بعد 10 سنوات.. هل فشل اتفاق باريس للمناخ حقا؟
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
منذ أن احتفل العالم باتفاق المناخ التاريخي في باريس عام 2015، تغير العالم بشكل كبير خلال العقد الذي انقضى، ولكن ليس بالطريقة التي توقعها القادة الذين وقعوا على الاتفاق.
وأقر القادة الذين اجتمعوا في قمة مؤتمر المناخ بمدينة بيليم البرازيلية يومي الخميس والجمعة الماضيين بأن العالم فشل في الحد من ظاهرة احترار المناخ بما يتوافق مع الاتفاق الذي أبرم قبل 10 سنوات.
ويقول عديد من العلماء والمسؤولين إن ظاهرة الاحتباس الحراري على الأرض أصبحت أسوأ وأسرع، جراء الزيادة في حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي الذي ينبعث منه تلوث الكربون الذي يؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي.
ومع أنه تم تحقيق بعض التقدم، بتخفيض أكثر من درجة مئوية من توقعات الاحتباس الحراري المستقبلية منذ عام 2015، ولكن الافتقار إلى القدر الكافي من ذلك سوف يكون محور تركيز كبير خلال الأسبوعين المقبلين في بيليم بالبرازيل للمشاركة في مفاوضات الأمم المتحدة السنوية بشأن المناخ.
ويقول يوهان روكستروم، مدير معهد بوتسدام لأبحاث المناخ في ألمانيا: "أعتقد أنه من المهم أن نكون صادقين مع العالم ونعلن فشلنا". وأضاف أن أضرار الاحتباس الحراري تحدث بشكل أسرع وأكثر حدة مما توقعه العلماء.
من جهتها، تقول كريستيانا فيغيريس، رئيسة المناخ السابقة في الأمم المتحدة، والتي ساعدت في رعاية هذا الاتفاق، الذي يتطلب من البلدان وضع خطط لمكافحة الاحتباس الحراري: "نحن في الواقع في الاتجاه الذي حددناه في باريس بسرعة لم يكن أحد منا ليتوقعها".
لكنها قالت إن سرعة جهود البشرية لمكافحة المناخ أبطأ من تسارع أضرار المناخ، مضيفة أن هذا يعني أن "الفجوة بين التقدم الذي نراه على الأرض والمكان الذي ينبغي أن نكون فيه، لا تزال موجودة وتتسع".
إعلانوقالت إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إن العالم "يتأخر بشكل واضح.. نحن نقطع الفرع الذي نجلس عليه".
منذ عام 2015، ارتفعت درجة حرارة الكوكب السنوية بنحو 0.46 درجة مئوية، وهي واحدة من أكبر الزيادات المسجلة في درجات الحرارة خلال 10 سنوات، وفقا لبيانات هيئة كوبرنيكوس الأوروبية للمناخ. وحسب المنظمة الدولية للأرصاد الجوية، فإن عام 2025 سيكون إما ثاني أو ثالث أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق.
لقد ضربت موجات الحر القاتلة ليس فقط المناطق الساخنة التقليدية، مثل الهند والشرق الأوسط، ولكن شملت حتى أكثر الأماكن اعتدالا، مثل منطقة شمال غرب المحيط الهادي في أميركا الشمالية وسيبيريا في روسيا.
وتعرضت الأرض مرارا وتكرارا لتقلبات جوية أكثر تكلفة وخطورة وتطرفا. وشهد العقد المنصرم -بدءا من عام 2015- أكبر عدد من أعاصير الأطلسي من الفئة الخامسة، وأكبر عدد من الكوارث الجوية التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات في الولايات المتحدة، وفقا لسجلات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي.
وقد تعرضت الولايات المتحدة لـ193 كارثة، كلفت ما لا يقل عن مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية، بكلفة إجمالية بلغت 1.5 تريليون دولار.
كما التهمت حرائق الغابات أجزاء من هاواي وكاليفورنيا وأوروبا وأستراليا. ودمرت الفيضانات مناطق في باكستان والصين وجنوب أميركا، وزادت حدة الأعاصير التي ضربت شرق آسيا ومنطقة الكاريبي. وحسب تقديرات العلماء، فإن معظم هذه الكوارث، تحمل بصمات تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.
ومنذ عام 2015، اختفت أكثر من 7 تريليونات طن من الجليد من الأنهار والصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، وفقا لتقديرات علماء الجليد. وهذا يعادل أكثر من 19 مليون مبنى بحجم "إمباير ستيت" في نيويورك.
وخلال العقد الماضي، ارتفع منسوب مياه البحار في العالم بمقدار 40 مليمترا. وربما لا يبدو هذا كثيرا، ولكنه يكفي لملء 30 بحيرة بحجم بحيرة إيري (بين الولايات المتحدة وكندا)، وفقا لستيف نيريم، أستاذ بجامعة كولورادو وباحث في ارتفاع مستوى سطح البحر.
وحتى منطقة الأمازون، حيث ينعقد مؤتمر المناخ العالمي في البرازيل، تحولت من منطقة إنقاذ الكوكب التي تمتص الغازات المسببة للاحتباس الحراري من الهواء إلى منطقة تنفث هذه الغازات في بعض الأحيان بسبب إزالة الغابات.
ولكن هناك أيضا الكثير مما يحتفل به المسؤولون خلال السنوات العشر الماضية، فقد أصبحت الطاقة المتجددة الآن أرخص في معظم الأماكن من الفحم والنفط والغاز الطبيعي الملوث.
ففي العام الماضي، كان 74% من النمو في الكهرباء المولدة عالميا من طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من الخيارات الخضراء، وفقا لتقريرين صادرين عن الأمم المتحدة في يوليو/تموز الماضي. وفي عام 2015، بِيعَ نصف مليون سيارة كهربائية عالميا، و17 مليون سيارة العام الماضي، وفقا للتقرير.
إعلانفي عام 2015، توقعت الأمم المتحدة أن ترتفع درجة حرارة الأرض بما يقارب 4 درجات مئوية منذ منتصف القرن الـ19. أما الآن، فالعالم في طريقه إلى ارتفاع درجة حرارته 2.8 درجة مئوية، وربما أقل قليلا إذا التزمت الدول بوعودها.
ولكن هذا لا يزال بعيدا كل البعد عن هدف الحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية، وهو المستوى الذي تقول التقارير العلمية إنه يمثل خط الخطر إلى حد كبير والذي أصبح الهدف الشامل لاتفاقية باريس.
وفي هذا السياق يقول روكستروم: "قبل 10سنوات، كان لدينا مسار أكثر تنظيما للابتعاد تماما عن 1.5 درجة مئوية. والآن، بعد مرور 10 سنوات، فشلنا".
ويكشف تقرير يفحص عشرات المؤشرات على التقدم -مثل منشآت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح- في التحول من اقتصاد الوقود الأحفوري، عن أن أيا منها لم يكن على المسار الصحيح للحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة عند أو أقل من هدف 1.5 درجة مئوية.
ووجد التقرير -الذي أعدته مؤسسة بيزوس للأرض، ومؤسسة تحليلات المناخ، وأبطال المناخ رفيعي المستوى، ومؤسسة كلايمت ووركس، ومعهد الموارد العالمية- أن 35 فقط من الدول تسير في الاتجاه الصحيح على الأقل، وإن كان ذلك ببطء شديد.
وتقول كيلي ليفين، مؤلفة التقرير ورئيسة قسم العلوم والبيانات في صندوق بيزوس للأرض: "التقنيات، التي كانت في السابق مجرد افتراضات، أصبحت الآن واقعا ملموسا. والخبر السار هو أن الواقع قد فاق كثيرا من التوقعات قبل عقد من الزمن. لكنها ليست سريعة بما يكفي لتلبية الاحتياجات".
حسب التقارير، ارتفعت مستويات الميثان في الغلاف الجوي بنسبة 5.2% من عام 2015 إلى عام 2024، في حين قفزت مستويات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5.8% في الوقت نفسه، وفقا لبيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي.
لقد خفضت عديد من البلدان النامية، بما في ذلك الولايات المتحدة وبقية العالم المتقدم، انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 7% منذ عام 2015، ولكن بلدانا أخرى شهدت ارتفاع انبعاثاتها، مع ارتفاع انبعاثات الصين بنسبة 15.5% والهند بنسبة 26.7%، وفقا لبيانات مشروع الكربون العالمي.
كما يشير تقرير لمنظمة أوكسفام الدولية حول الانبعاثات العالمية حسب مستوى الدخل إلى أن أغنى 0.1% من الناس زادوا انبعاثاتهم الكربونية بنسبة 3% منذ عام 2015. وفي الوقت نفسه، خفض أفقر 10% من الناس انبعاثاتهم بنسبة 30%.
وفي هذا السياق تقول جوانا ديبليدج، مؤرخة مفاوضات المناخ من جامعة كامبريدج بإنجلترا: "لقد كان أداء اتفاقية باريس نفسها دون المستوى المطلوب.. للأسف، إنها من تلك الحالات التي يكون فيها نصفها ممتلئا ونصفها فارغا، حيث لا يُمكن القول إنها فشلت. ولكن في الوقت نفسه، لا يُمكن القول إنها نجحت نجاحا باهرا".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات تغي ر المناخ الاحتباس الحراری الأمم المتحدة درجة مئویة منذ عام 2015
إقرأ أيضاً:
تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا
باريس "أ.ف.ب": أفاد فريق دولي من العلماء اليوم الخميس بأن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري فاقم موجة الجفاف الشديد التي تجتاح أوروبا، مشيرا إلى أن درجات الحرارة القياسية وليس نقص هطول الأمطار، هي السبب الرئيسي لهذه الأزمة.
وتجتاح القارة موجة جفاف شديد، وتواجه دول من فرنسا إلى رومانيا، جفاف أنهار وقيودا على استهلاك المياه وحرائق غابات مدمرة، وذلك عقب موجة حر تاريخية ضربت المنطقة في يونيو.
وأظهرت دراسة جديدة أن المناخ الأكثر حرا في الوقت الراهن سرّع من فقدان الرطوبة في تربة أوروبا وبحيراتها وأنهارها، ما يزيد من احتمال حدوث ظروف جفاف شديد.
وأشارت مريم زكريا، وهي إحدى المشاركات في إعداد الدراسة التي أجرتها مجموعة World Weather Attribution، إلى أن أجزاء واسعة من أوروبا شهدت معدلات هطول أمطار دون المتوسط خلال فصل الربيع، إلا أن الحرارة الناجمة عن تغير المناخ هي التي جعلت الجفاف "أكثر حدة".
وأوضحت الباحثة في إمبريال كوليدج لندن لصحافيين "عموما، تظهر نتائجنا أن هذا الجفاف ليس مجرد قصة شح في الأمطار بالدرجة الأولى، بل هو نتاج غلاف جوي أشد حرارة يتسبب في زيادة العجز الرطوبي في الأرض".
وأضافت "وهذا يعني أنه حتى في المناطق التي لم تشهد تغيرات كبرى في كمية المتساقطات أو التي يتوقع فيها زيادة الأمطار موسميا، فإن مخاطر الجفاف تواصل الارتفاع".
ويعود ذلك إلى أن الغلاف الجوي الأكثر دفئا يمكنه حبس حوالي 7% إضافية من بخار الماء مع كل ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية، وفق العلماء.
وارتفعت حرارة الأرض 1,4 درجة مئوية تقريبا منذ الفترة بين عامَي 1850 و1900، ويعود ذلك أساسا إلى حرق الفحم والنفط والغاز.
ويقول العلماء إن تغير المناخ يجعل الظواهر المدمرة، مثل موجات الجفاف والفيضانات وموجات الحر، أكثر تكرارا وشدة، وإن أوروبا هي القارة الأسرع احترارا في العالم.
وأفاد مرصد "كوبرنيكوس" الأوروبي بأن الشهر الماضي كان أكثر أشهر يونيو حرا على الإطلاق في أوروبا الغربية حيث تسببت موجة حر شديدة في آلاف الوفيات الإضافية.
وقال دومينيك شوماخر الذي شارك في وضع الدراسة من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زوريخ لصحافيين، إن الحرارة كانت شديدة لدرجة أن المناطق التي شهدت شتاء رطبا نسبيا جفت تماما بعد أشهر قليلة.
وتابع "عندما يزداد الهواء سخونة، فإنه يمتص الرطوبة من التربة ويجففها. حينها، تزداد درجات الحرارة ارتفاعا وتصبح التربة أكثر جفافا"، مشيرا إلى أن هذا الجفاف السريع هيأ الأرض أيضا لاندلاع حرائق الغابات.
وفي هذه الدراسة، استخدم علماء من أوروبا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة بيانات طقس ونماذج حاسوبية لمقارنة موجة جفاف في عالم اليوم الذي يشهد ارتفاعا في درجات الحرارة، بمناخ كانت درجات الحرارة فيه أقل بمقدار 1,4 درجة مئوية.
ووجدوا أن احتمال حدوث تربة شديدة الجفاف في الوقت الراهن تزيد بمقدار خمس مرات في أوروبا الغربية مقارنة بعالم خال من تغير المناخ، وبمقدار 11 مرة في أوروبا الشرقية.
وأصبح احتمال تسجيل المستويات المرتفعة للغاية من الطلب البخاري، وهو قدرة الغلاف الجوي على امتصاص الرطوبة من التربة والنباتات، التي شهدتها أوروبا الغربية بين أبريل ويونيو، أعلى بحوالي 80 مرة بسبب تغير المناخ.
وقالت مريم زكريا "بما أن الغلاف الجوي أصبح أكثر عطشا للماء الآن، فإن العجز في هطول الأمطار الذي ربما لم يكن ليسبب جفافا في مناخ ما قبل الثورة الصناعية، يمكنه اليوم أن يؤدي إلى كارثة أكثر شدة".