لجريدة عمان:
2026-06-02@23:40:12 GMT

الولايات المتحدة الأمريكية.. إلى أين؟

تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT

عصفت بذهني مجموعةٌ من التساؤلات والأفكار بخصوص الوضع الأمريكي الذي دخل نفقًا مظلمًا في عهد رئيسه الحالي منذ أول يوم في البيت الأبيض؛ فبداية مع مناكفاته اللسانية وتصعيداته ضد عدد كبير من دول العالم ورؤسائها، وتهديداته العسكرية غير المتزنة وغير واضحة الأهداف ضد دول أخرى، وإجراءاته الاقتصادية العالمية المُربكة لأسواق المال، ودخوله المباشر الصريح إلى حرب غزة والهجوم على إيران، ومؤخرا هجومه العسكري على فنزويلا وتهديداته العسكرية ضد نيجيريا، وسريان الإغلاق الحكومي الذي يعكس التدهور المالي والاقتصادي الأمريكي المكبّل بالديون، وتنامي أزمة الجوع في أمريكا التي بلغ عدد المتضررين فيها عشرات الملايين من الأمريكيين.

نحتاج أن نؤكد أولا أن هذه الصور المستعرضة التي تلخّص «أمريكا» في عهد ترامب تشكّل في أساسها سلسة متصلة بعضها ببعض تعود بكثير من جذورها إلى ما قبل ترامب، وكل حدث متصل بالآخر مؤثر فيه، وكأن كل شيء يتفاعل استجابة لقانون «أثر جناح الفراشة» المرتبط بما يُعرف في حقل الفيزياء بنظرية «الفوضى»، وكذلك فإننا مع هذه المشاهد، نلمح تحققا لقانون السببية الذي يؤكد منطقه أن الأحداث مرتبطة بمسبباتها الأولية، وهذا ما يمكن أن يعكسه السلوك الأمريكي المفرط سواء في استعماله للقوة العسكرية والاقتصادية لإخضاع الخصوم أو بمجاهرته بدعم عمليات الإبادة الجماعية كما يحدث في غزة. من البَدَهِيّ ـ قبل الحديث عن أزمات أمريكا في عهد ترامب ـ أن نبدأ بفهم الذهنية الأمريكية وأهدافها القديمة والراهنة ومتغيراتها التي تستند إلى منطق القوة الاقتصادية والعسكرية، ويمكن لهذا النهج أن يتباين ـ دون الجذور ـ حسب توجهات الرؤساء الأمريكيين، وسنرى هذا المشهد في مسرح أحداثه الحالية إبان رئاسة «ترامب» الذي يُعَدّ لدى كثيرين بأنه الرئيس الأكثر جدلا لكثرة تقلباته المزاجية السياسية، وإخلاله بالنظام الأمريكي الداخلي الذي امتد إلى فرض لغة القوة والتهديد على بعض الولايات ـ في الداخل الأمريكي ـ غير المطيعة له وعلى شخصيات أمريكية سياسية ونافذة ماليا مناوئة لمساره بمن فيهم داخل حزبه الجمهوري الذي بات تصدّعه أكثر وضوحًا، وبالإضافة إلى إخلاله بالشأن الخارجي الأمريكي، وأبسطها تصريحاته اللاذعة غير المحسوبة.

نبدأ بالمنطق الأمريكي السياسي العام المعني بتأويل الذهنية الخاصة بالنخبة السياسية الأمريكية، ولعلّ أفضل من يمكن أن نستعين به في فهم هذه المعادلة الأمريكية وظواهرها السياسية هو عالم اللسانيات الأمريكي «نعوم تشومسكي» كما أشار إلى ذلك في مؤلفاته أهمها ما جاء في كتاب « Hegemony or Survival: America›s Quest for Global Dominance» « الهيمنة أو البقاء: سعي أمريكا إلى الهيمنة العالمية» الذي يلخص فيه توجّه الولايات المتحدة الأمريكية وإستراتيجياتها الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الثانية عبر سعيها الدؤوب لضمان بقائها القوة العسكرية والاقتصادية المهيمنة عالميا، من دون بروز أنداد لها، وتتركز مواقع هيمنتها خاصة على المناطق الغنية بالموارد الطبيعية ـ النفط والغاز والمعادن ـ في مقدمتها مناطق الشرق الأوسط، وهذا يقودنا إلى فهم أسباب بقاء منطقة الشرق الأوسط في حالة عدم استقرار منذ الحرب العالمية الثانية التي تُوّجت بزرع كيان دخيل على المنطقة استفادت بوجوده القوى الكبرى أهمها أمريكا التي تجد من إسرائيل حليفا إستراتيجيا لها في المنطقة يضمن بقاء نفوذها العالمي العسكري والاقتصادي. تُطلعنا كتب «تشومسكي» ونصوصه على كثير من ملامح الذهنية السياسية الأمريكية التي تعمل على توزيع العالم ـ كما نشهد الآن ـ إلى مناطق نفوذ حسب الموارد والثروات أو الجغرافيا الإستراتيجية لتقبع تحت سيطرتها وسيطرة حلفائها.

