لجريدة عمان:
2026-07-24@02:02:54 GMT

العالم العربي وتحدي الهوية الوطنية

تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT

العالم العربي وتحدي الهوية الوطنية

يحتاج موضوع بناء الهوية الوطنية، في أي دولة من الدول، إلى جهود كبيرة تتجاوز البعد الثقافي الثانوي الذي يَقرأ الهوية من زاوية رمزية وبعد تاريخي.. وهذه رؤية سطحية جدا لموضوع الهوية في وقت تحول فيه تحدي الهوية إلى ساحة صراع مركزية، وإلى مورد استراتيجي لا يقلّ حساسية عن الممرّات البحرية أو احتياطيات الطاقة.

الدولة التي تستطيع أن تتحكم في بناء هوية مجتمعها وتعريفها، وفي مسار السردية التي يستطيع المجتمع أن يروي فيها تاريخه وموقعه، تستطيع أن تملك قدرة حقيقية على التأثير في خيارات ذلك المجتمع السياسية والثقافية وفي بناء تحالفاته، وحتى في استعداد أبنائه للدفاع عنه أو الخروج عليه.. الهوية هي بمثابة عقيدة المجتمع وسجلات روابطه الممتدة من التاريخ نحو المستقبل.

وقد شغل موضوع الهُوية العالم كثيرا منذ نهاية الحرب الباردة، حيث بدا للوهلة الأولى أن العالم ذاهب نحو «السلطة الواحدة» في بناء القيم وكتابة السرديات، وهي سلطة سياسية واقتصادية وثقافية تقدم للعالم باعتبارها الأفق الوحيد للتقدم.

لم تستطع «العولمة الثقافية» كما اتضح لاحقا أن تبني أو تنتج تنميطا كاملا بقدر ما أطلقت سباقا جديدا حول تعريف الذات؛ بين دول تريد أن تحافظ على خصوصيتها، وقوى عابرة للحدود تتعامل مع الهويات الوطنية باعتبارها عائقا أمام مشروعها أو ورقة يمكن إعادة تشكيلها لخدمة مصالحها.

ومن أجل إزاحة تلك العوائق من أمام تيار العولمة الثقافية جرى توسيع مفهوم الصراع ليشمل إعادة كتابة تاريخ الأمم، وتشويه رموزها، وإعادة تعريف خطوط الانتماء داخلها. وتحولت أساليب الدعاية وفق مفهومها القديم إلى منظومة معقدة جدا تتمثل في المنصات الرقمية، وشبكات المصالح، وصناعة المحتوى، وتعمل على تفكيك الروابط التي تجمع الفرد بالوطن، لصالح انتماءات بديلة؛ طائفية، وقبلية، وأيديولوجية، أو حتى «كونية» مُفرغة من أيّ جذور واقعية.

وساد ظن في العالم العربي أن «العولمة الثقافية» قد وصلت إلى ذروتها وصمد فيها من صمد وتآكل من تآكل؛ لكن الحقيقة أن المرحلة القادمة هي الأكثر خطورة. ويتجه العالم بشكل معلن الآن إلى ما سمته «خطة ترامب للسلام» بمرحلة تغيير الذهنيات وربطها بموضوع حوار الأديان وبقيم التسامح والتعايش السلمي. وليت هذا الطرح مبني على المبادئ الإنسانية لقيم الحوار وليست ضمن لعبة تسييس الأديان وقيم التسامح كما جرت العادة خلال العقود الماضية حيث كان جوهر هذا التغيير يتعلق بالهويات العربية والإسلامية، وبتغيير السرديات وبناء سردية جديدة تعيد رسم علاقة العرب/ المسلمين بإسرائيل.. وحين تستهدف أي سردية وطنية لا يكون المقصود الماضي وحده، بل شرعية الحاضر وإمكانيات المستقبل.

وأي تدخل في سردية الهوية الوطنية لا يعني تصحيح أخطاء التاريخ، فهذا دور الداخل وليس الخارج، ولكن العبث بقضاياه الأساسية وبقيمه، كما يتعلق أيضا بنقل مركز الثقل في وعي المجتمع؛ من كون الدولة إطارا جامعا، إلى كونها كيانا موضع شك دائم أو خصومة كامنة. وعندما يترسّخ هذا التحوّل في الوعي، تصبح أي أزمة اقتصادية أو سياسية قابلة لأن تُقرأ بوصفها دليلا على تهافت الهوية ذاتها، لا خللا في السياسات أو القرارات.

من هنا تأتي أهمية العمل الجماعي في حماية الهوية عبر مشروع طويل المدى يعي طبيعة المرحلة المقبلة وتحدياتها. وهذا يتطلب تكريس فكرة أن الهوية الوطنية هي خلاصة تجربة تاريخية طويلة، تشكّلت فيها علاقة الناس بأرضهم، وبالدولة، وبالمحيط الأوسع الذي ينتمون إليه حضاريّا، وأي عبث بهذه الخلاصة من شأنه أن يعيد ترتيب الولاءات داخل المجتمع.

ويتطلب الأمر إعادة بناء علاقة المواطن بتاريخ بلده بوصفه تجربة إنسانية وسياسية مركّبة، فيها النجاحات والإخفاقات، وفيها لحظات تفوّق ولحظات تراجع.

هذا الجهد لا بد أن يمتد إلى مؤسسات الإعلام والمؤسسات الثقافية والاجتماعية وإلى الأسرة نفسها التي عليها أن تعي تماما ما يعني تحدي الهوية ومخاطره على المدى البعيد، وتعلم أن المرحلة المقبلة لن تكون حيادية تجاه الهويات الوطنية؛ فثمة قوة تعمل على تمييعها لصالح نموذج إنساني بلا جذور، وثمة قوة أخرى تعمل على تفجيرها إلى شظايا متناحرة، طوائف، وأعراق، وقبائل، وأيديولوجيات مغلقة.

تحدي الهوية لا بد أن يأتي في مقدمة التحديات التي على جميع الدول العربية أن تديرها بحكمة ووعي حساس خلال المرحلة القادمة ومن يستهين بهذا الموضوع من الممكن أن يدفع ثمنا باهظا خلال المرحلة القادمة التي يتغير فيها العالم ويعاد تشكيله بناء على هوية كونية لا تنتمي لنا ولا ننتمي لها بأي شكل من الأشكال.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الهویة الوطنیة

إقرأ أيضاً:

"الحية" يوجّه رسالة إلى الوسطاء لإنقاذ اتفاق غزة والانتقال إلى المرحلة التالية

وجه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس  خليل الحية، اليوم الخميس، رسائل إلى قادة الدول الوسيطة في مفاوضات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار مصر وقطر وتركيا، دعا فيها إلى بذل كل الجهود اللازمة والمطلوبة من أجل إلزام الاحتلال الصهيوني بوقف خروقاته وتطبيق التزاماته في الاتفاقات الموقعة، مستعرضاً الانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال بشكل يومي في قطاع غزة .

وقال الحية في رسالته: "إن الاحتلال الصهيوني يواصل انتهاكاته، بل تعمد خلال الأيام الأخيرة تصعيد جرائمه وخروقاته الدموية في مسعى يهدف إلى تعطيل الوصول إلى اتفاق يحقق الأمن والاستقرار والحياة الكريمة لشعبنا".

وأضاف "شملت هذه الانتهاكات جميع نواحي الحياة في قطاع غزة، من حيث القتل المتعمد والاستهداف المباشر للمواطنين؛ مما أدى إلى وقوع آلاف المواطنين الأبرياء وتدمير مئات المنازل والمنشآت، إضافة إلى إعادة احتلال مساحات جديدة من الأرض، وواصل منع إمدادات الغذاء والدواء واحتياجات القطاع والمساعدات الإنسانية من الدخول إلا بأقل من الحد الأدنى، فضلاً عن استمرار منع إدخال مواد الترميم التي نص عليها الاتفاق من أجل إصلاح المستشفيات والبلديات والمرافق العامة، وبلغ عدد الشهداء 1143 منهم 409 من النساء والأطفال والمسنين، فيما بلغ العدد الإجمالي للجرحى والمصابين 3616، عدد الأطفال والنساء والمسنين منهم 1789.

واعتبر رئيس حركة حماس أن هذه الانتهاكات الخطيرة والمتعمدة تشير إلى أن الاحتلال الصهيوني يتعمد تحدي إرادة الضامنين والمجتمع الدولي، الذي يقف ويدعم الاتفاق ويعمل على استكماله والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، بما يتطلب تحركاً سريعاً من قبل الضامنين للاتفاق من أجل الحفاظ عليه وإنجاح الجهود لاستكمال مراحله.

المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين سلطة النقد تحذر من تداعيات خطيرة لقطع العلاقات المصرفية المراسلة تكليف أبو ماهر حلس مفوضا للتعبئة والتنظيم في غزة.. مركزية فتح تتخذ سلسلة إجراءات داخلية فلسطين: آلية الاستعلام عن نتائج الثانوية العامة "توجيهي" 2026 الأكثر قراءة أحوال طقس فلسطين بدءاً من هذه الليلة وحتى يوم الأحد القادم فرنسا تبحث إمكانية شراء تطبيق "بيغاسوس" التجسسي الإسرائيلي زعيم الحوثيين يهدد السعودية باستهداف منشآتها النفطية ردا على أي هجمات تقرير: علاقات إسرائيل والديمقراطيين ستتراجع أكثر بعد انتخابات الكونغرس عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026

مقالات مشابهة

  • علي الدين هلال: نجاح الدولة الوطنية يرتبط بالتوازن بين الحكومة والمجتمع
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • ثروت : أنا أول واحد قلت إن الفيفا فيها نيفة
  • ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
  • خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب
  • الأمم المتحدة: 67% من سكان غزة يعانون الجوع
  • الساعي : مصر تمتلك مقومات قوية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز قوتها الناعمة
  • "الحية" يوجّه رسالة إلى الوسطاء لإنقاذ اتفاق غزة والانتقال إلى المرحلة التالية
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة