخ النشر: 11th, November 2025 GMT
توصل أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى إلى اتفاق مبدئى يهدف إلى إنهاء أطول إغلاق حكومى تشهده الولايات المتحدة منذ سنوات، فى خطوة اعتبرها مراقبون اختبارا لقدرة الحزبين على تجاوز الانقسامات العميقة بينهما. كشف الإعلام الأمريكى أن الاتفاق، الذى صاغه عدد من الديمقراطيين والجمهوريين، نجح فى تجاوز العقبة الأولى داخل مجلس الشيوخ بتصويت 60 عضواً لصالحه مقابل 40 صوتاً معارضاً.
وبموجب الآلية الدستورية، سيحتاج المشروع إلى موافقة مجلس النواب وتوقيع الرئيس دونالد ترامب ليصبح قانوناً نافذاً يعيد فتح مؤسسات الحكومة الفيدرالية المتوقفة منذ أسابيع. وحتى فى حال تمريره، حذرت المصادر من أن التنفيذ الكامل للاتفاق قد يستغرق عدة أيام.
يتضمن الاتفاق حزمة تمويل محدودة تُعرف باسم «الحافلة الصغيرة»، وتشمل ثلاثة مشاريع قوانين للتخصيصات السنوية الكاملة، ستغطى إدارات محددة مثل الزراعة حتى نهاية السنة المالية المقبلة فى الخريف القادم. كما يتضمن قراراً مؤقتاً لتمويل بقية المؤسسات الحكومية بمستويات الإنفاق الحالية حتى 30 يناير. ويشمل المشروع تمويلاً كاملاً لبرنامج المساعدة الغذائية التكميلية، المعروف سابقاً بكوبونات الطعام، حتى سبتمبر المقبل، وهو من أبرز نقاط الخلاف خلال فترة الإغلاق.
وأشارت المصادر إلى أن الاتفاق يعكس أيضاً محاولات إدارة ترامب لتسريح بعض العاملين الفيدراليين عبر إخطارات «خفض القوة» خلال فترة الشلل الحكومي. لكن فى تنازل كبير من جانب الديمقراطيين، لم يتضمن المشروع تمديد إعانات قانون الرعاية الصحية الميسرة التى انتهت صلاحيتها، وهو ما سيؤدى إلى ارتفاع أقساط التأمين لملايين الأمريكيين ما لم يتم التوصل إلى اتفاق لاحق لتمديدها. ووفقاً لمصدرين، حصل الديمقراطيون فقط على وعد بأن يجرى مجلس الشيوخ تصويتاً حول تمديد الإعانات قبل نهاية الأسبوع الثانى من ديسمبر، دون ضمانات واضحة لنتيجة التصويت.
وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الجمهورى عن ولاية لويزيانا، إنه لا يستطيع التعهد بأن المجلس سيصوت على تمديد الدعم لاحقاً. وقد جاءت الصفقة ثمرة مفاوضات قادها أعضاء مجلس الشيوخ جين شاهين، وماجى هاسن، وأنغوس كينغ المستقل من ولاية ماين، بدعم من زعيم الأغلبية جون ثون وموافقة البيت الأبيض، بحسب المصادر.
وضمت قائمة الديمقراطيين الذين صوتوا لصالح المشروع كلاً من شاهين، هاسن، كينغ، كاثرين كورتيز ماستو، ديك دوربين، جون فيترمان، تيم كين، وجاكى روزن. وقال ثون فى كلمته أمام المجلس: «بعد أربعين يوماً طويلة، آمل أن نتمكن أخيراً من إنهاء هذا الإغلاق»، مشيراً إلى «الوضع الخطير فعلاً» الذى يعيشه الموظفون الفيدراليون الذين أجبروا على العمل دون رواتب، إضافة إلى الاضطرابات فى المطارات نتيجة توقف صرف أجور مراقبى الحركة الجوية ووكلاء أمن النقل.
وجاء هذا التطور بعد أيام من رفض الجمهوريين اقتراحاً ديمقراطياً لإعادة فتح الحكومة وتمديد أموال قانون الرعاية الميسرة لعام إضافي. وقال السيناتور أنغوس كينغ إن الديمقراطيين اضطروا لتغيير موقفهم لأن «الاستراتيجية السابقة لم تكن تعمل» وكان واضحاً أن الجمهوريين لن يتراجعوا عن مواقفهم.
الاتفاق جاء بعد مفاوضات مكثفة بين قادة الحزبين وأعضاء لجنة المخصصات حول تفاصيل «الحافلة الصغيرة». وتمكن المحافظون من انتزاع بند يؤجل التشريع قصير الأجل حتى عام 2026، رافضين مقترح رئيسة لجنة المخصصات فى مجلس الشيوخ سوزان كولينز لتحديد موعد نهائى فى منتصف ديسمبر.