كذلك يلخّص لنا «تشومسكي» الترجمة العملية للذهنية السياسية الأمريكية في ثلاث قوى تتحرك بواسطتها الولايات المتحدة الأمريكية لضمان هيمنتها العالمية، ويراها في القوة العسكرية المباشرة التي تتمثّل في شكل حروب واحتلال مباشر للدول وانتشار لقواعد عسكرية وتدخلات استنادا إلى ذرائع عدّة مثل «مكافحة الإرهاب» أو «الدفاع عن الديمقراطية» أو «نزع الأسلحة النووية»، وكذلك يجدها في القوة الاقتصادية عن طريق مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واتفاقيات التجارة؛ لفرض توصياتها الاقتصادية سواء تحت مظلة الدعم المالي أو قرضه أو ما يرافق اتفاقيات التجارة؛ فتُضعف سيادة الدول وتمارس عليها الضغوط لبيع أصولها أو مؤسساتها الاقتصادية وفتح أسواقها بشروط مجحفة تصب في صالح الطرف الأول «أمريكا». كذلك يُدرِج «تشومسكي» التدخلات السرية والسياسية باعتبارها قوة ثالثة لا يمكن أن تنفصل عن الأجندة الأمريكية التي تكون في العادة رديفة للقوة الثانية عبر ما يُعرف ب»الاغتيال الاقتصادي» الذي يكون بطابعٍ استخباراتي إن لم تُجْدِ الضغوط التقليدية، وتشمل أيضا دعم الانقلابات داخل الدول المناوئة للتوجهات الأمريكية، ودعم القوى المعارضة الحليفة، وفرض العقوبات على الحكومات المتمرّدة على السياسة الأمريكية، والتي تشكّل تهديدا لمصالحها السياسية والاقتصادية.

بتعقّبنا للذهنية الأمريكية، لا نجدها، في صورتها الحاضرة مختلفة كثيرا عن ماضيها خصوصًا منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ إذ أفرزت تلك الحقبة ظهور خصمٍ قوي لأمريكا، ونقصد به «الاتحاد السوفيتي» ومشروعه الشيوعي الذي عكفت أمريكا على مواجهته بحرب باردة طويلة تمثّلت في سباق تقني وفضائي قوي خاضه الطرفان، ومولت فيه أمريكا حروبًا ضد الاتحاد السوفيتي، أشهرها حرب أفغانستان في ثمانينيات القرن المنصرم، وانهارت أسطورة الشيوعية واتحادها السوفيتي مع بداية تسعينيات القرن العشرين؛ لتلتقط أمريكا أنفاسها وتطمئن إلى بقائها الدولة ذات النفوذ الأكبر في العالم عسكريا واقتصاديا، غير أن ذلك لم يدم طويلا مع بروز التنين الصيني الذي أخذ ينمو بهدوء غير ملحوظ؛ ليقترب في وقتنا الحالي من مرحلة التحول إلى خصم عسكري واقتصادي جديد لأمريكا، وهذا ما يفسّر بعضا من سلوك ترامب غير المتزن الذي بسببه أربك أسواق المال، وتزامن مع الحرب الروسية على أوكرانيا والإنفاق الأمريكي غير المجدي لدعم أوكرانيا، ودعمها غير المحدود للكيان الصهيوني في حروبه الإجرامية القذرة؛ فأفرزت كل هذه السياسات بما رافقها من همجية «أمريكية» إلى خلل في الداخل الأمريكي من حيث تفكك مجتمعه وأحزابه وانقساماته السياسية المعارضة لكثير من سياسات ترامب وإدارته -الداخلية والخارجية- بما فيها رفضهم القاطع لشعار «إسرائيل أولا» المطالب بوقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل من قبل عدد من نواب الأحزاب -الجمهوري والديموقراطي- والمجتمع الأمريكي.

استنادًا إلى مسار الولايات المتحدة التاريخي ورهان ذهنيتها القائمة على مبدأ تفوّق القطب الواحد؛ فإننا أمام سيناريوهات محتملة مثل التهاوي الاقتصادي الأمريكي نتيجة قصور الحكمة السياسية والاقتصادية، ويتعاظم تحقق هذا السيناريو مع استمرار الحماقات مثل الانخراط في حروب مباشرة ومساعي احتلال دول أخرى ونهب ثرواتها الطبيعية، وتصعيد خيار المواجهة الاقتصادية مع الصين، وغيرها من الممارسات المتهورة؛ فكلها ستصب في صالح تنامي تشكّل قطب عالمي مناوئ ـ الذي تشكّل أصلا ـ واتساع سطوته العسكرية والاقتصادية؛ ليكون خصمًا منافسًا، وأشكُ في قدرة الولايات المتحدة في مواجهته كما فعلت مع خصمها السابق «السوفييت»؛ إذ لم تعد تملك كثيرا من أوراق النصر المتمثّلة في القوة الاقتصادية ـ الآخذة في التراجع مع النمو الصيني والإنفاق العبثي ـ وتراجع ثقة الحلفاء بسياسات حكومة ترامب ونضيف معهم الخصوم الذين سبق أن جربوا الخيانة الأمريكية لعهودها معهم مثل إيران وروسيا وغزة.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الولایات المتحدة الذی ی

إقرأ أيضاً:

روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا

قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في كلمة بالكونجرس إن الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا ولم تحقق هناك الهدف المنشود، لكن خطوتها تتجه نحو ذلك المراد.

رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة طهران: ننتزع الامتيازات بالصواريخ وليس بالمفاوضات

 وأضاف الوزير في جلسة استماع في مجلس الشيوخ: "لم نصل بعد إلى غايتنا المنشودة في فنزويلا، لكن فقط خمسة أشهر قد مضت؛ وأعتقد أن هذا أمر يجب تذكّره، لأن تحقيق الهدف يتطلب وقتا. نحن نتعامل مع نظام قائم منذ 16 إلى 18 عاما، وتغييره بشكل جيد يستغرق بعض الوقت، غير أنني أرى أننا نمضي في هذا الاتجاه بخطى حثيثة".

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • باحث بالشأن الأمريكي: الولايات المتحدة وضعت نفسها في مأزق بسبب حرب إيران
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • وزير الخارجية الأمريكي: ترامب يعارض تغيير الوضع في الضفة الغربية
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • خلافات جديدة تعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.. طهران تطلب تعديلات وترامب يتمسك بالتشدد
  • البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي