المسرح في موريتانيا.. إرهاصات بنكهة سياسية وبحث متواصل عن الدعم
تاريخ النشر: 8th, November 2024 GMT
رغم البدايات المبكرة للمسرح في موريتانيا إلا أن هذه التجربة الفنية ما تزال تواجه تحديات تعرقل ازدهارها وتشكو ضعف الدعم الحكومي وقلة المسارح وفضاءات العرض.
وعرف هذا البلد المغاربي المسرح عامين قبل استقلاله عام 1960، بظهور فرقة "الكيكوطة" على يد همام أفال الذي يلقب بمؤسس "أبو الفنون" في بلاده.
وتوضح المصادر التاريخية التي تناولت هذه التجربة الفنية أن "الكيكوطة" قد لا تكون مسرحا بالمعنى المتعارف عليه اليوم كنمط تعبيري يعتمد على الحوار والحركة والموسيقى والديكور، بل كانت مجرد سهرات يجري فيها تقليد بعض الشخصيات العامة أو محاكاة بعض الأحداث التي شهدتها البلاد.
ورغم بساطة عروض الكيكوطة خلال تلك الفترة، تؤكد المصادر نفسها، أن المختار ولد داداه، أول رئيس لموريتانيا بعد الاستقلال، كان يداوم على حضور هذه السهرات ويجد فيها متعة رغم تهكمها منه ومن حاشيته.
وتوضح وزارة الثقافة الموريتانية في مقال عن المسرح بعنوان "المسرح الموريتاني أوضاع قاتمة وجمهور مريض بالفرجة"، أن هذا الفن "افتقر" خلال تلك المرحلة "للكثير من شروط الفن المسرحي"، قبل أن تستدرك "لكنها (التجربة) مهدت لميلاد مدارس مسرح الهواة لاحقا وجيل الرواد كمحمد ولد ممين، والكاتب محمد فال ولد عبد الرحمن".
ولم تشهد هذه التجربة الفنية أي تطور خلال السنوات الممتدة بين 1960 و1970، بل تحولت إلى مسرح "تحت الطلب" يعرض في الأعياد والمناسبات العامة.
ومع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شهد هذا الفن قفزة نوعية بظهور جيل جديد من الرواد، أمثال محمد الأمين ولد عداهي وأحمد ولد محمد الأمين، وعبد الرحمن أحمد سالم، وتكفل هذا الجيل بتطوير هذه التجربة الفتية لتواكب ما راكمه الجيران ودول المشرق من نجاحات.
وخلال تلك المرحلة شهد "أبو الفنون" تطورا ملحوظا مقارنة ببداياته، وخاصة على مستوى الكتابة والموسيقى والعرض، ثم شهد نقلة نوعية أخرى بظهور عدد من الفرق المسرحية أمثال المرابطون والأصابع وشنقيط، إلى جانب تأسيس اتحاد ضم هواة هذا الفن في البلاد.
ومع ذلك، لم يكن هؤلاء الفنانين يتقاضون أي دعم حكومي، كما كانوا يعانون لإقناع مواطنيهم بجدوى دفع قيمة تذكرة لمتابعة عروضهم الفنية.
رغم ضعف المسرح ، يوجد شباب رائعون ، يجسدون الشخصيات بطريقة متقنة ، "عالي ديده" مسرحي موريتاني مبدع ، قدم اللية أداء عظيما في مسرحيته "كاستينغ" . #موريتانيا pic.twitter.com/yf1TukvTCF
— محمدي موسى دهاه (@mohamdimds) October 15, 2019في هذا الصدد يقول الكاتب المسرحي الموريتاني بابا ولد ميني في كتابه "المسرح في موريتانيا" إنه وعلى عكس العديد من التجارب المسرحية في العالم العربي "كانت التجربة المسرحية الموريتانية وليدة إيمان رسخه رجال المسرح من هواة ومحترفين آمنوا بدور المسرح وتفرقوا أيادي سبأ لكي يكون للمسرح دوره في بناء الأمة وترسيخ قيم النبل والصدق والأمانة".
وتابع "أغلب التجارب المسرحية في العالم العربي وجدت نوعا من الاهتمام والرعاية من المسؤولين عنها، بينما كان المسرح الموريتاني وليدا شرعيا للرجال والجمعيات التي رسمت بما يساقط من إنتاجها ربيع المسرح الموريتاني وأجمل فصوله".
وزاد النشاط المسرحي في البلاد خلال تسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث ظهرت فرق جديدة وظهر ممثلون شباب تابع بعضهم تكوينات في المسرح خارج البلاد.
في تسعينات القرن الماضي، كانت فرقة المسرح الموريتاني تتلألأ كنجمة في سماء الفن المسرحي، حيث كانت لها بصمة خاصة ومكانة مرموقة في قلوب الجماهير.. كانت تلك أيام الإبداع والتميز، حيث كان الفن المسرحي يحمل رسائل هادفة وعميقة، وكان الممثلون يتحولون إلى فنانين مبدعين يصقلون مواهبهم ويعبرون عنها ببراعة فائقة. ولكن، للأسف، جرفتهم أمواج الحياة والضغوطات إلى سواحل غير مألوفة، حيث فقدوا الاتجاه وتشتتت طاقاتهم في وسط تحديات الحياة واكراهاتها المتزايدة.. ولكن يبقى ماضيهم الفني الجميل يشكل ذكرى جميلة للعصر الذهبي للفن المسرحي، ويبقى الأمل في أن تعود تلك الروح الإبداعية لتنير سماء الفن مرة أخرى بأعمال فنية تترك بصمة لا تُنسى.
Posted by سيدي عثمان محمد صيكه on Saturday, March 23, 2024ورافق هذه الدينامية الثقافية تأسيس رابطة التواصل التي يرجع إليها البعض الفضل في وضع المسرح الموريتاني على سكة الاحتراف، ليس فقط بمسرحياتها بل أيضا بإشرافها على تكوين جيل صاعد من الشباب الموهوبين.
وعلى نقيض الشعر والنثر، لم يقبل الموريتانيون على الكتابة المسرحية، حيث يجمع المتابعون لهذا الفن على قلة الكتاب المتخصصين في هذا الفن، كما يجمعون أيضا على قلة المتخصصين في فنون إخراجه.
من آرشيف المسرح الشعبي الموريتاني.. #تابعونا شوف انواذيبو
Posted by شوف انواذيبو on Thursday, August 15, 2024وفي عام 2011 شهد "أبو الفنون" نقلة نوعية أخرى في موريتانيا بانطلاق المهرجان الوطني للمسرح، والذي شكل أيضا فرصة مهمة لدعم وتشجيع المبدعين، كما لعب أيضا دورا مهما في تقريب هذا الفن من الجهور العريض.
ومع توالي السنوات، تقبل الموريتانيون هذا الفن، لكنه في المقابل، ظل فنا "هامشيا" يعاني محترفوه من قلة فضاءات العرض ومن ضعف الدعم الحكومي.
Posted by محمد مولاي مولاي ارشيد on Thursday, January 12, 2023في هذا السياق، يقول باب ميني في حوار مع قناة "صحراء 24" المحلية، "موريتانيا بكل أسف لم تعط اهتماما للمسرح (...) هذه الأجيال المتعاقبة تشتغل دون دعم رسمي، حتى أن الممثل قد يفضل بيع النعناع على احتراف المسرح لأنه يعلم أن المسرح لن يؤمن له قوت يومه".
وأضاف "أدعو لتفعيل معهد الفنون الجميلة وأرجو تفعيل جائزة رئيس الجمهورية للفنون، كما أرجو أن تكون لنا صالتين عرض حتى يتسنى لمحترفي هذا الفن التمرن على مسرحياتهم حتى ينافسوا بها خارج البلاد".
المصدر: الحرة
المصدر
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: فی موریتانیا هذه التجربة هذا الفن فی هذا
إقرأ أيضاً:
أحمد جبارة مسرحي يمني يحمل رسالة لخدمة الأجيال
صنعاء "د.ب.أ": رغم الظروف القاسية التي تعاني منها بلاده، يحرص الفنان والمخرج المسرحي اليمني أحمد علي جبارة 61 عاما على صنع البسمة وزراعة الأمل في محيطه، كرسالة سامية تأبى الانكسار أو الخفوت.
حكاية المسرح والعمل الفني لم تكن مجرد شغف اختاره جبارة في مرحلة لاحقة من حياته، وإنما سيرة لافتة بدأت معه منذ حوالي نصف قرن عندما كان يقف في ساحات المدرسة حاملا شارة الكشافة، ليبدأ منها رحلة ثرية مستمرة حتى اليوم في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم.
ولد أحمد علي جبارة في مدينة تعز جنوب غربي اليمن عام 1965، وكانت بدايته الأولى من مدرسة الثلايا الأساسية، حيث التحق وهو في عمر التاسعة بالحركة الكشفية.
في هذه المدينة العريقة التي توصف حاليا بأنها عاصمة الثقافة اليمنية، كانت البدايات الحقيقية لاكتشاف موهبة جبارة، فقد شارك في فرق الإنشاد والمسرح الكشفي، وبرز صوته المميز في الفعاليات المدرسية والوطنية.
في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) يتحدث جبارة بأنه في تلك الفترة- مطلع السبعينيات - لم تكن الكشافة مجرد نشاط مدرسي، وإنما بمثابة مدرسة متكاملة لبناء الشخصية، إذ تعلم من خلالها قيم الانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس والقدرة على التعبير والمواجهة والإبداع.
مازال جبارة يتذكر كيف تأثر في بدايات مشواره المسرحي والكشفي بعدد من القادة الكشفيين والمدرسين العرب، خصوصا المعلمين المصريين والسودانيين الذين نقلوا خبراتهم إلى اليمن في مجالات الكشافة والمسرح والرياضة، وأسهموا في تشكيل الوعي الفني والثقافي خلال السبعينيات والثمانينيات.
في عام 1980، وهو في الـ 15 من عمره انتقل جبارة إلى العاصمة صنعاء، والتحق بفريق المسرح العسكري الذي كان محطة مهمة في مسيرته الفنية.
وهناك تلقى تدريبات متخصصة على يد عدد من المسرحيين والمخرجين، بينهم الفنانان الفلسطينيان يوسف لبد وحسين الأسمر، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والفنانين اليمنيين والعرب.
ومثلت تلك الحقبة نقطة تحول لجبارة من مرحلة الموهبة والهواية إلى مسار التكوين الاحترافي، حيث تعمق في فنون الإخراج والتمثيل المسرحي.
وفي عام 1984 كان من بين الأعضاء المؤسسين لفرقة المسرح الوطني في تعز، التي تأسست بإشراف الخبير المسرحي المصري إميل جرجس، ليواصل بناء تجربته الفنية في المدينة التي احتضنت بداياته.
بعد إتمامه مرحلة الثانوية العامة، حصل أحمد جبارة على منحة لدراسة المسرح في الكويت نهاية عقد الثمانينيات، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن تتغير ظروف الدراسة بسبب حرب الخليج عام 1990، لينتقل إلى العراق ويواصل تعليمه في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد.
هناك تخصص في المسرح، وفي عام 1993 حصل على درجة بكالوريوس تمثيل وإخراج مسرحي، وعاد إلى وطنه حاملا معه تجربة أكاديمية انعكست لاحقا على أعماله ومشاريعه الفنية والتربوية في اليمن.
بعد عودته إلى اليمن، التحق موظفا بوزارة التربية والتعليم، وهناك بدأ مرحلة جديدة من حياته تمثلت في تحويل المسرح المدرسي إلى مشروع لاكتشاف المواهب وصناعة جيل جديد من المبدعين.
وفي عام 1995 أسس أول مهرجان للمسرح المدرسي في تعز بمشاركة نحو 15 مدرسة، بدعم من قيادة مكتب التربية والتعليم، ليصبح لاحقا مهرجانا مركزيا يتوسع عاما بعد عام.
المسرح وسيلة تربوية
لم يكن جبارة يقتنع فقط بمجرد إقامة عروض مسرحية ترفيهية، وإنما يرى في المسرح وسيلة تربوية لبناء شخصية الطالب وتعزيز ثقته بنفسه وقدرته على الحوار والتفكير والإبداع.
كما أسس فرقا مسرحية مدرسية على فترات متفرقة في تعز، ودرب العديد من الطلاب الذين أصبحوا لاحقا ناشطين في المجال الثقافي والفني.
وإلى جانب ذلك، امتدت تجربة جبارة إلى خارج تعز، حيث شارك في تدريب معلمي المسرح المدرسي في صنعاء، كما كان ضمن المدربين والمشرفين على مهرجانات المسرح المدرسي المركزية على مستوى اليمن.
وشارك في هذه التجارب إلى جانب عدد من المسرحيين اليمنيين، بينهم المخرج المسرحي الراحل فريد الظاهري (عام 2007) والكاتب والناقد المسرحي عبدربه الهيثمي الذي توفي في فبراير 2026.
إنجازات وحضور عربي ومحلي
ومن أبرز محطات تجربة الفنان جبارة الفوز بجائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في المهرجان الثالث للمسرح اليمني في العاصمة صنعاء، عام 1995.
وبعدها بعشر سنوات، فاز بجائزتي أفضل إخراج مسرحي وأفضل تصميم ملابس في المهرجان الثالث للمسرح المدرسي لدول مجلس التعاون الخليجي واليمن، وذلك في المملكة العربية السعودية عام 2005.
يفيد جبارة أيضا بأن تجربته المسرحية امتدت إلى المسرح الجامعي، حيث شارك مع جامعة تعز في عدد من الأعمال المسرحية، من بينها مسرحية "لا تصالح" المأخوذة عن قصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل (توفي عام 1983)، والتي جرى تحويلها إلى لوحة مسرحية، وشاركت بها جامعة تعز في مهرجان الجامعات العربية بجامعة جنوب الوادي في مصر عام 2002، وحصلت على المركز الأول.
ورغم ظروف الحرب التي أثرت على القطاع المسرحي والفني بشكل كبير، واصل جبارة نشاطه وشغفه ونجح في الفوز بجائزة أفضل عمل مسرحي متكامل عن مسرحية (ميس) في مهرجان المسرح اليمني بمدينة عدن، عام 2018، وكذلك الفوز بجائزة أفضل مخرج مسرحي عن مسرحية (الخلاص) في مهرجان المسرح اليمني بحضرموت عام 2020.