القيمة التي نبنيها معا
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
◄ القيمة المحلية المضافة ليست شعارًا؛ بل دعوة لكل فرد ومؤسسة أن يكون شريكًا في صناعة الأثر
ريم الحامدية
reem@alroya.info
بين أوراق المكتب والجرائد وضجيج الهاتف ورسائل البريد واجتماعات التحضير، كان هناك شعور دائم بأننا في جريدة الرؤية- روّاد إعلام المبادرات- نقوم بأكثر من مجرد عمل صحفي عادي؛ إذ نؤمن بأنَّ الإعلام في حد ذاته عمل قائم على المبادرة، وأن لكل فكرة أثرًا يمكن أن يُصنع، ومن هنا، وُلد في عام 2019 مُنتدى عُمان للقيمة المحلية المضافة، تلك الشرارة الأولى التي أشعلت حراكًا مستمرًا، لتتوالى السنوات، سنة تلو الأخرى، حتى وصلنا هذا العام إلى النسخة السادسة، التي تجمع بين التنوع الموضوعي، الخبرة الوطنية، ورؤية واضحة لتعزيز المنتج الوطني.
فالقيمة المحلية المضافة ليست مجرد مفهوم اقتصادي أو أرقام وإحصاءات؛ بل هي كل ما يُضاف من إبداع ومعرفة وجهد في إنتاج سلعة أو خدمة محلية، تجعلها أكثر من مجرد منتج، لتصبح أثرًا ملموسًا في المجتمع، ودعمًا حقيقيًا للاقتصاد الوطني، إنها تعكس كفاءة الفرد والمؤسسة، وتُعزز الانتماء للوطن، وتفتح الطريق أمام التنمية المُستدامة.
كلنا شركاء في هذه القيمة؛ من صانع المنتج، إلى المستهلك، إلى كل من يسهم بفكر أو جهد أو دعم، فالقيمة المحلية المضافة ليست ملكًا لفئة واحدة أو هيئة محددة، بل مسيرة جماعية نشارك فيها جميعًا، ونكتبها بأيدينا على أرض الواقع، فكل منتج محلي يحمل في طياته قصة إبداع، وجهد، وفخر وطني، وكل ريال يُنفق هنا يزرع أثرًا يتعدى الحدود المادية ليصل إلى القلوب والعقول.
أهمية القيمة المحلية المضافة تتجاوز الاقتصاد؛ فهي تبني هوية وطنية، ووعيًا مجتمعياً، وثقافة إنتاجية تجعلنا ندرك أن كل خطوة نخطوها، وكل اختيار نتخذه كمواطنين، هو رسالة نقول بها: نحن نؤمن بما ننتجه، ونؤمن بأنَّ كل جهد له أثر، وكل منتج محلي يستحق أن يكون فخرنا.
عامٌ بعد عام، ونحن نجتمع في منتدى عُمان للقيمة المحلية المضافة، نناقش محاور مختلفة، نستمع للخبراء والمختصين، ونستعرض التجارب المحلية والدولية. ومع كل نقاش، نكتشف شيئًا جديدًا بأنَّ الطريق لا يزال طويلًا لتعميق مفهوم القيمة المحلية، وأن الحاجة للوعي والمعرفة تتزايد باستمرار، ففي كل نسخة من المنتدى تكشف عن أبعاد جديدة، وتطرح أسئلة مهمة حول كيفية تعزيز الإنتاج المحلي، ورفع مستوى الكفاءة، وجعل كل منتج يحمل أثرًا حقيقيًا في المجتمع والاقتصاد.
لكن رغم كل هذه الإنجازات، تواجه القيمة المحلية المُضافة تحديات كبيرة، يحتاج المجتمع لتعريف أوسع بها، ولوعي حقيقي يبدأ من المواطن العادي ويمتد إلى المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة؛ فالحاجة اليوم أصبحت مُلحَّة لإنشاء جمعية مُتخصِّصة تضم الباحثين والأكاديميين والخبراء، تعمل على تطوير المعايير، ورصد الجهود، ومتابعة أثر كل مُنتج محلي على الاقتصاد والمجتمع، لتصبح القيمة المحلية المضافة، جزءًا من ثقافتنا اليومية، ومكونًا رئيسيًا في استراتيجيات التنمية الوطنية.
وفي هذا السياق، يُصبح المنتدى ليس مجرد اجتماع سنوي؛ بل منصة للتوعية والتحفيز وللتحرك الجماعي نحو مجتمع واعٍ يقدّر ما يصنعه كل فرد وكل جهة، ويحوّل كل جهد محلي إلى أثر مستدام وملموس. إنِّه دعوة لكل واحد منِّا أن يكون عنصر أثر وقيمة في كل مكان يذهب إليه، وأن نزرع جميعًا ثقافة الإنتاج والابتكار والانتماء.
المنتدى، بعد ست سنوات ليس مجرد حدث؛ بل رحلة مستمرة نحو بناء وعي مجتمعي حقيقي بالقيمة المحلية المضافة، رحلة تجمع كل العقول النيرة، والجهود الصادقة، والأفكار المبتكرة، فالقيمة المحلية المضافة ليست شعارًا؛ بل دعوة لكل فرد ومؤسسة أن يكون شريكًا في صناعة الأثر، نرفع الوعي وندعم المبادرات ونحول كل جهد محلي إلى فخر مستدام ومستقبل مشترك.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)
في زمنٍ تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ الاقتصادي، وتُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على بناء الشراكات الذكية لا الجدران العازلة، لم يعد المستقبل ملكًا للأكبر مساحةً أو الأكثر ثروةً فحسب، بل للأكثر قدرةً على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والتاريخ إلى رؤية، والعلاقات إلى مشاريع تصنع الغد.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو العلاقة بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية أكثر من مجرد علاقة بين دولتين جارتين؛ إنها تجربة خليجية ناضجة تتشكل بهدوء، وتكبر بثقة، وتتجه بخطى ثابتة نحو نموذج متقدم من التكامل الاقتصادي والاستراتيجي، يستند إلى وضوح الرؤية، وتوافق الإرادة السياسية، وتطلع الشعبين إلى مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.
لقد أدركت القيادتان في مسقط والرياض أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم لا تنتظر المترددين، وأن الدول التي ترغب في حجز مكانها في اقتصاد المستقبل عليها أن تنتقل من مرحلة التعاون التقليدي إلى فضاء الشراكة العميقة. ومن هنا جاء التقاطع اللافت بين رؤية "عُمان 2040" ورؤية "السعودية 2030"، حيث تتلاقى الأهداف والطموحات في تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير البنية الأساسية، وخلق بيئات أعمال أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة.
ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أنها لا تكتفي بتبادل المصالح، بل تعمل على صناعة المصالح الجديدة. فالجغرافيا التي كانت يومًا حدودًا فاصلة، تحولت اليوم إلى جسور للتواصل والتنمية. ومنفذ الربع الخالي ليس مجرد معبر بري يربط بلدين شقيقين، بل بوابة اقتصادية فتحت آفاقًا واسعة أمام التجارة والاستثمار والسياحة، وأسهمت في تقليص المسافات بين الأسواق والفرص.
غير أن الطموح أكبر من ذلك، ومتطلبات المرحلة المقبلة تستدعي التفكير في شبكة أوسع من المنافذ البرية بين البلدين، بما يواكب النمو المتسارع في الحركة التجارية والسياحية والاستثمارية. فكما أسهم تعدد المنافذ بين بعض دول الخليج في رفع كفاءة الحركة الاقتصادية، فإن فتح منافذ إضافية بين السلطنة والمملكة يمكن أن يشكل نقلة نوعية في تدفق البضائع والأفراد، ويعزز التنمية في المناطق الحدودية، ويمنح المستثمرين مزيدًا من المرونة والخيارات اللوجستية.
وإذا كانت الطرق البرية تمثل شرايين الحركة على اليابسة، فإن الموانئ تمثل رئة الاقتصاد الحديثة. وهنا تبرز أهمية التكامل بين الموانئ العُمانية والسعودية باعتباره أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية قدرة على صناعة قيمة مضافة حقيقية للمنطقة بأسرها.
فميناء صلالة، بموقعه الاستثنائي على خطوط التجارة العالمية، وميناء الدقم بما يمتلكه من إمكانات تنموية وصناعية واعدة، يشكلان مع المراكز الصناعية والاقتصادية السعودية منظومة لوجستية متكاملة قادرة على إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية والدولية. إن الربط بين هذه المكونات ليس مجرد مشروع نقل أو شحن، بل مشروع تنموي متكامل يرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويعزز تنافسية الصادرات، ويجذب استثمارات نوعية قادرة على خلق فرص عمل وقيمة اقتصادية مستدامة.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة بوصفها إحدى أهم الفرص الاستثمارية في المنطقة. فهذه المدينة الصاعدة لا تمثل مشروعًا عُمانيًا فحسب، بل منصة خليجية واعدة يمكن أن تستقطب رؤوس الأموال والصناعات والخدمات اللوجستية والسياحية من مختلف أنحاء العالم، بما ينسجم مع تطلعات البلدين نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة.
أما سياسيًا، فإن العلاقة بين الرياض ومسقط تقدم نموذجًا راقيًا في إدارة الشراكات بين الدول. فالتفاهم العميق، والاحترام المتبادل، والنظرة المتوازنة للقضايا الإقليمية، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ الثقة وتعزيز الاستقرار، وأثبتت أن قوة العلاقات لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بعمق التفاهم وحكمة المواقف.
وفي ظل عالم تتسارع فيه التحالفات الاقتصادية والدفاعية، يصبح من الطبيعي أن تتجه دول الخليج نحو مزيد من التكامل، وأن تكون الشراكة العُمانية السعودية في طليعة هذه المسيرة. فالمستقبل لن يكون للأطراف المتفرقة، بل للكيانات القادرة على توحيد مواردها وتنسيق سياساتها وتعظيم فرصها المشتركة.
إن ما يجمع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية اليوم ليس مجرد مصالح عابرة، بل رؤية مشتركة لمستقبل الخليج. رؤية ترى في الطرق منافذ للنمو، وفي الموانئ منصات للازدهار، وفي الاستثمار جسرًا للتنمية، وفي التعاون قوةً تصنع الاستقرار.
ولهذا فإن الشراكة العُمانية السعودية لم تعد مجرد قصة نجاح ثنائية، بل أصبحت نموذجًا خليجيًا متقدمًا، يبرهن أن التكامل الحقيقي لا يبدأ من الاتفاقيات فحسب، بل من الإيمان المشترك بأن ازدهار الجار هو امتداد لازدهارك، وأن المستقبل الأفضل يُبنى معًا، لا فرادى.
ومن هنا، فإن كل طريق جديد يُعبد بين البلدين، وكل استثمار مشترك يُطلق، وكل مشروع لوجستي يُنجز، ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجلات الاقتصاد، بل خطوة جديدة في صناعة مستقبل خليجي أكثر قوةً وازدهارًا وتأثيرًا في العالم.