صدى البلد:
2026-06-03@02:23:26 GMT

د. هبة عيد تكتب: أشياء لا نراها إلا حين نكبر

تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT

عندما نمضي في الحياة بقلوب صغيرة وتجارب محدودة، نُفسّر كل ما حولنا بنوايا بسيطة. نعتقد أن الحب وعد لا يتبدّل، وأن القرب يعني البقاء، وأن كل من يبتسم لنا يحمل نية صافية. نمنح ثقتنا سريعًا، ونغفر بسهولة، ونرى الناس كما نحب أن يكونوا، لا كما هم في حقيقتهم. ومع مرور الوقت، ومع الوعي الذي يتشكل داخلنا بفعل التجربة، نكتشف أن الحقيقة لا تظهر دفعة واحدة، بل تتكشف شيئًا فشيئًا.

نفهم أن الوقت لا يغيّر الأشياء بقدر ما يرفع الغطاء عنها، فيكشف لنا ما كان خفيًا خلف الزينة والمظاهر.

فالإنسان يستطيع أن يُخفي جزءًا من ذاته لبعض الوقت، أن يتصنّع اللطف، أو يتجمّل بالاهتمام، أو يقدّم كلمات منمقة تبدو محمّلة بالدفء. لكن الأقنعة مهما كانت متقنة تتعب مع الأيام، والمشاعر المصطنعة تبهت حين يزول سببها. ومع مرور الزمن يبدأ الجوهر في الظهور، فتتضح معادن النفوس. من كان صادقًا يثبت، ومن كان عابرًا يختفي، ومن كان وجوده مرتبطًا بمصلحة أو ظرف يبهت بانتهائه. وهنا فقط ندرك أن الوقت ليس مغيرًا للطباع بقدر ما هو كاشف لها، وأن الزمن لا يبدّل الناس بل يضع كل شخص في موضعه الحقيقي.

غير أن الزمن لا يكشف الآخرين فقط، بل يكشفنا نحن أيضًا. يكشف عمق مشاعرنا، ويُظهر لنا ما إذا كانت محبة واعية أم تعلقًا عاطفيًا مؤلمًا. يكشف حدود صبرنا، ومقدار احترامنا لكرامتنا، وقدرتنا على الاحتفاظ بمن يستحق، والابتعاد عمّن يرهق أرواحنا. ومع كل تجربة، ومع كل بقاء أو خسارة أو تبدّل، تنضج الرؤية شيئًا فشيئًا. نتعلم أن العلاقات لا تُقاس بطولها، بل بثباتها، وأن العطاء الحقيقي لا يُلغِي ذواتنا، وأن الصمت في كثير من الأحيان أصدق من ألف توضيح.

وعلي المستوى النفسي، ندرك أن البصيرة لا تأتي بالعمر وحده، بل بالشعور والتجربة والانكسار والشفاء معًا. فنبدأ في استيعاب أن ليس كل حضور حبًا، ولا كل غياب جفاء، ولا كل خسارة نهاية. فهناك خسارات كانت بابًا للوعي والنضج، وهناك بقاءات كانت نعمة لم ندرك قيمتها إلا حين هدأ ضجيج العاطفة وتكلمت التجربة بصوت هادئ وواضح. وعلى المستوى الاجتماعي، نتعلم أن العلاقات التي تبقى هي تلك التي قامت على وضوح النية، واحترام متبادل، وصدق لا يتبدل مع الوقت، أما تلك التي بُنيت على فراغ أو تجمّل عاطفي أو احتياج مؤقت فهي تتلاشى عندما يحين وقت الحقيقة.

وفي النهاية، حين نكبر بحق، لا نكبر في العمر فقط، بل تكبر بصيرتنا أيضًا. نتعلم أن نختار بوعي، ونحب بهدوء، ونتخلى بسلام. نفهم أن ما كتبه الله ليبقى لن تسقطه الأيام، وأن ما لم يكن له جذور سيسقط ولو بعد حين. وهنا تتضح الحكمة العميقة إن الأشياء لا نراها كاملة حين نكون صغارًا، بل حين نكبر وننضج ونتعلم أن نرى بعين القلب والعقل معًا. فالوقت لم يغيّر شيئًا في الحقيقة، إنه فقط كشف ما كان موجودًا منذ البداية.

طباعة شارك الحياة الحقيقة تجارب محدودة الوعي الإنسان

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الحياة الحقيقة الوعي الإنسان

إقرأ أيضاً:

نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة

في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.

في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.

ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.

داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.

تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.

لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.

فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟

ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.

وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.

ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .

ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.

ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.

القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.

إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.

من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.


أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.

طباعة شارك المطرية العطاء الثراء

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • هل ارتفعت المصنعية بشكل كبير؟ شعبة الذهب ترد وتكشف الحقيقة
  • ترامب: الوقت حان لإبرام اتفاق مع إيران
  • ترامب: لا أحد يعلم إلى ماذا ستقود المحادثات لكني قلت لإيران إن الوقت حان للتوصل إلى اتفاق
  • أبو عبيدة: مسلسل القتل اليومي لأهلنا بغزة يضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة
  • نشرة المرأة والمنوعات | سبب وفاة الفنانة سهام جلال.. أشياء تفعلها المرأة يومياً تسرّع ظهور التجاعيد
  • سيدة تستدرج الأطفال لخطفهم.. الحقيقة تحمل مفاجأة تقلب كل التوقعات | فيديو
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش