أطياف
صباح محمد الحسن
طيف أول:
للعصافير التي ظنّت أن الأغصان موئلها،
للمعاني التي نسيت حلمها البسيط،
وللأمنيات اللائي أنجبهن المطر،
ولكل قريب أبعدته المسافات،
للوطن في قلوب الذين عشقوه
ولغربته في قلوب الذين جهلوا قيمته.
وتحاول حكومة تحالف “تأسيس” تمرير أجندتها السياسية بحنكة واضحة، عن طريق بناء جسور الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي، وتبحث جاهدة عن اعتراف يمكّنها من رؤية الضوء.
وقد التقطت “تأسيس” الطلب الذي قدّمه مجلس حقوق الإنسان إلى قوات الدعم السريع بشأن دخول بعثة تقصّي الحقائق إلى الفاشر، وأعلنت أمس ترحيبها بالبعثة وقبولها في مدينة الفاشر بغرض إجراء تحقيق عاجل حول الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.
وهذه الموافقة تُعد مكسبًا سياسيًا لـ”تأسيس”، يضع الأمم المتحدة في امتحان عسير، سيما أن الأخيرة لا تعترف بحكومة نيالا. وهذا ما جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حين أكد أنهم يرفضون وجود أي حكومات موازية في السودان.
ولهذا ربما تطلب الأمم المتحدة أن يكون الرد من الدعم السريع مباشرة، لا سيما أنها من قبل طلبت مقابلة قيادات الدعم السريع، فأرسل لها وفدًا من “تأسيس”، لكن الأمم المتحدة رفضت اللقاء. أما الآن فقد قدّمت “تأسيس” نفسها للأمم المتحدة كصاحبة قرار مسؤولة عن الأرض التي تستضيف بعثة تقصّي الحقائق، وهو الأمر الذي يضع المنظمة في مأزق.
فالمجتمع الدولي يرى أن دخول البعثة أمر ضروري ظل يطالب به لأكثر من عامين، حتى يتمكّن من كشف الحقائق وتقديم المتورطين للعدالة، وهو أمر أهم بكثير من جدلية الاعتراف بحكومة أو رفضها.
إذن، هل تتعامل الأمم المتحدة مع حكومة “تأسيس”، طالما أن الوضع الإنساني في الفاشر تحوّل إلى مأساة كارثية خطيرة؟ ولو حدث وقبلت الأمم المتحدة، فبذلك تكون حكومة “تأسيس” قد قايضت الحصول على الشرعية بتعاونها مع المنظمات الدولية.
هذا الموقف يضع المجتمع الدولي أمام معضلة معقّدة: فقبول التعامل مع “تأسيس”
قد يُفسَّر باعترافٍ بها، بينما رفض التعاون معها قد يعرّض حياة المدنيين ومصالحهم الإنسانية للخطر.
ويُعتبر ترحيب “تأسيس” بدخول البعثة صفعة قوية لحكومة الكيزان التي ترفض دخول البعثة ومحاسبة المجرمين، وكأنها تتسبب في إضاعة حقوق الضحايا. فكيف لسلطة تطالب بمحاسبة قوات الدعم السريع، وترفض دخول البعثة التي تقدّم المجرمين إلى العدالة، خشية أن تكشف البعثة الجرائم الأخرى التي ارتُكبت في مناطق سيطرة الجيش.
والموافقة من قبل “تأسيس” على دخول البعثة ستأتي نتائجه سلبية على حكومة بورتسودان، وستخصم من رصيدها الدولي على قلّته. وبهذه الخطوة قد تكسب “تأسيس” القبول الدولي بصفتها متعاونة مع منظمات حقوق الإنسان.
ولم تكتفِ “تأسيس” بترحيبها ببعثة تقصّي الحقائق، بل أكدت أنها ستتعاون مع الأمم المتحدة في المجال الإنساني. فبالرغم من أن زيارة مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، للسودان بدأت بلقاء قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، وكان اللقاء “بنّاءً”، موضحًا أن النقاش تركز على تمكين الأمم المتحدة من العمل في مختلف مناطق السودان”بحيث يكون العمل الإنساني محايدًا ومستقلًا وغير منحاز”، بما يسمح بإيصال المساعدات إلى الذين هم في أمسّ الحاجة إليها، إلا أن الأمم المتحدة رأت أن موافقة حكومة بورتسودان ليست كافية، طالما أن الفاشر المعنية بوصول المساعدات تقع تحت سيطرة حميدتي.
لذلك اضطرت المنظمة إلى الجلوس مع حكومة “تأسيس” بمدينة نيالا، حيث أعلنت الحكومة ترحيبها الرسمي بزيارة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، إلى إقليم دارفور، والتي شملت مناطق طويلة وقولو والفاشر ونيرتتي. وأكدت الحكومة استعدادها الكامل للتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتلبية الاحتياجات العاجلة للسكان المتأثرين بالحرب، وضمان وصول المساعدات إلى جميع المحتاجين دون استثناء. ووصفت الزيارة بأنها دعم مهم للجهود الإنسانية الجارية في السودان.
ومن هنا يتجلّى أن الأمم المتحدة، بالرغم من محاولتها إرضاء الفريق البرهان بزيارة أولى له كقائد للجيش، إلا أنه لم يكن صاحب القرار هناك، وهذا يعيدنا إلى حديثنا حين سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر، وذكرنا أن هذه الخطوة الميدانية تُعد مكسبًا كبيرًا لها دوليًا، وتجعلها تطرق أبواب المجتمع الدولي بأريحية. لكن الماثل أمامنا الآن هو أن المجتمع الدولي هو الذي اضطر إلى طرق أبواب حكومة “تأسيس”.
وهذا ما قدّمته حكومة بورتسودان لـ”تأسيس” على طبق من رفض متكرر، حين امتنعت من التعاون مع المجتمع الدولي.
لذلك، ولو أصرت “تأسيس” في مقبل الأيام على أنها صانعة القرار في إقليم دارفور فيما يتعلق بالتعامل مع الأمم المتحدة، فستحصل على اعتراف من المجتمع الدولي برضاه أو بدونه، لأن قضية المساعدات الإنسانية هي الهم الأكبر لهذه المنظمات الدولية التي تضع إنقاذ المواطنين في مقدمة أولوياتها.
وعليه، فإن دخول بعثة تقصّي الحقائق إلى السودان، إن لم يكن عبر مطار بورتسودان بحجة عدم موافقة الحكومة، فستفتح حكومة “تأسيس” مطاراتها لدخولها. وهنا تكون “تأسيس” قد وضعت أول حجر أساس لبناء الثقة بينها وبين المنظمات الدولية.
ألم نقل من قبل إن المجتمع الدولي إن أراد أن يضع قدمه على أرض الفاشر، فإن القرار قد لا يكون بيد البرهان!!
طيف أخير:
في ملف فساد وزارة العدل، من المستفيد في سلطة بورتسودان من حماية وزير الدفاع السابق؟ ألم يقدّم الوزير الحالي تقرير لجنة تقصّي الفساد بالوزارة، والذي أكد أن الوزير السابق قام بـ”شفشفة” كل أموال الدمج التي رُصدت أيام الاتفاق الإطاري، ولكن لم يتم فتح بلاغ في مواجهته حتى الآن!!
الوسومصباح محمد الحسن
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: صباح محمد الحسن قوات الدعم السریع حکومة بورتسودان المجتمع الدولی الأمم المتحدة للأمم المتحدة دخول البعثة
إقرأ أيضاً:
الأمم المتحدة تحذر من ظاهرة الـ نينيو الوشيكة
أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الثلاثاء أنّ احتمال حدوث ظاهرة إل نينيو بين يونيو وأغسطس يصل إلى 80%، مما قد يفاقم خطر الظواهر المناخية المتطرفة في الفترة المقبلة.
وبحسب آخر تقرير للمنظمة التابعة للأمم المتحدة، يهيئ الارتفاع الاستثنائي لدرجات حرارة مياه المحيط الهادئ الظروف الملائمة لتشكل ظاهرة إل نينيو التي "يُتوقَّع أن تؤثر على أنماط درجات الحرارة وهطول الأمطار على مستوى العالم".
وأشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمال حدوث ظاهرة إل نينيو بين يونيو وأغسطس 2026 بنسبة 80%.
وأضافت المنظمة أن احتمال استمرار هذه الظاهرة أقله حتى نوفمبر، يقارب أو يتجاوز 90%، متوقعةً ظاهرة متوسطة الشدة إن لم تكن قوية.
وظاهرة ال نينيو، ومرحلتها المعاكسة "لا نينا" هما اسمان يطلقان على تغير طبيعي في المناخ، يؤدي إلى تغير ملحوظ في درجة حرارة مياه المحيط الهادىء الاستوائي، وتغيّر في الدورة الجوية العالمية، ويمكن أن يتسبب في بعض الأحداث المتطرفة في عدد كبير من المناطق، بحسب هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.
بين أواخر أبريل ومنتصف مايو، اقتربت درجات حرارة سطح البحر في الجزء الأوسط الشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي من العتبات التي تميّز هذه الظاهرة، وهو ارتفاع مدفوع بدرجات حرارة "مرتفعة بشكل استثنائي"، تتجاوز المعدلات الموسمية بأكثر من 6 درجات مئوية، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
وتزامناً، تتوافق قيم مؤشر التذبذب جنوب المحيط الهادئ الذي يمثل المكوّن الجوي لظاهرة ال نينيو، مع تهيؤ الظروف لظهور هذه الظاهرة، بحسب المنظمة.
وقالت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيليستي ساولو في بيان "علينا أن نستعد لمرحلة من ظاهرة ال نينيو قد تكون قوية، ستفاقم الجفاف والأمطار الغزيرة، وتزيد من خطر موجات الحر سواء فوق اليابسة أو في المحيطات".
وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن موجة من ظاهرة ال نينيو ذات شدة معتدلة تزيد من احتمال حصول بعض الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة.
وتتميز ظاهرة إل نينيو بارتفاع درجات حرارة سطح المياه في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه. وتحدث عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، وتستمر من تسعة إلى اثني عشر شهرا.
وجعلت ظاهرة ال نينيو الأخيرة في 2023 و2024 هذين العامين الأكثر حرارة على الإطلاق. وتؤثر هذه الظاهرة الدورية بشكل متسلسل على المناخ العالمي لعدة أشهر.
"حالة طوارئ مناخية"
تتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس، مجموعة من الظروف التي تُرجّح ارتفاع درجات الحرارة "فوق المعدل الطبيعي في معظم مناطق العالم"، مع ازدياد خطر الإجهاد الحراري، والجفاف في بعض المناطق، وظواهر مناخية متطرفة كالفيضانات أو الجفاف الشديد.
واشارت المنظمة إلى أن مراكز التنبؤات الإقليمية تتوقع هطول أمطار "أقل من المعدل الطبيعي" خلال موسم الأمطار الممتد من يونيو إلى سبتمبر في القرن الإفريقي، وأمطارا موسمية أقل غزارة من المعدل في جنوب آسيا، وظروفا أكثر حرارة وجفافا في أميركا الوسطى خلال فصل الصيف.
وأضافت المنظمة أن المياه الدافئة المصاحبة لظاهرة ال نينيو خلال فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي قد تُسهم في تكوّن الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه، بينما تحدّ من تطورها في المحيط الأطلسي.
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في بيان مصور قائلا "يجب أن نُدرك جميعا خطورة حالة الطوارئ المناخية التي يُمثلها هذا الوضع".
وتابع "ستُفاقم ظروف ال نينيو من حدة الاحتباس الحراري الذي يشهده كوكبنا. وستكون الآثار أشدّ وأوسع نطاقا، وستتجاوز الحدود بسرعة مُدمّرة".
وأشارت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن ظاهرة ال نينيو سترتب "آثارا مُتتالية"، مع تداعيات مُحتملة على التجارة العالمية.
ولفتت أمام صحافيين في جنيف الثلاثاء إلى أن هذه التأثيرات ستطال "تقلبات المناخ والاقتصاد وأمن السكان"، مشددة على أن "هذه المعلومات بالغة الأهمية".
وتأمل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تُسهم الإنذارات المبكرة في تحسين توجيه تدابير التأهب، لا سيما في القطاعات الحساسة تجاه المناخ مثل الزراعة وإدارة موارد المياه والطاقة والصحة.