وفى حال تمرير المشروع، فسيحال إلى مجلس النواب الذى كان فى عطلة منذ سبتمبر، ولم يتضح بعد إن كان سيحظى بدعم كافٍ من الديمقراطيين هناك.
أثار الاتفاق ردود فعل متباينة داخل مجلس الشيوخ نفسه. فقد قال زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر قبل التصويت: «بسبب الجمهوريين، سيعانى الأمريكيون معاناة شديدة نتيجة تفاقم أزمة الرعاية الصحية»، معلناً رفضه للمشروع. وحذر السيناتور كريس مورفى من أن الديمقراطيين يرتكبون «خطأ فادحاً»، مضيفاً أن الناخبين أوصلوا رسالة واضحة حول ما يريدون من الكونغرس، لكن الحزب لم يستجب.
وفى الاتجاه نفسه، أعلن السيناتور روبن جاليغو معارضته للاتفاق لأنه لا يشمل تمديد الإعفاءات الضريبية التى يوفرها قانون الرعاية الميسرة. وقال: «لن أتخلى عن 24 مليون أمريكى قد تتضاعف أقساط تأمينهم إذا لم نمدد هذه الإعفاءات».
فى المقابل، دافع السيناتور تيم كين عن الاتفاق قائلاً: «هذا التصويت يضعنا على الطريق الصحيح نحو إصلاح فوضى الرعاية الصحية وحماية القوى العاملة الفيدرالية». وأضاف أن الاتفاق يضمن على الأقل طرح مشروع تمديد الإعفاءات الضريبية للتصويت، مشيراً إلى أن «الناخبين يتوقعون من ممثليهم دعم ذلك، ومن يتخلف عن هذا المطلب سيحاسب فى صناديق الاقتراع».
أما جين شاهين، إحدى مهندسات الاتفاق، فقالت إن المشروع يمثل «أفضل فرصة متاحة حالياً لإعادة فتح الحكومة والشروع فوراً فى مفاوضات حول الإعفاءات الضريبية للرعاية الميسرة». وعندما سُئلت إن كانت ستصوت ضد مشروع تمويل جديد فى يناير فى حال فشل تمرير التمديد، ردت بأن «هذا خيار سيكون مطروحاً أمام الجميع».
خارج أروقة المجلس، جاء رد الفعل الديمقراطى أكثر حدة. فقد كتب النائب رو خانا على منصة X: «السيناتور شومر لم يعد فعالاً ويجب استبداله. إذا لم يستطع قيادة المعركة لوقف ارتفاع أقساط الرعاية الصحية، فعلامَ سيناضل؟». وفى السياق نفسه، انتقد النائب ميكى شيريل، الذى انتُخب حديثاً حاكماً لولاية نيوجيرسي، الاتفاق قائلاً فى بيان: «لا تخطئوا، إذا تم إقراره، فسيدفع سكان نيوجيرسى مبالغ أكبر بكثير مقابل رعايتهم الصحية».
ورغم أن الاتفاق يمنح أملاً مؤقتاً بإنهاء الإغلاق الذى شلّ الإدارات الفيدرالية، فإنه لا يخفى حقيقة الانقسام العميق بين الحزبين حول أولويات الإنفاق ومستقبل الرعاية الصحية فى الولايات المتحدة، ما يجعل الأزمة مرشحة لجولة جديدة من الصراع مع اقتراب يناير.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الإغلاق الحكومي الأمريكي انقسام الرعاية الصحية الحزبين الديمقراطيين والجمهوريين الرعایة الصحیة مجلس الشیوخ أن الاتفاق
إقرأ أيضاً:
لبنان.. الملعب يُفرض من جديد!
الوضع اللبنانى ليس جديدًا.. هو نتاج لتراكم أزمات مستمرة منذ السبعينيات.. وتكرار هذه الأزمات أقنع كل طامعٍ بأن لبنان ملعب مثالى لتصفية الصراع بين قوى مختلفة فى منطقة الشرق الأوسط!!
نعم هذه هى الحقيقة التى يجب أن نعترف بها.. فقد تخلى الجميع عن لبنان وتركه وحيدًا يصارع موجات العنف السياسى المُسلح سواء من قوى لبنانية داخلية أو تنظيمات وفصائل من خارجه أو دول أرادت منه مسرحًا لعمليات تصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية.. ولذلك لم يكن غريبًا أن نرى فى الثمانينيات صورة الرئيس السورى الراحل حافظ الأسد تعلو مطار بيروت لأن نفوذ سوريا فى العاصمة بلغ قدرًا لا يُصدقه أحد.. ووجدنا الفصائل الفلسطينية تتخذ من الأراضى اللبنانية مصدرًا للانطلاق لتحرير القدس حتى تآمرت عليها ميليشيات لبنانية رافضة للوجود الفلسطينى على أرض بيروت، لدرجة أن الأمر قاد هذه الميليشيات للتحالف مع إسرائيل ضد رجال المقاومة الفلسطينية.. وأخيرًا أصبحت أزمة لبنان (أو قل ذريعة إسرائيل لضرب لبنان) هى فى وجود حزب الله الذى ينتمى فكرًا وتنظيمًا وتمويلًا وتسليحًا لإيران والذى يتم تصنيفه بأنه أهم أذرع طهران فى المنطقة.. كل هذه التراكمات أدت إلى الوضع اللبنانى الحالى.. فالمسألة هى أن إسرائيل تتحجج بكون جنوب لبنان يمثل خطرًا عليها وهو ما يجعل الولايات المتحدة تبارك ضربات إسرائيل للبنان رغم كونها اعتداءات مخالفة للقانون الدولى، ولذلك فإننى أعتقد أن الأزمة اللبنانية فى مواجهة الفوضى ستستمر ما لم يتمكن اللبنانيون أنفسهم من تغيير تركيبة السياسة الداخلية المُعتمدة على الطائفية وتقسيم المناصب العليا طبقًا للمرجعية القبلية والدينية.. فرئيس الدولة مسيحى مارونى ورئيس الوزراء مسلم سُنى ورئيس مجلس النواب مسلم شيعى.. هذه تركيبة تجعل أى عدو قادر على اختراق الحدود بسهولة وتجعل أى طامع قادر على تنفيذ سيناريو طموحاته على أرضٍ مُقسمة ابتداءً دون بذل أى جهد لتقسيمه قبل اختراقه.
أما عن التصعيد الإسرائيلى الإجرامى- الأخير- ضد لبنان وأهله فإن له عدة أسباب. مبدئيًا وبشكلٍ عام، هذا التصعيد مرتبط بمفاوضات الولايات المتحدة وإيران، واقتراب نهاية الحرب. إسرائيل تتعامل مع حزب الله باعتباره إحدى أذرع إيران، وتعتبره خطرًا دائمًا ومستمرًا عليها، ولذلك فهى تسعى لأمرين مهمين (من وجهة نظر إسرائيل).
الأول: هو فرض منطقة عازلة ما بين شمال فلسطين وما بين الجنوب اللبنانى لتأمين ما يسمى بالخط الأصفر الذى لا يجوز تجاوزه. فإسرائيل تسعى لتثبيت هذا الأمر بسرعة قبل أن تنتهى المفاوضات، لأن ملف (لبنان) واحدًا من ضمن نقاط هذه المفاوضات التى ستجرى ما بين إيران وبين الولايات المتحدة.
الهدف الثانى: هو محاولة تدمير البنية العسكرية التحتية لحزب الله، حتى لا يستطيع فى وقت قريب أو قصير العودة لتوجيه ضرباته لشمال إسرائيل، وبالتالى فهى تُسرع فى هذه الخطوات حتى تحقق إنجازًا عسكريًا ومكسبًا على الأرض خلال وقت قليل.
لكن مسألة تدمير البنية التحتية، هى مسألة تحتاج لوقت أطول- من وجهة نظرى- لأن حزب الله يستخدم الأنفاق باعتبارها استراتيجية لإخفاء قدراته، فالجزء الذى يسيطر عليه الحزب فى جنوب لبنان توجد به جبال كثيرة، ولذلك فالحزب قام باستخدام المغارات لتخبئة رجاله وعتاده وأسلحته ومعداته، وهذا الأسلوب شبيه بالوضع الموجود حاليًا فى إيران، وبالتالى فإن الفكرة أو الاعتقاد الموجود فى ذهن نتنياهو والقادة العسكريين الإسرائيليين بأنهم سيتمكنون من القضاء على البنية التحتية لحزب الله خلال وقت قصير هو اعتقاد خاطئ، وأعتقد أنه بعيد المنال، ربما تتمكن إسرائيل من النجاح فى تحقيق فكرة فرض منطقة عازلة (مؤقتة) أكبر من الخط الأصفر خلال هذا الوقت القليل، ولكنها لن تحقق مكاسب على الأرض أكثر من ذلك.
إذن.. الخاسر الوحيد من تحويل لبنان لمسرح من جديد هو الشعب اللبنانى الذى يعانى منذ السبعينيات (وتحديدًا منذ اندلاع الحرب الأهلية) من عدم الاستقرار والدمار والقتل وتشريد الملايين، والانهيارات المتكررة لاقتصاده.
هذه المعاناة اللبنانية جاءت من فكرة راسخة فى أذهان كل اللاعبين وهى أن (لبنان مسرحٌ يحتمل لعب كل الأدوار على أرضه)!!
اللهم احفظ لبنان وشعبه وأرضه من كل سوء!!
[email protected]